أخلاق

الابتلاء: بين الأسباب الظاهرية والغيبيّة

245-246

بقلم: الشيخ يحيى رسلان

خلق الله تعالى الوجود جارياً على الأسباب، وجعل الأسباب على نحوين: ظاهريّة، وغيبيّة.

وقد جعل الأصل في جريان الأمور التكوينيّة الأسباب الظاهريّة.

ففي مرفوعة محمد بن عيسى العبيدي قال أبو عبد الله عليه السلام : “أبى الله أن يُجري الأشياء إلا بالأسباب ، فجعل لكلِّ شيء سبباً”.[1]

فالله لا يريد للأمور أن تجري سوى بأسبابها، ولكن بتسبيب الله، فهي لا تجري إلا بإذنه .

فمع أنَّ الله _جلّت عظمته_ يقول في كتابه: “إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون”(البقرة،11).

ومع ذلك لم يُجرِ الأمور إلا بالأسباب فلقد ورد: “إذا أراد اللّه شيئا هيّأ أسبابه” ولم يفعله مباشرة، فالأصل هو جريان الأسباب الظاهرية .

وقال تعالى: “ذلك بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”(الأنفال،53)  .

الولاية التكوينية والأسباب الظاهرية:

إنّ الولاية التكوينية ثابتة للإمام عليه السلام بالأدلَّة التي أوردها العلماء في مصنفاتهم.

ولكن هل يُجري الإمام ولايته مطلقاً، أم يتعاطى بالأسباب الظاهرية؟

إنّ الإمام عليه السلام لا يخرج في اختياراته عن إرادة الله عز وجل ، فالله أبى أن يُجري الأمور إلا بأسبابها.

وعليه فإعمال السبب الغيبي يحتاج الى إذن خاص.

وهذا ما نجد شواهده في سيرتهم عليهم السلام، إن كان في تعاملهم مع شيعتهم:

منها ما رواه  زَيد بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ:” مَرِضْتُ فَدَخَلَ الطَّبِيبُ عَلَيَّ لَيْلًا فَوَصَفَ لِي دَوَاءً بِلَيْلٍ آخُذُهُ كَذَا وَ كَذَا يَوْماً فَلَمْ يُمَكِّنِّي فَلَمْ يَخْرُجِ الطَّبِيبُ مِنَ الْبَابِ حَتَّى وَرَدَ عَلَيَّ نَصْرٌ بِقَارُورَةٍ فِيهَا ذَلِكَ الدَّوَاءُ بِعَيْنِهِ فَقَالَ لِي- أَبُو الْحَسَنِ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ خُذْ هَذَا الدَّوَاءَ كَذَا وَكَذَا يَوْماً فَأَخَذْتُهُ فَشَرِبْتُهُ فَبَرَأْتُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ يَأْبَى الطَّاعِنُ أَيْنَ الْغُلَاةُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ”.[2]

وغيرها من الروايات الكثيرة .

فهم عليهم السلام كانوا يوجّهون الأمّة نحو الاخذ بالأسباب الظاهرية، فالإمام عليه السلام قادر أن يأمر المرض فيخرج من المريض وتنتهي القضية، ولكنّ الإمام عليه السلام أراد للمؤمن أن يأخذ بالأسباب الظاهرية لأنّ هذه هي الإرادة الإلهية. هذا مع وجود المؤمن المريض في محضر الإمام عليه السلام، فضلاً عما لو كان بجوار مرقده الشريف.

فقد روى زياد بن أبي الحلال عن أبي عبد الله عليه السلام  قَالَ: “قَالَ مُوسَى عليه السلام : يَا رَبِّ مِنْ أَيْنَ الدَّاءُ ؟

قَالَ: مِنِّي.

قَالَ : فَالشِّفَاءُ ؟

قَالَ :مِنِّي.

قَالَ :فَمَا يَصْنَعُ عِبَادُكَ بِالْمُعَالِجِ ؟

قَالَ : يَطِيبُ بِأَنْفُسِهِمْ.

فَيَوْمَئِذٍ سُمِّيَ الْمُعَالِجُ الطَّبِيبَ “. [3]

هذه الرواية مع تصريحها أنّ الشافي هو الله، ولكنّه لا يشفي المريض حتى يأخذ بالوسائل.

فعليك بالأخذ بالأسباب، والله هو الشافي.

ومن هنا قال الأعلام تعليقاً على قول مَن رفض استعمال الأسباب واعتبره شركاً بالله تعالى:” العقل بفطرته الأصليّة يكذّب هذا القول وينفر عنه ، والكلمات الإلهيّة تنادي بأعلى صوتها بشناعته، والموحِّد مع أنّه يرى الكلّ من اللَّه تعالى ويقول بحقائق الإيمان: ليس المؤثّر في الوجود إلّا اللّه، يقول: أبى اللّه أن يُجري الامور إلّا بأسبابها، ويرى ما سواه مُعدّات مسخَّرات بأمره تعالى، والمؤثّر في الحقيقة هو تعالى ومع ذلك يقول: لا يجوز تخلّف المسبّبات عن الأسباب‏”.[4]

ومن جهة أخرى، ولفهم حقيقة فاعليّة الأسباب، لا بد من النظر في ما ورد في دعاء الإمام السجّاد عليه السلام: “وَ يَا مَنْ لَا تُبَدِّلُ حِكْمَتَهُ الْوَسَائِلُ”.[5]

فحكمة الله البالغة حاكمة ومقدَّمة على الأسباب الظاهريّة، وكذلك الغيبيّة.

فقد ورد في الحديث: ” إنّ العبد ليدعو الله تعالى بالشيء حتى ترحمه الملائكة وتقول: إلهي ارحم عبدك المؤمن وأجِب دعوته، فيقول الله تعالى: كيف أرحمه من شيء به أرحمه؟”.[6]

فإذا كانت الحكمة أنّ المرض لا يرتفع إلا بدواء، فالإمام عليه السلام يُجري الأمر على وفق حكمة الله تعالى، فهو العارف بها دون غيره.

هذا بلحاظ موقف الإمام عليه السلام  مما يجري مع الناس.

وأمّا من جهة ما يجري على شخصه الشريف فإنّ من قرأ السيرة علم أنّ الامام علي عليه السلام  شرب السّم من الطبيب الهندي ولم يؤثِّر فيه، وأنّ الإمام موسى الكاظم عليه السلام  سُمِّم وهو يعرف ويستطيع أن يمنع السّم من أن يؤثِر فيه ، ولكنَّ الإمام عليه السلام  ترك الأمر يجري على الأسباب الظاهريّة، لاقتضاء الحكمة الإلهيّة لذلك، فالإمام عليه السلام  لا يُعمل الولاية التكوينيّة إذا خالفت مقتضى الحكمة الإلهيّة البالغة .

ماذا عن مشاهدهم المشرّفة؟

في المشاهد المشرفة نرى أنّ الأسباب الغيبيّة تارة تؤثّر مباشرةً لحكمة، فيحصل شفاء المشلولين بشكل فوري.
والغالب أنَّ التأثير يأتي مع اليقين والحكمة، ولهذا يتوسّل الآلاف بالأئمة فالبعض يجري شفاؤهم أو قضاء حوائجهم بشكل غيبي وفوري.

والبعض قد يكون يقينهم ضعيف، ولكن يُشفون لحكمة مثل هدايتهم، أو رحمةً بأولادهم أو حجّة عليهم وتارة تجري الأسباب الظاهرية ،ولكن بفاعليّة ناتجة ببركة الإمام عليه السلام.

وتارةً تكون الحكمة في عدم رفع البلاء، فلا يُستجاب له لأنّ الاستجابة هنا خلاف الحكمة.

 
الزيارة في ظلّ الوباء:

إنّ الأصل في الأمور كما تقدّم الجريان على الأسباب الظاهريّة، وبالتالي فينبغي إعمال سُبُل الوقاية داخل المشاهد المشرّفة.

نعم لو علمنا بأنّ الحكمة الإلهيّة شاءت إعمال السبب الغيبي في الولاية التكوينيّة، فهنا لا أثر للأمراض ولا الجراثيم أمام هذه الولاية القاهرة.

لكنَّ مثل ذلك يحتاج إلى دليل لجريانه على خلاف الأصل في سير الأمور.

نعم، لا يجوز إخلاء مشاهدهم المشرّفة من الزوّار لأنّها منازل رحمة الله، التي يُحِبُّ أن يُدعى فيها، والتضرُّع إليه فيها من دواعي رفع البلاء بتفعيل الأسباب الظاهريّة، أو بالرفع الغيبي.

نعم كلّ ذلك مع الأخذ بسبل الوقاية المطلوبة في كلّ مكان.


الهوامش:

[1] الصفار؛ بصائر الدرجات؛ ص ٢٦.

[2] الكليني؛ الكافي؛ ج١؛ ص٥٠٢.

[3] المصدر نفسه؛ ج‏٨، ص: ٨٨.

[4] الخوئي؛ حبيب الله؛ منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ج‏١٧، ص ٢٧٢

[5] الصحيفة السجادية، ص: ٦٨.

[6] الشهيد الثاني؛ تسلية الفؤاد؛ ص ١٩.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق