قضية ورأي

عمل النساء أصلٌ أم إستثناء؟

247-248

بقلم: الشيخ يوسف رضا


” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ” (المائدة،٢)

أَمام متطلّبات الحياة الأسريَّة، وما تستوجبه من عملٍ داخل البيت وخارجه، نجد أنَّ على جناحي الأسرة -وهما الأب والأم- الموازنة بين تلك المسؤوليات والمتطلّبات، فالطّائر الأُسري لا يرتقي ويرتفع بجناحيه، إلاَّ بعد تقاسم أعباء الحياة بينهما، لينعما معاً، وينعم أبناؤهما في عشِّهم المنزلي.

فما الأسرة إلَّا صورة مصغَّرة عن صورة المجتمع الذي تحكمه الحاجة والافتقار بين أبنائه لبعضهم البعض، فيلجؤون مضطرّين إلى تشكيل حلقة من التّكاتف البشري -وهو ما نسمّيه بالمجتمع- لضمان استمرارهم وتكاملهم، فيتعاونوا فيما بينهم بتقاسم الأدوار بما يتلاءم مع قدرات وأهليّة كل فرد، فمنعُ بعض الأفراد ممَّن لا يمتلكون الأهليّة للتّصدي للطّبابة مثلاً أو القضاء أو ما شاكل ذلك من المناصب الخطيرة ليس منعاً للحريّات، بل المصلحة العامّة لحفظ المجتمع وتكامله تتطلّب ذلك.

فعندما يتعدّى كل واحد ويأخذ مكان غيره، يُصاب المجتمع بالفساد.

فالتعاون ينبغي أن يكون على أساسٍ من البرِّ والتَّقوى، أي العمل بما يُناسب أهليّة وقدرات كلّ فرد، وإلاَّ كان تعاوناً على الإثم والعدوان.

من هنا كان على الزّوجين أن يتقاسما متطلّبات الحياة بما لا يرجع عليهما وعلى الأسرة بالفساد، وهذا يحتاج أولاً إلى معرفة الحكم الشّرعي، ولا سيّما حكم عمل المرأة، وثانياً معرفة ما تقتضيه الطبيعة، وذلك قبل تقاسم أعباء الحياة.

الحكم الشرعي:

الحكم الشرعي لعمل المرأة الجواز شرط أن لا يتنافى العمل مع تكاليفها الدينيّة، من ستر وحجاب، وعدم الحضور في المكان الذي لا تأمن فيه على نفسها من الوقوع في المعصية، ورعاية حقوق الزّوجية إذا كانت متزوِّجة، فهي غير ممنوعة من ذلك ما لم يتنافَ مع التزاماتها الشرعيّة، بل ربَّما يجب ،كما إذا توقّف عليه تأمين نفقة نفسها أو نفقة من تجب نفقته عليها كأولادها مع فقد الأب والجدّ على ما هو المشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم.

الطبيعة البشريَّة:

تقتضي الطّبيعة البشريَّة عمل الرجل خارج البيت، كون تكوينه أوفق بالأعمال الخارجيّة، ولا سيما الشاقَّة منها، وعمل المرأة داخله كون تكوينها أوفق بذلك.

وهذا مُعَلَّلٌ ومحكوم بمجموعة من العوامل الطبيعيّة:

أهمها العاطفة: فهي عند المرأة أكثر منها عند الرجل، وهذا بحدِّ ذاته داعٍ لبقائها مع أولادها، ولا سيما في مرحلة الطّفولة. ولذا نجد أنَّ الإسلام قد جعل لها حقّ الحضانة في السنين الأولى من عمر الطفل، بل إنَّ مَن ينظر في منهجية الإسلام يجد أنَّ كلَّ أحكامه وتشريعاته تشجّع على أن يعمل الرجل خارج البيت والمرأة داخله، ولذا نجده قد جعل نفقتها على زوجها حتى ولو كانت مستغنية مالياً، بخلاف المجتمع المدني الذي لا يُلزم الزوج بالنفقة على زوجته، فاستدعت الحاجةُ عندهم أن تعمل المرأةُ كي تنفق على نفسها.

من هذا الحكم وأمثاله تعيَّن أن يكون العمل خارج المنزل على عاتق الرجل، وله في ذلك الدرجات الرفيعة والحسنات العظام.

وأمَّا المرأة فإنَّا نجد أنَّ الإسلام قد جَعَل كمالها في خدمة أهل بيتها وعيالها، فالإسلام جعل شرفَ الأعمال وفضلها بغاياتها وأهدافها، ولم يجعلها مقيَّدةً بالمادة، كما هو الحال في النّظرة الماديَّة الغربيّة، فإنَّ قيمة العمل عندهم تنحصر بما يعود به على صاحبه من مردود مادِّي، ذلك أنهم تعامَوْا عمَّا وراء المادَّة من أمور معنويّة، وهذا الذي دعا المرأة للخروج للعمل لتشعر بوجودها وتحقق ذاتها، ذلك أنَّ كمالها بنظرهم لا يتحقَّق إلّا بالعمل الذي يعود عليها بنفع مادِّي.

هدف الخلق، وسُنَّة الاقتداء:

الهدف من خلقة الإنسان، وما به كماله هو معرفة الله (عزَّ وجلّ)، فجَعْلُ كمال كيان المرأة متحقِّق بالعمل خارج المنزل لهو من المغالطات التي ينبغي التنُّبه لها، ذلك أنه ربط لها بالواقع المادي ،في حين أن كمالها لا يتحقق إلاَّ بمعرفة الله (عزَّ وجلّ). الذي كفله الله (عزَّ وجلّ) لها، فألزم به زوجها، ورجَّحَ لها لزوم بيتها وخدمة عيالها، فاعتبر أنَّ كلَّ عمل تقوم به داخل المنزل مُحبَّبٌ له وفيه مرضاته ومُقرِّب منه سبحانه وتعالى، وأنَّ ذلك من أعظم الطاعات والقربات، وبه كمالها، وأنَّها أقرب ما تكون من ربها إذا لزمت بيتها.

ففي الخبر عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن أمّه (رضي الله عنها): أنّ فاطمة(عليها السلام) قالت لعلي (عليه السلام): أنّ أدنى ما تكون من ربها أن تلزم قعر بيتها. فانطلق، فأخبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما قالت فاطمة (عليها السلام)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “إنَّ فاطمة بضعة مني” ([1]).

فلو كان كمالها بعملها خارج المنزل فلِمَ لَمْ يُبَيِّن لنا الشرع الحنيف ذلك ولو بحديث واحد؟! ولماذا اختارت سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزّهراء (عليها السلام) ضمان المهام المنزليّة ولم تخرج  لتشارك أمير المؤمنين (عليه السلام العمل خارج المنزل؟!

فقد ورد في الخبر، عن نجم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنَّ فاطمة (عليها السلام) ضمنت لعليّ (عليه السلام) عمل البيت والعجين والخبز وقَمَّ البيت([2]) وضمن لها علي (عليه السلام) ما كان خلف الباب من نقل الحطب وأن يجيء بالطعام، فقال لها يوماً:” يا فاطمة هل عندك شيء؟ قالت: لا والذي عظَّمَ حقَّك ما كان عندنا منذ ثلاثة أيام شيء نقريك به، قال: أفلا أخبرتني؟ قالت: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نهاني أن أسألك شيئاً، فقال: لا تسألي ابن عمك شيئاً إن جاءك بشيء عفو وإلا فلا تسأليه”.

قال: فخرج الإمام (عليه السلام) فلقي رجلاً فاستقرض منه ديناراً ثم أقبل به وقد أمسى فلقي المقداد بن الأسود.

فقال للمقداد: ما أخرجك في هذه الساعة؟

قال: الجوع والذي عظَّمَ حقَّك يا أمير المؤمنين،

قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) حي؟

قال: ورسول الله (صلى الله عليه وآله) حي.

قال: فهو أخرجني وقد استقرضت ديناراً وسأؤثرك به فدفعه إليه.

فأقبل فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالساً وفاطمة تصلي وبينهما شيء مغطَّى فلما فرغت أحضرت ذلك الشيء فإذا جفنة من خبز ولحم، قال: يا فاطمة أنَّى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله، إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا أحدِّثك بمَثَلِك ومَثَلِها؟!

قال: بلى.

قال: مَثَل زكريا إذ دخل على مريم المحراب فوجد عندها رزقاً، قال: يا مريم أنّى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله، إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب.

فأكلوا منها شهراً وهي الجفنة التي يأكل منها القائم (عليه السلام) ،وهي عندنا([3]).

مفاسد خروج المرأة للعمل:

هذا، ولا يخفى على عاقلٍ أنَّ المصلحة المترتِّبة على عمل المرأة خارجاً تكاد تكون منحصرة بزيادة الدَّخل على الأسرة، وأما المفاسد النّاجمة عن عملها هذا- والتي يمكن أن تطرأ على أيَّة امرأة ما دامت غير معصومة-فكثيرة، وهذه المفاسد لا تقف عند حدود المرأة بل تعود على الأسرة كلها، ما يؤدي إلى فساد المجتمع.

من هنا كان عملُ النّساءِ استثناءاً لا أصلاً، إذ إنَّ الأصل أن تعمل المرأة في بيتها. ويستثنى من ذلك مَن اضطّرت للعمل خارجاً على أن تلتزم حكمها الشرعي وتتنبَّه إلى هذه المفاسد والتي منها:

1-إنَّ تصدِّي المرأة للعمل خارج المنزل قد يجعل بداخلها نزعة للقيادة والقرار مقابل قرارات الزوج، وهذا مقتضٍ كافٍ لبث الخلاف بين الزّوجين، وبالتالي تضعضع كيان الأسرة، إذ لا استقامة لكيان دون وحدة قرار، وهذه من السنن السارية التي تحكُم الوجود لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا”(الأنبياء،٢٢).

فالعائلة وِحدة اجتماعيّة صغيرة، وهي _كالمجتمع الكبير_ لابد لها من قائد وقائم بأمورها، وقد حدده الله تعالى بقوله: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ” (النساء٣٤).

فإذا أصبحت المرأةُ ذاتَ دخلٍ خاصٍّ، رأت لنفسها حق القيادة والقرار، خاصةً مع استغنائها عن ركن قوامة الرجل، أي الانفاق، فإنَّ ذلك يدعوها للاستقلال، فما بالك إن كان مدخولُها أكثرَ من مدخول الرّجل، فأيُّ قيمومةٍ تبقى له؟! ويظهر أثر ذلك عند نشوبِ خصومةٍ بينهما، فإنَّها سُرعان ما تتّجه نحو الطلاق.

2– إنَّ التوفيق بين إتمام واجبات العمل وواجبات الأسرة متعذِّر، فلا بُّد من أن يقع التقصير إمَّا تجاه العمل وإما تجاه البيت، وعادة ما يقع التقصير تجاه البيت لأنّه الحلقة الأضعف، وإن أرادت أن توفِّق بينهما فإن ذلك سيكون من حساب صحتها، فإنَّ العمل خارج البيت وداخله يُّولِّد ضغوطات يصعب تحمُّلها، فتنعكس على وضعها العصبي والنفسي، ما يهدد الاستقرار العائلي، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في ما رواه أبو عبد الله (عليه السلام) قال: في رسالة أمير المؤمنين إلى الحسن (عليهما السلام) قال: لا تملك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها([4]) فإنَّ ذلك أنعم لحالها، وأرخى لبالها، وأدوم لجمالها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة([5]).

3- أنَّ عملَ المرأة إذا كان بين الرجال فالمفسدة فيه آكد وأشد، ومن هذه المفاسد أنَّ الرجلَ خارج البيت يعمل على إظهار كماله وستر عيبه والنّقص الذي يعتريه، وخصوصاً عندما يتعامل مع المرأة، فإنه يُحاول أن يَظهر بصورة مثالية، وكذا المرأة، بينما الحقائق تتكشَّف وتظهر داخل البيوت، والطّبيعة البشريّة تهوى الكمال وصاحبه، وتنفر من النّقص وصاحبه، من هنا قد يبدأ الانجذاب -والعياذ الله- شيئاً فشيئاً من هذه المرأة باتِّجاه مُدَّعي الكمال، بعدما وجدت فيه ما ينقصها وما تحتاج إليه، فتبدأ المقارنة بين محاسن هذا الشخص ومساوئ الزّوج، ويرافق هذا الانجذاب شعورها بالندم على زواجها الأول وأنّه كان خطأً وتسرُّعاً، فتكون النتيجة: النّفور من الزّوج الذي قد بان نقصه، وظهر عيبه.

4- إنَّ عمل المرأة بين الرجال من شأنه أن يستثير غيرة الزّوج ممَّا يعود على الزّوجين بالمشاكل والمتاعب، وليس من الممكن أن يُقال للرجل في مثل هذه الموارد: لا تَغَرْ، إذ إنَّ الغيرة لدى الرجل هي من الأمور الفطرية، بل ومأمورٌ بها شرعاً، إضافةً إلى كراهة خروج النساء واختلاطهنَّ بالرجال، فقد ورد في الخبر أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: “أما تستحيون ولا تغارون؟! نساؤكم يخرجن إلى الأسواق ويزاحمن العلوج”([6]).

وورد أيضاً في معتبرة غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أهل العراق، نُبِّئت أنّ نساءكم يدافعن الرجال في الطريق، أما تستحون؟” ([7]).

ولا يخفى أنَّ هاتين المفسدتين الأخيرتين هما في واقع الأمر من مفاسد الاختلاط التي ينبغي التنبُّه إليها، وعلاجها بما أرشدَ إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في رسالته إلى الإمام الحسن (عليهما السلام):” … واكفف عليهنّ من أبصارهنّ بحجابك إيّاهنّ فإنّ شدّة الحجاب خير لك ولهنّ من الارتياب، وليس خروجهنّ بأشدّ من دخول من لا يوثق به عليهنّ، فإن استطعت أن لا يعرفن غيرك من الرجال فافعل”([8]).

الختام:

 

من هذه المفاسد وغيرها، يظهر لنا جلياً أنَّه إن أراد الزوجان أن يهنآ ويسعدا في زواجهما وحياتهما، فعلى الرّجل أن يعمل خارج بيته، والمرأة داخل بيتها، وإن اضطُّرَّت المرأةُ وألجأها الزمان لأن تعمل، فلْتلتفت إلى هذه المفاسد، ولْتتجنبها خوفاً من الوقوع في المحذور، ولتسعَ قدر المستطاع أن يكون عملُها بعيداً عن مخالطة الرجال، إذ إنَّ الضرورات تُقدَّر بقدرها.

خير ختامٍ ما جاء في الخبر، أنَّ صعصعة بن صوحان سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) :متى يخرج الدّجال؟

فقال(عليه السلام): “احفظ فإنّ علامة ذلك: إذا أمات النّاس الصلاة، وأضاعوا الأمانة واستحلوا الكذب، وأكلوا الربا… وشارك النّساء أزواجهنّ في التّجارة حرصاً على الدنيا”([9]). فتأمّل.


المراجع:

[1]  – نوادر الراوندي – ص١٤.

[2]  – قم البيت: كنسه.

[3]  – تفسير العياشي – محمد بن مسعود العياشي – ج١ ص١٧١.

[4]  – أي لا تُكلَّف من الأمور فوق طاقتها.

[5]  – الوسائل الباب -٨٧- من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه – ح١.

[6]  – الوسائل الباب -١٣٢- من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه – ح٢.

[7]  – الوسائل الباب -١٣٢- من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه – ح١.

[8]  – الوسائل الباب -٢٤- من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه – ح٢.

[9]  – كمال الدين وتمام النعمة – الشيخ الصدوق – ص٥٢٦.

إغلاق