أخلاق

الصبر الجميل

247-248

بقلم: مريم محمود

 

تمهيد:

هو حاجة مستمرة لنا في أوقات العسر واليسر. من دونه يضعف إيماننا؛ لأنَّه يُعتبر أساساً من أُسس ترسّخ الإيمان، ودليل يدلُّ على تديّن حامله. منبعه القلب؛ فمن يملكه، فهو يملك قلباً أكثر سكينة وطمأنينة وسعادة… إنّه الصبر.

للصبر تعاريف عديدة:

عُرِّف الصبر بأنّه: حبس النفس عما تحبّ وترك الجزع عندما تكره[1].

وأشار الشيخ الكاشاني إلى أنَّ: «… الشكوى إلى الله سبحانه في باب الصبر محمودة».

كما اشتكى النبي أيوب (عليه السلام) عند الحق سبحانه قائلاً: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾[2]. ومع ذلك مدحه الله تعالى بقوله: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾[3].

عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنَّه سأل جبرائيل(عليه السلام): فما تفسير الصبر؟ قال: «تصبر في الضراء كما تصبر في السراء، وفي الفاقة كما تصبر في الغناء، فلا يشكو حاله عند المخلوق بما يصيبه من البلاء»[4].

الإنسان في مسيرة حياته معرَّض لأنواع عديدة من البلاءات والنوائب كفقد الأحبة والحرمان والفقر… قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾[5].

الصبر أمام الحوادث الصعبة والأزمات الشديدة، يدلّ على قوّة شخصية الإنسان وعلى قوّة إيمانه، فالمؤمن هو الذي يتمتّع بإرادة قويّة واستيعاب للحوادث، هو ذلك الذي لا يتأثّر بها ولا يجري على لسانه ما يدلّ على عدم الشكر وكفران النعمة أو الجزع أو الهلع.

صبر هذا الإنسان هو الصبر الجميل…

ويُعتَبَر الصبر الجميل من أعظم درجات الصبر وأجزلها ثواباً عند الله (عزَّ وجلّ)، قال تعالى مخاطباً نبيّه (صلى الله عليه وآله): ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ﴾[6].

أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) بالصبر الجميل ،وذلك لأنّ تحمّل الأذى. والصبر على المكاره يسهُل على الإنسان حين يعلم أنّ الفرج قريب _بخلاف الكافر الذي يستبعده_ فهذا الصبر الجميل؛ لأنّه لا يرافقه شكوى ولا جزع[7].

وقد سُئل الإمام الباقر (عليه السلام) عن الصبر الجميل، قال: «ذلك صبر ليس فيه شكوى إلى الناس»[8].

ولكن قد يطرح سؤال ما، أنّنا نقرأ في سورة يوسف أنّ النبي يعقوب بكى على يوسف (عليهما السلام)  حتى {ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ }[9]، أفلا ينافي ما صدر من يعقوب صبره الجميل؟!

الجواب على هذا السؤال، كما ورد في تفسير الأمثل[10]: إنّ قلوب عباد الله مركز العواطف، فلا عجب أن ينهل دمع عينهم مدراراً، المهم أن يسيطروا على أنفسهم، ولا يفقدوا توازنهم، ولا يقولوا شيئاً يسخط الله.

ومن الطريف أنَّ مثل هذا السؤال وُجِّه إلى النبي(صلى الله عليه وآله) حين بكى على موت ولده إبراهيم حيث قالوا له: يا رسول الله، أتنهانا عن البكاء وتبكي؟

فأجابهم النبي الكريم(صلى الله عليه وآله ): «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى الرب »[11].

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾[12]. التأمّل في هذه الآية يقدِّم دافعاً وحافزاً للعمل على كسب صفة الصبر.

والصبر على ثلاثة أنحاء: الصبر على الطاعة؛ والصبر على المصيبة؛ والصبر عن المعصية.

الصبر عن المعصية: لقد خلّد لنا القرآن تجربة مهمة في هذا المجال، مرَّ بها النبي يوسف(عليه السلام) حيث صبر عن معصية الله المشرعة أمامه حيث دعته إليها امرأة العزيز. إنَّ الشباب المؤمن بحاجة خاصّة في أيامنا هذه التي تنتشر فيها دواعي الفساد إلى الاقتداء بالنبي يوسف العظيم بإرادته وصبره وجهاده ، فإنّه نِعم القدوة والإسوة.

الصبر على الطاعة: مثاله النبي إبراهيم وابنه النبي إسماعيل(عليهما السلام)، وهذا نموذج رفيع من نماذج الصبر، حيث يقدِّم الإنسان ابنه لله ، فذلك يحتاج إلى صبر وإرادة عظيمين. وأبرز مثال على ذلك، صبر الإمام الحسين(عليه السلام) على تنفيذ أمر الله تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقدَّم نفسه وأولاده وأرحامه وأصحابه، قرباناً لله سبحانه وطاعة لأمره.

الصبر على المصيبة: فقد جسّدها كلٌّ من الإمام الكاظم(عليه السلام)، فقد صبر وصابر أمام أعدائه الذين كانوا ينقلونه من سجن إلى آخر، حتى انتهى به الأمر إلى سجن السندي بن شاهك لعنه الله، وكان فاجراً فاسقاً، لا يتورّع عن أيّ شيء، حتى جاءه الأمر بدسِّ السُّم للإمام من قبل هارون الرشيد ، فاستشهد الإمام بعد طول سجن ومعاناة في عام 183 هجري.

فالسلام عليه يوم ولد ويوم صبر وصابر ويوم استشهد سجيناً مظلوماً مسموماً ويوم يبعث حياً.

فأين  المصائب التي نبتلى بها من مصابه؟! أم أين نحن من مصاب الإمام أبي عبد الله الحسين، وسبي الحوراء زينب(عليهما السلام).

في لحظات عصيبة تتطلّب أعلى درجات الصبر تتلفّظ السيدة زينب(عليها السلام) بهذه العبارة الراضية: «ما رأيت إلاّ جميلاً»، عندما سألها ابن زياد: ” كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك ؟!”[13]

لأنّها تعلم عِلم اليقين أنَّ الحكمة من استشهاد أخيها وسبيها والنساء، إنّما هي الحفاظ على الإسلام حتى يومنا هذا، وهو مُناها وهدفها وهدف أجدادها الذي يصب في مرضاة الله.

إذاً، في كلّ أمر من الله سبحانه مصلحة، وفي كلّ صبر عليه حكمة، لكن الوصول إلى معرفة هذه الحكمة يتطلّب مواصفات خاصة في الشخصية الإيمانية، ولعلّ بعضهم يرى جانباً من الحكمة وتغيب عنه جوانب أخرى:

«ولعلّ الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور»[14].


المصادر:

[1] الأخلاق الإسلامية، ص 47

[2] سورة ص، الآية: 41.

[3] سورة ص، الآية: 44.

[4] معاني الأخبار للصدوق، ص 261. ح1.

[5] سورة البقرة، الآية: 155.

[6] سورة المعارج، الآية: 5.

[7] الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن. ج20. ص9.  مكتب الإعلام الإسلامي .قم 1414هـ.

[8] الكليني: الكافي، ج2، ص 93.

[9] سورة يوسف: الآية 84.

[10] الشيرازي، ناصر مكارم: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل. ج. ص 252.

[11] الحراني؛ تحف العقول؛ ص37.

[12] سورة الزمر، الآية: 10.

[13] ابن طاووس؛ اللهوف؛ص94 .

[14] القمي، عباس: مفاتيح الجنان، ص 214. (مقطع من دعاء الافتتاح).

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق