من سير الأطهار/ أدب ملتزم

“له لا لسواه”

245-246

بقلم : رجاء محمد بيطار
  • رغم ذلك الحجاب، فهي محطُّ نظرات الإعجاب… وهذا ما يثير عجبي!

… وتنهّدت سوسن بحسرة، فردّت زينب:

  • كلامك عزيزتي هو الذي يُثير الاستغراب، فهل هي محطّ نظرات الإعجاب بحجابها أم رغم حجابها؟!
  • وما الفرق؟!

تبسّمت زينب وهي تستدير لتواجه رفيقتها، بعدما كانتا تسيران متحاذيتين في طريقهما إلى المنزل بعد مغادرتهما الجامعة، ونظرت إليها وهي تسوّي نظّارتها، وأجابت:

  • إنّه الفرق بين حجابها… والحجاب!

هزّت سوسن رأسها وهي تعلّق بلهجةٍ تخالف نظرتها:

  • أنت تتحدّثين بالألغاز.

وساد الصمت بين الفتاتين، يحمل في طيّاته لكلٍّ منهما مغزىً مختلفاً، ولكنَّ زينب احترمت صمت رفيقتها فلم تحاول أن تستأنف الحديث، حتى كان أن أفلتت بضع كلماتٍ من سوسن، سابحةٍ في تنهيدةٍ طويلة:

  • ولكنها محجّبة!

كان لا بد لزينب من أن تخطو خطوة، فَهتفت دون أن تنظر في وجه صديقتها:

  • بالطبع، وهنا موضع العَجَب، فأنظار الإعجاب لا تحوم عادةً حول المحجّبة، إلا إذا كانت محجّبةً سافرة؟!
  • وكيف يكون ذلك؟!… ها أنت تعودين إلى الحديث بالألغاز.

كانت نبرة سوسن تخفي غيظًاً مكبوتاً، نضحت به قسماتها المتوتّرة، التي كان يبدو عليها أنّها تُغالِب فكرةً ما، ولكن ذلك لم يمنع زينب من الردّ بهدوئها المعتاد:

  • ليس الأمر لغزاً يا سوسن، فأنتِ تعلمين أنَّ الحجاب في أيّامنا هذه قد فَقد الكثير من جوهره، ليس عند الجميع طبعاً، ولكن كثيراتٍ من بنات جيلنا للأسف، لا يفهمن الكثير عن معناه وأبعاده… وهذا ما يدفعهنّ للبس الحجاب دون أن يكنّ محجّباتٍ حقاً…
  • أنتِ تفلسفين كلّ شيء… وهل لي أن أعلم قصدك؟!

رغم نغمة الاستهزاء الخفيّة التي كانت تشوب نبرة سوسن، إلا أنَّ زينب تابعت تقول:

  • انظري يا صديقتي، إنَّ هذا الذي ترينه يستر الرؤوس والأجسام، وأحياناً يستر الرؤوس دون الأجسام، فتغمر به الفتاة شعرها، وتترك جسمها نهباً للعيون، بالضيّق والملتصق والبعيد عن الاحتشام… إنَّ كلّ هذا هو زيٌّ وليس حجاباً، فالحجاب الحقيقي هو الذي يستر المرأة ويُظهِرها للمجتمع إنساناً، لا أنثى بادية المفاتن… وأعتذر إن أطلت الحديث وفصّلته، ولكنني أجيب على سؤالك.
  • أنت تنظرين إلى كلِّ سافرةٍ على أنّها تهدف لإبراز أنوثتها، هذا ظلم!

كانت لهجة سوسن هذه المرة تنمّ عن غضبٍ عارم، فقد احمرّت وجنتاها وبدا عليها ما كانت تُخفيه من ثورة، فأقبلت زينب عليها تهدّئها بالقول:

  • أبداً عزيزتي، لستُ أنا مَن ينظر هكذا، بل الرجال، وليست هي بالضرورة مَن تهدف إلى هذا، بل هي نتيجةٌ حتميّة لظهورها بهذا الشكل… على كلِّ حال، حبّذا لو ننهي هذا النّقاش الذي لا طائل وراءه، ولكن تذكّري أنّي لستُ من بدأتُه، بل أنتِ التي سألتِ، وأنا أجبتُ فقط.

ثم تابعَت بلطفٍ ومودّة، وهي تمدّ يدها لصديقتها مصافحة، بعدما وصلتا إلى مفترق الطريق الذي تنفصلان عنده عادةً، كلٌّ إلى بيتها:

  • سوسن، لم أقصد الإساءة فاعذريني، أنا أتحدّث بشكلٍ عام، ولا أقصدك أنتِ أو غيرك… ولا أريد أن أفقد صداقتك… هل يمكن أن نتجاوز الموضوع؟!

استجابت سوسن ليد صديقتها الممدودة، وضغطت على كفّها وهي تفرغ كلَّ انزعاجها… ثم لوّحت لها مبتعدة… وقد شعرت بأنّها تريد أن تهرب، ليس من صديقتها العزيزة، التي ما علِمَتها يوماً تفرض رأيها على أحد، ولا حتى قناعتها، بل لعلّها أرادت أن تهرب من الفكرة المتمثّلة باجتماعهما ذاك.

لم تكن المسافة التي تفصلها عن الوصول إلى البيت كافيةً لتُخرِجها من دوّامة الغضب التي اعترتها، ولا حتى وصولها والتقاؤها بوالدتها وإخوتها الذين سبقوها بالعودة من مدارسهم، وهي كبراهم، ولا حتى دخولها غرفتها وتبديلها ملابسها واستلقاءها دون أن تذوق من الطعام لقمةً واحدة، فقد كانت أفكارها أتوناً ملتهباً لا يهدأ ولا يفتر، حتى إنّها لم تستطع أن تغفو، عساها تريح ذهنها المرهق، … كانت الأفكار المتلاطمة أشبه بالموج الهادر، لا تكاد تلامس بها شطَّ الهدوء حتى تسحبها إلى وسط البحر الغضوب، وكانت كلمات زينب الأخيرة ترفعها تارةً إلى قِمّةٍ سامقة، وتهبط بها طوراً إلى وهدةٍ ساحقة… حتى أصابها إعياءٌ، فاستسلمت لنومٍ أشبه بالإغماء، فلم تستيقظ إلا على صوت هاتفها المحمول يرنّ رنيناً متواصلاً.

هبّت كالمرعوبة لتجيب على الهاتف، الذي أبرز لها على صفحته الفضّية صورة شابٍّ أنيقٍ وسيم، حليق اللحية والشارب، عنونت اتصاله باسم: (حامد حبيبي)…

نفضت عنها ضباب النوم وكَدَرَه، وهي تحاول أن تجيب بنبرةٍ طبيعيّةٍ خاليةٍ من آثاره، قد فاض على جنباتها دلالٌ وغنج:

  • أهلا حبيبي، كيف حالك؟!

وتغيّرت قسماتها الخارجة توّاً من فضاءات الأحلام، لتأخذ سيماء الجدّ وهي تتمتم بذهول:

  • ما القصة يا سهى؟!… لماذا تحادثينني من هاتف حامد؟!… ولماذا صوتك متغيّرٌ هكذا؟!

شحب وجهها وتخاذلت عن حمل الهاتف وهي تستمع لصوت أخت خطيبها، تخبرها بأنَّ حامداً يحتاج دعاءها الآن، فهو في غرفة العمليات!… لقد صدمته سيارةٌ مسرعةٌ يقودها سكّير، وهو يعبر الشارع ليستقلّ سيّارته المتوقّفة على الجانب الآخر، عائداً من عمله في المصرف الذي يعمل فيه محاسباً.

  • وهل وضعه خطر؟!… طمئنيني بالله عليك؟!

كان ارتفاع صوتها و سؤالها، ورنين الهاتف الملحّ قبله، كلّه كافياً لاستدراج والدتها ووالدها إلى غرفتها، في محاولةٍ لفهم ما يجري، وكان تغيُّر لونها وتخاذلها ينبئان بالخبر، وأتاها جواب سهى في عبارةٍ لا تحتمل التأويل:

  • إنّه يحتاج إلى الدعاء!

لم يعُد بإمكانها مواصلة الحديث، فاستلم والدها الهاتف منها ليستفهم عن اسم المستشفى ومكانها، فيما أسندتها والدتها وساعدتها على الجلوس وهي تحاول التخفيف عنها بما حضرها من كلامٍ مشجّع:

  • كل شيءٍ سيكون على ما يرام يا حبيبتي، فلا تقلقي!

التفتَت حولها محتارة، وكأنّما تفتّش عن متنفّسٍ من هذا الضيق الذي يحيط بها ويكاد يخنقها، فرنّت في مسامعها كلمات زينب المعتادة، التي تواجه بها كلّ مواقفها العصيبة: “توكّلتُ على الله فهو حسبي” ” اللهم لا تخذلني”، فاندفعت تردّدها دون توقّف، ودموعها تنهمر، ممّا أثار استغراب أمها، إذ لم تكن من الذاكرين لله عادة، ولا حتى من المصلّين، إلا في حالاتٍ نادرة.

*****************

لم تكن الطريق إلى المستشفى طويلة، فهي لا تستغرق أكثر من نصف ساعة، قضتها سوسن وهي جالسةٌ بذهول في المقعد الخلفي من سيّارة والدها، التي احتلّ أبواها مقعديها الأماميّين، وراحا يتبادلان التخفيف عنها بحسب ما أسعفتهما البديهة من تعابير ومصطلحات وتمنّيات، ولكن كلّ ذلك لم يكن يعنيها، بل كان تفكيرها منصبّاً على تلك الذكريات القاهرة التي ما برِحت تستعرض نفسها أمامها في شريطٍ متلاحقٍ، يتباطأ ويتسارع، بوتيرةٍ معاكسةٍ لتسارع نبضها وتباطُئِه مع أحداثه، فها هنا النظرة الأولى التي أطلقها نحوها حامد، فاصطاد بها إحساسها الخامد… وكلمة الإعجاب الأولى التي أرسلها في سمعها البريء، الذي لم يتعوّد كلمات الغزل، فأبَت أن تستجيب إلا لما تُبيحه لها عفّتها، فسارع يبادر إلى خطبتها، وهو شابٌّ خلوقٌ مهذّب، لم تمنعه عصريّته وتأنّقه من التجاوب مع حِشمتها، وسألت نفسها للمرة الأولى، رغم علمها أنَّ السؤال ليس في وقته ولا مكانه: “هل أطمعه فيها آنذاك ما أبدته من جمالها؟!… وهل ظنّها سهلة المتناوَل، لأنّها لم تحجز تيّار نظراته المنصبّة نحوها، بل تركتها تعيث لهواً في ما رآه منها، وعبثاً لا تدري مداه؟!… اقشعرّ جسدها وهي تتنبّه لهذه الفكرة، التي لم ترها يوماً على هذه الصورة، وأرادت أن تُردِفها خلف كواليس النسيان، متذرّعةً بأن ذلك لم يعد يضرّها، فها هي مرتبطةٌ به الآن، وهما مخطوبان… ولكن الفكرة التالية لم تُمهلها، بل حطّت على فؤادها بشراستها، لتسألها: “وهل هو الوحيد الذي وجّه إليك مثل تلك النظرة؟!… وهل أنَّ غيره لم يُعمِل في جمالك أيَّ فكرة، وربّما لا يزال؟!”… شعرَت بفؤادها يُعتَصَر، وقلبها ينقبض أكثر فأكثر، إذ لم يكن ينقصها كل ذلك التوتّر، فرأت أن تحسم الأمر بترديد تلك الكلمات المريحة، وأنقذها وقوف السيارة فجأة، وقول والدها:

  • وصلنا… هيا اسبقاني لأركن السيارة!

ومشتا متحاذيتين، كانت خطواتها أكثر تخاذلاً من خطوات والدتها، الأكبر سنّاً والأكثر بدانة، … كان ذلك طبيعياً، فهي خائفة، وهي شديدة القلق على وضع خطيبها، متجاذبة الخواطر حول كلّ شيء، وقد أتى هذا الوضع الخطر الذي هو فيه، ليخرجها من دوّامة أفكار ويزجّ بها في إعصار، إنها تحبّ حامداً، وهي لا تعلم إن كانت ستفقده أم لا، ولكنّها تعلم أنّها محتاجةٌ للعون، وليس وجود أمّها بجانبها كافياً، فهي لا تني تردّد كلماتٍ جوفاء لا معنى لها، وتُؤَكِّد لها أن كلّ شيءٍ سيكون على ما يرام… ومن أين لها أن تثق كلّ هذا الوثوق بأنَّ الأمور ستمرّ بخير؟!… حتى الأطباء لا يبدون واثقين، وهم قد أكّدوا لهم أنَّ الإصابة خطرة، وأنَّه لم يتجاوز مرحلة الخطر بعد…

وخطَرَ لها أن تتّصل بزينب…

لم تتأخّر حتى فعلت، وأتاها صوت صديقتها تمازحها بقولها:

  • ظننتكِ غاضبةً منّي بسبب الحديث الذي تبادلناه اليوم، فأنتِ لم تردّي على تحيّتي التي أرسلتها، رغم أنَّكِ كنتِ قد فتحتِ عدَّة مرّات، كما يظهر عندي!

انهارت سوسن باكيةً وهي تجيب:

  • زينب حبيبتي، أنا في المستشفى، فحامد أصيب في حادث اصطدام، وهو في غيبوبة، ولا أدري ماذا أفعل!

ساد صمتٌ على الطرف الآخر، وتلاحقت شهقات سوسن، ولكنّها لم تمنعها من الإصغاء لصوت صديقتها، التي تحوّلت لهجتها فجأةً إلى الأسف الشديد وهي تقول:

  • سوسن حبيبتي، أنا آسفة حقاً، هل آتي إليك؟!
  • ليتكِ تفعلين… أحتاجك جدّاً!
  • أرسلي لي موقعك وسآتي فوراً!

… لم يستغرق وصول زينب إلى المكان أكثرَ من نصف ساعة، كانت عند سوسن نصف دهر… وما إن لمحتها تلك الأخيرة تطلّ من باب المستشفى، حتى انخرطت في بكاءٍ صامتٍ، لم تكن قد ختمته بعد، فاندفعت نحوها زينب تحتضنها وتربّتُ على كتفها مهدّئة، وهي تقول متأثرة:

  • توكّلي على الله يا سوسن، فهو الشافي المعافي، وهو لا يخيّب من دعاه.

رغم أنَّ ما قالته زينب كان عاديّاً طالما تكرّر على مسامعها أشباهه من كلام، ولكنّه الساعة ترك فيها أثراً مختلفاً عن كلّ ما عداه، فقد كان أشبه بالرذاذ الذي يصيب اللهيب فيبرّد حُمّاه…

وجلستا متجاورتين، وقد أسندت سوسن رأسها إلى كتف صديقتها ذاهلة، فيما احتضنت زينب يدها في حنوٍّ، وراحت تربّتُ عليها وهي تُتَمتِم بذكرٍ لا يغادر شفتيها في الملمّات:

  • يا من يكفي من كلِّ شيء ولا يكفي منه شيء اكفني ما أهمّني…

كانت الكلمات تنصبّ في مسامع سوسن اللّاهفة، فتروي ظمأها، وتتابع معها وتردّدها بحروفٍ من نياط القلب، ولم تمضِ سوى لحظات، حتى تحرّكت شفتاها أسوةً بها، وترطّبت أوتار حنجرتها الجافّة، وصار صوتهما يتناغم بالذِّكر في ترتيلٍ أشبه بهينمات الملائكة…

لم يمرّ وقتٌ طويل حتى أغفت سوسن في جلستها تلك، ثم انتفضت فجأة، لتهتف:

  • كلا، لن أتراجع هذه المرة، لن أتخاذل!

وأقبلت في اللحظة عينها ممرّضةٌ من داخل غرفة العناية لتقول بلهجةٍ متفائلةٍ:

  • لقد استُجيبت دعواتكم، وقد أفاق من الغيبوبة، فاشكروا الله!

كان أجمل خبرٍ سمعته سوسن في حياتها، ولكنّه لم يكن ليزيحها عمّا كانت بِصَدَده، وبدلاً من أن تصرخ بِرَدّة فِعلها المعهودة، فقد انهارت على مقعدها باكيةً وهي تُتمتم:

  • بلى، لقد استُجيبت، وأنا لن أتراجع هذه المرة!

اتّسعت حدقتا زينب وهي تعانقها مدهوشةً مسرورةً في آنٍ معاً، ولم تعلّق أمّها بحرف، ولكنّها أعفتهم جميعاً من السؤال بقولها بلهجةٍ مطمئنةٍ، كنفسها التي أشعّت من عينيها في تلك اللحظة:

  • “لا يُطاع الله من حيث يُعصى”، ولا يُعصى من حيث يُطاع، وأنا أحبّه، ولذا فسوف أطيع الله في حبّه، وسأعمل جهدي أن أكون له وحده لا لسواه، ولا حتى بنظرةٍ أو لمحةٍ عابرةٍ.

لم تفهم الأم، ولكنّ زينب فهِمَت، وأدركَت أنَّ صديقتها قد أخذت قرارها الذي كانت تدرك منذ زمنٍ صوابه، ولكنّها كانت متهيّبةً له، وها هي قد اعتزمت تنفيذه دونما تأخير، ولعلَّ ما أصابها من بلاءٍ كان بمثابة تذكير، وكذا قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلَّم: “إنَّ الله إذا أحبّ عبدًا ابتلاه”، فَنِعم البلاء بلاءٌ حثّ على الطاعة ونهى عن المعصية، فالحمد لله…

إغلاق