آفاق معرفية

الزمن كما يبدو من وراء غربال

245-246

بقلم: حسن العاملي (*)

        مَن يلاحظ نشوء القارّاتِ واختفائها، وارتفاع الجبالِ وهبوطِها، وتغيّر المحيطات والجغرافيا ، وتبدّل المناخ واختلاف قوى الطبيعة، يجد أنّ سبب ذلك يعودُ إلى ارتفاع حرارةِ باطن الأرضِ وهيجانها. فالصخورُ والمعادنُ الذائبةُ تشكِّلُ كُتَلاً تتحرَّك داخل الأرضِ، ثمّ تتَّجهُ إلى الخارجِ ببطءٍ. وبمرور الزمن يبردُ سطحُ الأرضِ، فيسبِّب شدّاً ومدّاً لتلك الكتل. مع هذه الآلية، يترافق ظهورُ الزلازلِ والبراكين التي تعدِّل وتلطِّف تلك القوى. يحدث هذا على كوكبِنا باستمرار، فتتغيَّر معالمُ الجغرافيا ببطء شديد، يُقاس بملايين السنين. هذا حالُ الطبيعةِ، فكيف هو حالُ البشر؟

التاريخ شدٌّ ومدٌّ

بمثل هذا التصور، تطوّر تاريخُ الإنسان. حيث اجتمع البشرُ، كعشائرَ وقبائلَ وقوميّاتٍ وشعوباً، ليحقِّقوا وحدةَ عيشٍ مشتركة. وبسبب اختلافِ المصالحِ والجغرافيا، حصل شدٌّ ومدٌّ بين تلك الشعوب والأمم، نتجت عنه تغيّراتٌ حضاريّةٌ تأرجحت بين القوَّةِ والضعفِ والحربِ والسلمِ والتقدمِ والتقهقر. ربما كان هذا التماثلُ ينطبقُ على المراحلَ القديمةِ من التاريخ. وحينما استقرّت الشعوبُ على ضفافِ الأنهارِ ثمّ انتشرت بعد ذلك على السهول الزراعيّة. أدخلَ الانسانُ مؤثرات، وخَلَقَ إمكانات غيَّرت مجرى التاريخ. فيمكن لمجموعةٍ من الناسِ أو فردٍ بذاتهِ أنْ يسبقَ الجميعَ بحركةٍ إيجابيةٍ تدفع التاريخَ إلى الأمام. كما يمكن أيضاً لمجموعةٍ من الناسِ أو فردٍ بذاتهِ أنْ ينكفئ سلباً عن الجميع، فيولّد حركةً عكسيةً. وفي كلتا الحالتينِ تجتمعُ قوى الرفضِ والدفعِ فتولِّد تغيّرات تهزُّ وتعدِّل مجرى التاريخ.

قوى الطبيعة تحرِّكُ التاريخ

ومثلما يحدث هذا بين البشرِ، كذلك تتجمَّع القوى المبعثرةُ في باطنِ الأرض، فتولِّد زلازلَ وبراكين لتنفيس حركة القارات. ومثلما يكون للقاراتِ غِراءٌ يمسكها، كذلك يكون للأممِ لغاتٌ وتراثٌ ومصالحُ مشتركةٌ تربطها ببعضها، فتبطئ قفزات التاريخ. وحينما يتصدَّع الغراءُ، تصبح القارّاتُ رقيقةً. وإذا تفكَّك التراثُ وماتت اللغةُ، ذابت الأممُ في غيرها. ومثلما تكون حركةُ القارّاتِ بطيئةً، كذلك يكون نشوءُ الحضاراتِ وزوالها بطيئاً. ومثلما تهبُّ العواصفُ ويحدث البرقُ فجأة، فتترك وراءها خراباً، كذلك تحصل الثوراتُ بسرعةٍ فتخلِّف وراءها دماراً. ومثلما تكون حرارةُ الأرضِ سبباً لتغيّراتٍ جيولوجيّة، كذلك يتحرَّك تاريخُ البشرِ تحت ضغطِ حاجاتهِم وغرائزهِم. ومثلما تجفُّ البحارُ فتكشف أراضيها عن  صحارى قاحلةٍ، كذلك تتصحَّرُ الحضاراتُ فينكشف الفسادُ والتخلُّف.

حركةُ التاريخِ تشبه حركةَ أمواج البحرِ، حيثُ تتداخل الأمواجُ الصغيرةُ وتتضاعف أثناءَ اندفاعها نحو الشاطئ. فإذا كان الشاطئُ عموديّاً انهار، وإذا كان صخريّاً تفتَّت، ثمّ سقط. وإذا كان أفُقيّاً انبسطَ وتمدَّد، وإذا كان رمليّاً امتصَّ قوَّةَ الأمواجِ وأضعَفَها، ثمّ يتّسعُ بما حملته من رمالٍ. هكذا تنهارُ الأممُ المحاربةُ وتذوبُ قواها، بينما تمتصُّ الأممُ المُسالِمةُ تلك الصدماتِ وتنمو.

التاريخُ يُمهِلُ ولا يُهمِل، له عينٌ ساهرةٌ، تراقبُ الأحداثَ فتسجِّلها، وأذنٌ تسمعُ كلامَ الظالمِ فتلعنه، وضميرٌ يستشعرُ العدوانَ فيستنكره.

السياسةُ وسيلةٌ لتخطّي المتناقضات

في غابرِ الأزمانِ لم تكن للبشرِ ضرورة لاستخدامِ السياسةُ. فالقويُّ يسيطرُ على الضعيفِ مباشرةً. والضعيفُ يتحايل على القويِّ بصورةٍ مستمرةٍ. هذه المعادلةُ كانت كافيةً للإنسانِ القديم. وحينما نشأت الأممُ والدولُ اضطرَّت للتعاملِ مع بعضها، دون أنْ تُلغي سيطرةَ القوي وتحايلَ الضعيف. لكنّها اخترعت أنظمةً للحُكم وأوجدت آليةً لتوازنِ تلك العلاقة، سمّتها ( سياسة ). ومتى أصبحت أمّةٌ أو دولةٌ أقوى من سابقتها، فإنّها تغيّرُ تلك المعادلة بهيمنةٍ أو ثورةٍ أو حربٍ أو استعمار.

“كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا”( الأعراف : آية ۳٨)

الثوراتُ تعديلٌ وتصحيح

عندما نشتري ساعةً جديدةً، نحاولُ أولاً أنْ نضبطَ  توقيتها، فنقدِّم عقاربَها أو نؤخّرها حتى تتطابق مع الوقت. هكذا تتبدَّل سياسةُ كلِّ أمَّةٍ بين فترةٍ  وأخرى، حسب شؤونها الداخليّة. والسياسي الذي يلتزم بقناعات ومبادئَ، أو عقيدةٍ راسخةٍ، تقلُّ عنده فسحةُ المناورةِ، فيدفع ثمنَ ذلك من نفسهِ أو من رصيدِ أمَّته. لكنّه مقابل ذلك، يكسبُ استمرار نهجهِ. ومثلما يكون الإلكترون فاعلاً داخل الذرّة ومتحفّزاً خارجها، كذلك تكون الموالاةُ  فاعلةً داخل السلطةِ ومتحفّزةً خارجها. ومثلما تتأيَّن الذرّةُ وتتهيَّج حينما تفقد قسماً من مكوِّناتها، كذلك تستنفرُ الدولةُ إذا  فقدت جزءاً من سيادتها. ومِثلما تقبضُ الدولةُ على من يتجاوز حدودَها فتُبعِدُه، كذلك يفعل باطنُ الأرضِ الذي يغلي، فيُبعدُ مياهَ البحارِ التي تتسرَّبُ إليه، وتصبحُ ينابيعَ ساخنةً فوّارةً على اليابسة.

يبدأ صراعُ الأممِ والدولِ مِن تجاورها ، كما يقول المثل ( البغضُ بين الأقاربِ والحسدُ عند الجيران)، فيولّد حروباً ونزاعاتٍ بقدر ما تسمحُ به الجغرافيا وتقلُّبُ الأحداث. أمّا الثوراتُ والانقلابات فتحدثُ في الداخلِ كلّما رقص ميزانُ العدالة. لا يوجد في الطبيعةِ صمّامُ أمانٍ، فلكلِّ فعلٍ ردُّ فعلٍ. الطبيعةُ شفّافةٌ، تكشفُ مكنوناتها الداخليّةِ : كالليلِ والنهار، وتقلّب الحرارةِ  واختلاف المناخ وتغيُّر الفصول. بعكس السياسةِ التي تعملُ على إخفاءِ المتغيّراتِ أو التلاعب بها حسب المصالحِ والرَّغبات. ومع ذلك، كلّما تغيّرت الجغرافيا أو السّكان، تغيّر التاريخُ معها. هذه النظرةُ الضبابيّة للتاريخ، ترسمُ صورةً لسيطرةِ الغرائزِ والأطماع عند الإنسان لعدم وجود معيارٍ ثابتٍ لها.

” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”

 ( الروم: آية ٤١)

الإسلامُ وشؤون العباد

للإسلامِ نظرةٌ أشمل من سياسة المصالح، فهو يدعو لإحلالِ العدالة وعمل الخيرِ والأمر بالمعروفِ والنهي عن المُنكر، الذي يؤدّي إلى تجنُّب الخلل الاجتماعي والظلم ويزيلُ أسباب الثورات. السياسي ينظرُ إلى أكثريّة الناسِ، فيضع قوانينَ عامّة تستفيدُ منها الاغلبيّةُ. وفي بعض الأحيان، تتضرَّر الأقليّةُ منها، فيختلُّ ميزانُ العدالةِ. أليس الجهلُ والفقرُ، مصدر المشاكلِ في المجتمع؟!

فدواءُ الفقرِ هو العملُ، ودواءُ الجهلِ هو العِلم. ووظيفةُ السياسي أنْ يعملَ لتوفيرِ العِلم والعمل لكلِّ المواطنين، من أجلِ إلغاءِ صعوبات العيش. أمّا الإسلام فيتوجّه إلى كلِّ فردٍ بذاتهِ، أكان من الأغلبيّةِ أم من الأقليةِ، أو كان أبيض أم أسود، ويوفّر له الاحترام والطمأنينة. وإذا كانت الأممُ تتشارك الماءَ والهواءَ وخيراتِ الأرض، فلماذا تفسدهُ المصالحُ الشخصية؟!

في القرآنِ الكريم كثيرٌ من الآيات التي تخاطبُ ضميرَ الإنسانِ لتطهير النفوسِ ولتجنُّب الظلم والفساد. فإذا تربّى أفرادُ الأمم على هذه القيمِ والسّمو، فسينعكسُ ذلك خيراً على كلِّ الناس.

ومنه قولهِ تعالى، مخاطباً الناسَ، كلَّ الناسِ، المؤمنين وغير المؤمنين، في هذه الآيات:

” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات: آية ١۳)

” وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ” (هود: آية ١١٧) 

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ” (  غافر: آية ٨٢)


  (*) عضو معاهد الهندسة البريطانيّة؛ مدرِّب تقني؛ كاتب؛ ومترجم.

إغلاق