معالم اسلامية

فريضة الصيام وفضلها  

245-246

بقلم : آية الله السيد علي مكي العاملي.

 

فريضة الصيام من أهمّ الفرائض في الإسلام، ومن أركانه، ومن ضروريّاته .

ومعنى الضروري: ” الفرض الذي يعرفه كلُّ مسلم ومنكره كافر”.

وقد شُرِّع الصوم في السنة الثانية للهجرة.

وأهمية الصوم ليست في كونه عبادةً أو مظهراً من مظاهر الطاعة والانقياد فقط ، وإنّما أهمّيته مضافاً إلى كونه عبادة وفرضاً شرّعه الله، أنّه يَرسم وينير آفاق العبوديّة المُطلَقة للإنسان، وينطلق معها نحو الحرية المطلَقة فهو يحرّر الإنسان من قيود المادّة والأهواء والشهوات، ومِن أَسرِ المَلَذّات والرغبات، ويرتفع بالإنسان إلى عالم الصفاء والنقاء والإخلاص ويعيش في خدمة المولى بكلِّ شوقٍ وصدقٍ وما هو خير وأبقى.

وفي الحديث الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام  يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: الصوم جُنّة، أي سِتر من آفات الدنيا وحجابٌ من عذاب الآخرة، فإذا صُمت فانوِ بصومك كفَّ النفس عن الشهوات، وقطع الهمّة عن خطرات الشيطان، وأنزِل نفسك منزلة المرضى، ولا تشتهي طعاماً ولا شراباً، متوقِّعاً في كل لحظة شفاك من مرض الذنوب، وطهِّر باطنك من كلّ كَدَرٍ وغفلة وظُلمة تقطعك عن معنى الإخلاص لوجه الله تعالى.

وفي حديث آخر، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله قال الله تعالى: ” الصوم لي وأنا أجزي به”، فالصوم يميت مراد النفس، وشهوة الطبع الحيواني، وفيه صفاء القلب، وطهارة الجوارح، وعمارة الباطن، والشكر على النعم والاحسان إلى الفقراء[1].

إنَّه عبادة تربوية إصلاحية تستهدف تربية الفرد من الداخل وفي العمق باتجاهين:

  • الأول: إبعاده عن المحرّمات والمعاصي والموبقات كالغيبة، والنميمة، والحسد، والكذب، والغش، والسّب، والشتم، وشرب الخمر، وأكل الربا، والاعتداء على الناس بأيّ نوع كان.
  • الثاني : الارتفاع بالإنسان إلى المستوى الروحي والأخلاقي وتحصيل الكمالات بالالتزام بصيامه والقيام بالأعمال المستحبّة فيه.
فضل الصوم

الأحاديث الواردة في فضل الصوم  كثيرة وجليلة ومهمة جداً من حيث السند ومن حيث المضمون. وهي تشمل الواجب والمستحبّ. فما كان منه واجب يؤتى به امتثالاً لأمر الله سبحانه لتحقيق البراءة من التكليف الشرعي والخروج من عهدة المسؤولية بين يدي الله تعالى.

وما كان مستحبّاً يؤتى به تطوُّعاً واحتساباً وإيماناً بالله سبحانه، وكلاهما يترتّب عليه ثواب عظيم و آثار كريمة مهمة. ولفضل الصوم ومقامه ولجزيل ثوابه عند الله ورد فيه الحديث القدسي: ” الصوم لي وأنا أجزي به” فثواب الصائم مخزون في علم الله عزّ وجلّ. لأنّه عبادة قائمة بين العبد وربّه، وليس أعظم في الفضل والثواب من أن يتولى المولى تحديد الثواب، كي يزداد العبد توجّهاً وانقطاعاً إليه تعالى.

ورد في الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله :لكلِّ شيء زكاة وزكاة الأبدان الصيام.[2]

وقال صلّى الله عليه وآله :” إنَّ للجنّة باباً يدعى ” الريان” ،لا يدخل منه إلا الصائمون”.[3]

وقال صلّى الله عليه وآله:“من صام يوماً تطوعاً أدخله الله عزَّ وجَل الجنة.[4]

قال أبو عبدالله عليه السلام:” نوم الصائم عبادة ، وصمته تسبيح ،وعمله مُتَقبَّل، ودعاؤه مستجاب”.[5]

وسأل أبو ذر النبي صلّى الله عليه وآله  :“ما الصوم؟  قال: فرضٌ مجزي وعند الله أضعاف كثيرة”.[6]

وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله :” إنَّ الله عزَّ وجَلَّ وَكَّل الملائكة بالدعاء للصائمين.[7]

وما أكثر الروايات الواردة في فضل الصوم. وليس أمام الإنسان إلا أن يتوجّه إلى الله تعالى سواءً كان الصوم واجباً أو مستحبّاً، بصدق النيّة وخالص العمل محتسِباً لذلك عند الله وله ما يشاء من الثواب، والأجر والفضل والإحسان، والله تعالى كريمٌ يشكر على القليل ويجزي الكثير بالقليل، ويعطي ما يشاء بلا حساب.

قال تعالى : ” مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً “(البقرة: ٢٤٥).

وحتى أبواب الشيطان يسدّها الصوم بل يسدُّ عليه كلَّ مَنفَذٍ يمكن أن يدخل منه ما دام الإنسان في طاعة الرحمن.

ورد في الحديث، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله :ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تباعد عنكم الشيطان كما باعد المشرق من المغرب؟
قالوا: بلى.

 قال :”الصوم يُسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله والموآزرة على العمل الصالح يقطعان دابره، والاستغفار يقطع وَتينه ولكلِّ شيء زكاة وزكاة الأبدان الصوم[8].

أقسام الصوم

الصوم واجب ومستحبٌّ وحرام ومكروه.

  1. الصوم الواجب:

صوم شهر رمضان، وصوم قضائه، وصوم شهرين مُتتابعين كفّارةً في أحوال عديدة، وصوم ثلاثة أيام كفّارة يمين، وصوم النذر فإنّه واجب بالنذر.

  1. الصوم الحرام:
  • صوم يوم العيدين :الفطر والأضحى، وصوم أيام التشريق وهي الأيام الثلاثة التي بعد الأضحى في مِنى لأنّ الحجاج وغيرهم في مِنى ضيوف الرحمن.
  • صوم يوم الشكّ على أنّه من شهر رمضان فإنّه حرام، لأنّه لم يثبت دخول شهر رمضان ، فلا بُدَّ من صيامه على أنّه من شعبان.
  • صوم نذر المعصية: ينذر أن يصوم شكراً لله إذا فعل الحرام الفلاني، فهذا حرام، فإنّه لا يُطاع الله من حيث يُعصى، ولا تكون المعصية شكراً.
  • صوم الوصال : بأن يجعل سحوره عشاءه أو لا يفطر أبداً.
  • صوم الصمت: وهو أن لا يتكلَّم إلى الليل أو يسكت أياماً، وصوم الدهر، فإنّه حرام.
  • صوم العبد تطوّعاً بدون إذن مولاه.
  • صوم المرأة تطوُّعاً بدون إذن زوجها إذا كان يمنعه من حقّه على الأحوط.
  1. الصوم المستحب: وأنواعه كثيرة أهمها:

صوم ثلاثة أيام من كلِّ شهر، أول خميس من أول الشهر وأربعاء في وسطه وخميس من آخره، وصوم شهر رجب بكامله، وصوم شهر شعبان بكامله، وصوم الغدير وغيرها كثير.

  1. الصوم المكروه:

صوم يوم عرفة إذا كان يُضعِفه عن الدعاء، ومنه صوم الضيف تطوعاً بدون إذن مضيفه.

وذِكر هذه الأقسام ليعرف الإنسان كيف يتخلّص من المسؤوليّة الشرعية الملزَم بها وكيف يُحرِز الثواب. وكيف يتسامى مع الأهداف العظيمة الجليلة للصيام ويستفيد منها روحانيةً وصفاءً وطهارةً ونقاءً وصدقاً وإخلاصاً.

 

وهناك نوع من الصيام مهمٌّ جداً ينمّي في نفس الإنسان الحب والارتباط بالحق، ويجعل الصائم يعيش واقعه وأخلاقه كما يعيش إيمانه، إنّه صوم الجوارح أو الصوم الأخلاقي.

ومعناه: كفّ الجوارح أي الأعضاء، من العين، والأذن، والفم، واليد، والرجل، والقلب، والبطن، وغير ذلك من أعضائه عن الحرام.

وتوظيف كل عضو وجارحة في وظيفتها الخاصة بها، لأنّ الله سبحانه جعل لكلّ عضو وجارحة وظيفة معيّنة تلتقي كلها في عملية التكامل الإيماني ،والعيش مع أهداف وغايات الصيام. ويتجسّد هذا الواقع بالأحاديث الشريفة.

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله  لجابر بن عبدالله الأنصاري: “يا جابر، هذا شهر رمضان، مَن صام نهاره وقام وِرداً من ليله وعَفّ بطنه وفرجه وكفَّ لسانه خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر”.

قال جابر : يا رسول الله، ما أحسن هذا الحديث!

 فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله :يا جابر، وما أشدّ هذه الشروط”.[9]

وقال أبو عبدالله عليه السلام:” إذا أصبحت صائماً فليَصم سمعك وبصرك عن الحرام، وجارحتك وجميع أعضائك عن القبيح، ودَع عنده الهذي وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصيام، والزم ما استطعت من الصمت والسكوت إلا عن ذكر الله، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك”.[10]

وفي الحديث عنه عليه السلام: إنّ الصيام ليس من الطعام والشراب وحده ، إنّما للصوم شرط يحتاج أن يُحفظ حتى يتم الصوم، وهو الصمت الداخل… فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، وغضّوا أبصاركم، ولا تَنازعوا، ولا تَحاسدوا، ولا تَماروا، ولا تكذبوا، ولا تَباشَروا، ولا تَخالَفوا، ولا تَغَاضَبوا، ولا تسابّوا… والزموا الصمت والسكوت، والحِلم والصبر، والصدق، ومجانبة أهل الشر، واجتنبوا قول الزور، والكذب، والفري، والخصومة، وظنّ السوء، والغيبة، والنميمة” [11]

وسمع رسول الله صلّى الله عليه وآله امرأة  تسبّ جاريةً لها، وهي صائمة، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وآله  بطعام، فقال لها: كُلي، فقالت: إنّي صائمة، فقال صلّى الله عليه وآله:” كيف تكونين صائمة وقد سَبَّيتِ جاريتك، إنّ الصوم ليس من الطعام والشراب”.[12]

 

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: ” الصيام اجتناب المحارم كما يمتنع الرجل من الطعام والشراب[13]“.

وعن فاطمة بنت الرسول عليهما السلام أنّها قالت: ” ما يصنع الصائم بصيامه إذا لم يصن لسانه وسمعه وبصره وجوارحه“.[14]

إنّنا حين نعيش هذه الأحاديث الشريفة وغيرها الواردة في آداب الصيام، نعرف تماماً أنَّ الله سبحانه يريد أن يضع الإنسان دائماً وأبداً في أجواء الهداية وأجواء الحكمة، وأجواء الأهداف التي تناولها التشريع لينعَم الإنسان بالدين والإيمان والتشريع نويعلم علم اليقين أنَّ هذا الدين ليس مجرّد مبادئ ونظريات، وإنّما هو واقع يتحرّك مع كلّ أوضاع الإنسان ويعيشها في أدقّ تفاصيلها لأنّها لخيره وصالحه.

وللتأكيد على أهميّة الصوم الأخلاقي ودوره الفعال الذي ذكرنا يجسّد الإمام زين العابدين عليه السلام  هذا الصوم في دعائه قائلاً: وأعنّا على صيامه بكفّ الجوارح عن معاصيك، واستعمالها فيه بما يرضيك، حتى لا نصغي بأسماعنا إلى لغو، ولا نسرع بأبصارنا إلى لهو، ولا نبسط أيدينا إلى محظور ولا نخطو بأقدامنا إلى محجور، و لا تعي بطوننا إلا ما أحللت، ولا تنطق ألسنتنا إلا بما مثّلت”[15].

إفطار الصائم

ويستحبّ في شهر رمضان أن يكون للمؤمن حظٌّ من تفطير الصائمين. فقد ورد في خطبة النبي صلّى الله عليه وآله  التي خطبها بمناسبة هذا الشهر الشريف: من فطّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر ، كان له بذلك عند الله عتق نسمة ومغفرة لما مضى من ذنوبه.

 فقيل: يا رسول الله، وليس كلُّنا يقدر على ذلك، فقال صلّى الله عليه وآله  :اتّقوا النار ولو بشقّ تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء”.[16]

وعن الرضا عليه السلام قال: “تفطيرك أخاك الصائم، أفضل من صيامك”.[17]

إنَّها دعوة للاهتمام والتأكيد على التواصل بين المؤمنين، والتزاور، وبثّ روح المحبة والمودّة والألفة فيما بينهم، لتبقى الروابط الاجتماعية قائمة، وليبقى هناك مجتمع واحد يعيش في أجواء التلاحم، والترابط، وأجواء اللقاء على طاعة الله، وعلى موائد شهر رمضان الكريمة السخيّة، بأنواع الفيوضات الروحية والعطاءات الإنسانية.

فضل شهر رمضان:

الحديث عن فضل شهر رمضان حديث واسع الآفاق، والأخبار والأحاديث الشريفة التي وردت فيه أحسن الحديث، وأفضل ما يجسّد هذه المكانة والفضيلة.

ورد في حديث عن عبد الله بن عباس أنه سمع النبي صلّى الله عليه وآله يقول: إنَّ الجنة لتُحَبَّر و تُزَيَّن من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان”.[18]

وفي حديث آخر، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : شهر رمضان شهر الله عزّ وجلّ، شهرٌ يُضاعف الله فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات، وهو شهر البركة وشهر الإنابة، وهو شهر التوبة، وهو شهر المغفرة، وهو شهر العتق من النار والفوز بالجنة، ألا فاجتنبوا فيه كلّ حرام، وأكثروا فيه من تلاوة القرآن، وسلوا فيه حوائجكم،  واشتغلوا فيه بذِكر ربكم، ولا يكونن شهر رمضان عندكم كغيره من الشهور، فإنَّ له عند الله حرمةً وفضلاً على سائر الشهور”[19].

وعن الرضا عليه السلام قال: إنَّ شهركم هذا ليس كالشهور، إنَّه إذا أقبل اليكم أقبل بالبركة والرحمة، وإذا أدبر عنكم أدبر بغفران الذنوب، هذا شهر الحسنات فيه مضاعفة، وأعمال الخير فيه مقبولة، من صلّى منكم في هذا الشهر لله عزّ وجلّ ركعتين يتطوع بهما غفر الله له”.

ثم قال : الشقي حق الشقي من خرج عنه هذا الشهر ولم تُغفَر ذنوبه، فحينئذٍ يخسر حين يفوز المحسنون بجوائز الرب الكريم”.[20]

ووَرَدَ عن جعفر بن محمد عليه السلام:” إنَّ الله في كلّ ليلة من شهر رمضان، عُتَقاء وطُلَقاء من النار إلا من أفطر على مسكر، فإذا كان آخر ليلة منه، أعتق فيها مثل ما أعتقه في جميعه[21]. 

والأخبار كثيرة وكثيرة عن فضل هذا الشهر، تؤكّد فضله ومكانته وأهميته. فليس على المؤمن إلا استغلال فرصة هذا الشهر الكريم والاستفادة منه بما هو خير وأبقى.


الهوامش:

[1] بحار الأنوار: ج ٦ ٬ ص ٢٥٤.

[2] الكليني؛ الكافي؛ ج4؛ ص62.

[3] الصدوق؛ معاني الأخبار؛ ص409.

[4] الصدوق؛ مَن لا يحضره الفقيه؛ج2 ؛ص86.

[5] الصدوق؛ ثواب الأعمال؛ ص51.

[6] الصدوق؛ الخصال؛ ص524.

[7] الكليني؛ الكافي؛ ج4؛ ص64.

 [8] بحار الأنوار: ج ٩٦ ، ص ٢٤٦.

[9] الكليني؛ الكافي؛ ج4؛ ص87.

[10] الأشعري؛ أحمد بن محمد بن عيسى؛ النوادر؛ ص21.

[11] المصدر نفسه؛ص21\22.

[12] الكليني؛الكافي؛ ج4؛ ص87.

[13]  بحار الأنوار؛ ج93؛ص294.

[14] المصدر نفسه؛ ص295.

 [15] الصحيفة السجادية: ص ٢١٤.

[16] الصدوق؛ الأمالي؛ ص154.

 [17] بحار الأنوار: ج 93 ، ص 317.

[18] الصدوق؛ فضائل الأشهر الثلاثة؛ ص126.

 [19] المصدر نفسه؛ ص95\96.

[20] المصدر نفسه؛ ص73.

[21] المصدر نفسه؛ ص74.

إغلاق