عقيدة

الملك العظيم في سلطان محمد وآله الطاهرين (الحلقة الأولى)

247-248

بقلم: السيد محمد رضا شرف الدين

 

الحمد لله الذي آتى آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتاهم ملكاً عظيماً ثم الصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد وآله الذين اصطفاهم واجتباهم وحباهم مقاماً محموداً كريماً.

أمّا بعد،

فقد تقدَّم إليّ بعض الأحبّة في سؤال أو استشكال ممّا لم يكن لي بدّ من إجابته فجرى القلم بمختصر في انقياد ذرّات الكون لهم صلوات الله عليهم بإذنه وإقدار منه عزَّ اسمه وتقدَّست أسماؤه فإن كانت محقّة فبفضلٍ من الله جلَّ ثناؤه وشفاعة من خلفائه محمد وآله صلوات الله تترى عليهم،وما كان فيها من نقص أو خلل فالقصور من صاحب السطور عفا الله عنه وستر عليه، على أنَّ أعلامنا من السلف الصالح وكذلك جملة من العلماء والفضلاء المعاصرين أوسعوا المسألة بحثاً وتحقيقاً ولولا حق الأحبة في تلبية طلبهم، والطمع في التشرّف بنشر فضائل خلفاء الله لما كان لي أن أدلي بدلوي.

أولاً: مقام الثبوت (الإمكان):

إنَّ الله تعالى هو المتفرِّد بالقدرة لا شريك له ولا نظير ولا وجود إلا منه، قائم به، ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى وما من حركة ولا سَكَنَة في السموات والأرضين لذرّة من الذرّات إلا بإقدار وقَدَر وقضاء منه عزّ اسمه.

فمن اعتقد باستقلال شيء أو أحد فقد كفر، ومن اعتقد أنّ فِعل فاعل من بشر وغيره كان بمشاركة له فقد اشرك، وإنّما يفعل الفاعل الفعل بإذن الله وإقدار منه آناً فآناً، وعليه ففعل كلّ فاعل -مهما عظُمَ أو تضاءل- هو في طول قدرة الله ومشيئته،لا في عرضها.

مثال: من اعتقد أنّ تحريك القشة من فلان باستقلاله فقد كفر، ومن اعتقد أنّه بقدرة ومشيئة مشتركة منه ومن الله فقد أشرك، ومن قال أنّه حركها بإذن الله وإقدار وإمداد من الله (جل وعلا) فقد مَحَض التوحيد.

بناءً على ما تقدَّم فإنَّ تحريك القشّة،ونسف الجبال، وتحريك الرياح، وشفاء المريض،وخلق الخلق،وكلّ فعل -صَغُرَ أم كَبُرَ- على حدٍّ سواء من حيث قدرة الله عليه وعجز الإنسان عنه. وكذلك إقدار الله وامداده لأيِّ مخلوقٍ،فهو كما أقدرَ الإنسان على تحريك قشّة، قادر على أن يُقدِرَه،بل قادر على أن يُقدِر بعوضة على أن تنسف الجبال نسفاً.

وهنا يأتي السؤال: أيقدر ربك أن يعطي هذه القدرة لشيء من مخلوقاته أم لا؟

إنَّ الله تعالى الذي لا تنفد خزائنه ولا يخاف أن يُغلب على أمره،وهو الجواد الذي لا يبخل مهما أفاض على شيء من مخلوقاته من قدرة وقوة،فإن في ذلك إظهاراً لقدرته وعظمته،لا تحديداً له ولا منازعة لسلطانه.

فأيّهما قدرته أجلى وأظهر؟ مَن هو قادرٌ على شيء ولم يقدر أحد عليه، أم الذي هو قادر على شيء مُقدِرٌ لغيره عليه؟

بعد كلِّ ما ذكرناه يظهر أنّ القول بإقدار الله تعالى لأحد من مخلوقاته لأيّ فعل من الأفعال -مهما عَظُم- ممكن،لا يترتّب عليه محذور عقلي ولا شائبة شرك فيه.

المقدمات:
  • تقرَّر سابقاً بأنّ ما يقوم به الإنسان رهن إقدار الله تعالى له فإنّ حصوله على ما يريد لا يكون إلا بذلك، وعليه فإنَّ الأمور الخارقة لنواميس الطبيعة – أي سُننها وعاداتها التي سنّها الله تعالى لها – تكون بتوجّه العبد الصالح إلى الله ليُقدِره عليها، بل إنَّ من يعيش وعي الإيمان يتوجّه إلى الله مستمداً منه العون حتى في الأمور العادية المقدورة لسائر أبناء نوعه،إذ لا يغيب عنه أنّه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذه الاستعانة والتوجّه القلبي الدائم تارةً تكون دون توسّط لفظ وخطاب، وأخرى بتوسّط الصلاة والدعاء .وحقيقة كِلا النحوين واحدة عند التأمّل،فالتفريق بينهما -بأنّ الدعاء يختلف عن التصرّف التكويني- في غير محله.
  • إنّ سعة وضيق تلك الدائرة أمرٌ خلافي، ولكلِّ فريقٍ أدلّته،فلا يحق لأحد منهما أن يتّهم الآخر بالغلو أو التقصير، والمساحة المختلَف فيها لا تضرّ بإيمان أحد، إذ لا يجب الاعتقاد بها إلا إذا قام الدليل بما يورث العلم.
  • إنَّ أصحاب تلك السلطنة لا ينازعون الله سلطانه،كيف وأصل وجودهم منه ومصيرهم إليه ونواصيهم بيده. فهم مفتقرون إليه حدوثاً وبقاءاً، وهو الغني الحميد.

4- إنَّ مخلوقات الله تعالى هي آياته الدالّة عليه،الحاكية لعظمته وعلمه وقدرته وحكمته وكرمه . {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (الذاريات: 20\21)، وكّلما عظمت وجلّت كلّما عظُمَت دلالتها على عظمته حتى يقال: إذا كان المخلوق هكذا فكيف بخالقه؟!

5- إنَّ أصل هذه الحقيقة مسلَّم لا ريب فيه بين أحد من أهل الأديان الإلهية والكتب السماوية -حتى المحرّفة منها- كيف لا والمعجِز الجاري على أيديهم من مصاديقه، ولا يقدح في ذلك كونه في مقام التحدّي وإثبات صدق دعوى الرسالة، فهو فعلٌ يفوق قدرات المخلوق الطبيعية،وقد جرى على يد مخلوق من مخلوقات الله تعالى.

6- إنَّ هذه الوساطة في جريان القدرة ليست لعجز أو استعضاد أو مشاركة، و إنّما لمقتضى حكمته ونفاذ مشيئته وبيان عظمته.

المقاصد

المقصد الأول: وساطة الملائكة وسلطنتهم بإذن الله تعالى.

قال الله تعالى:إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(يونس: ٣)

“اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”(الزمر: ٤٢)

ومع ذلك فقد جعل في طول قدرته مخلوقات أقدرهم على التدبير والتوفي بإذنه بحيث يُسنَد إليهم الفعل حقيقةً، كما في قوله تعالى:فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا” (النازعات: ٥).

وقد وردت الأحاديث الشريفة بأنّهم فريق من الملائكة يتصرّفون في الرياح والسحاب والبحار وشؤون العباد من سنة إلى سنة بإذن الله تعالى.

“قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ”(السجدة: ١١)

“الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”(النحل:٢٨)

“الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ “(النحل: ۳٢)

هذا وقد ثبت في الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة كونهم عقلاء مختارين غير مجبرين متمحّضين في طاعة الله تعالى، عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون”

كما ورد أنّ المؤمن المطيع يرقى فوقهم درجة، بل درجات، وأنّ أئمة المؤمنين من آل ياسين وجدّهم خاتم النبيين مِن قبلهم مخدومون مطاعون لهم.

٢- طاعة العبد لربّه تجعله متّصلأ بالقدرة الإلهية اتصالاً خاصاً، وأدنى درجات ذلك استجابة الدعوة. وقد تقدّم في التمهيدات عدم الفرق الفارق بين كون المرء مستجاب الدعوة أو متصرّفاً بالمباشرة.

فقد روى الكليني بسند صحيح عن زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ:” قَالَ لِي: ألَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَسْتَثْنِ فِيه رَسُولُ اللَّه ( صلى الله عليه وآله ) ؟

قُلْتُ :بَلَى .

قَالَ :الدُّعَاءُ يَرُدُّ الْقَضَاءَ وقَدْ أُبْرِمَ إِبْرَاماً “. وضَمَّ أَصَابِعَه. [1]

وقد استفاضت الأحاديث بهذا المعنى. وأجمعت الأمّة على أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان كذلك، بل كلّ نبي مُجاب الدعوة.

روى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيه عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُيَسِّرٍ عَنْ أَبِيه عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه (صلى الله عليه وآله): خَمْسَةٌ لَعَنْتُهُمْ وكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٍ :الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّه،والتَّارِكُ لِسُنَّتِي،والْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّه، والْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّه، والْمُسْتَأْثِرُ بِالْفَيْءِ والْمُسْتَحِلُّ لَه”.[2]

بل نطقت الأحاديث الشريفة بأنّ التوسّل به وبآله بالصلاة عليهم شرط في استجابة الدعاء.

منها ما ورد في الكافي بسند صحيح عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السلام) قَالَ:” كُلُّ دُعَاءٍ يُدْعَى اللَّه عَزَّ وجَلَّ بِه مَحْجُوبٌ عَنِ السَّمَاءِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ[3]

وقد وردت نصوص كثيرة أخبرت عن توسّل الأنبياء بهم إلى الله تعالى.

ونرى أعلام الجمهور وصفوا جملة من الصحابة والتابعين وغيرهم كسعد بن أبي وقاص و أويس القرني وعكرمة بن عمار وغيرهم بإجابة الدعاء.

ونَقلَ ابنُ تَيميةَ،وكذلِك ابنُ حجرِ العَسقَلانيِّ، عن شَيبانَ النَّخعِي أنَّه كانَ له حِمارٌ فماتَ في الطَّريقِ فقَال له أصْحابُه: هلمَّ نَتوزعُ متَاعَكَ على رِحالِنا. فقَال لهم: أمْهلُونِي هُنَيهَة. ثم توضَّأ فأحْسنَ الوُضوءَ وصلَّى رِكعَتينِ ودَعا اللهَ تعالى فأحْيا له حِمارَه فَحملَ عليْه مَتاعَه.[4]

وتترقّى تلك المكرُمة الإلهية لعباده الصالحين حتى تنقاد لهم الأقدار تبعاً لمشيئتهم وتتصل القدرة الإلهية الخاصة بقدرتهم.

وقد نصّت الآيات الكريمة على تحقّق ذلك لأهل الجنة:

“لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ “(ق:۳٥)

“جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ”(النحل: ۳١)

“لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ  ذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ” (الزمر:۳٤)

فتأمّل في قوله تعالى: كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ وذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ”.

وأمّا في الدنيا فحسبنا الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري في صحيحه: “وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه”[5].

ورواه بلفظه ثقة الإسلام الكليني في أصول الكافي[6]، بسنده عن الصادق جعفر بن محمد عن جدِّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الله عزَّ وجلَّ.

وقال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى):” يا عبدي أنا أقول للشيء كن فيكون أطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون، يا عبدي أنا الحي الذي لا يموت أطعني أجعلك حياً لا تموت، وفي أثر أنّ المؤمن تأتيه التُّحَف من الله من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت، فهذه غاية ليس وراءها مرمى، كيف لا وهو بالله يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشي فلا يقوم لقوته قوة” [7].

وقال الديلمي في إرشاد القلوب: “وروي أن الله تعالى يقول في بعض كتبه : يا ابن آدم أنا حي لا أموت أطعني فيما أمرتك أجعلك حياً لا تموت. يا ابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون”[8]

وروى  شيخنا الجد الحر العاملي في كتابه “الجواهر السنية في الأحاديث القدسية”: ” يا بن آدم! اعمل بما أمرتك وانتهِ عما نهيتك، أجعلك حياً لا تموت أبدا ً”.[9]

وروى ابن فهد الحلي في عدته عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:” إنَّ الله تعالى أوحى إلى داود أن بلِّغ قومك أنه ليس عبد منهم آمره بطاعتي فيطيعني إلا كان حقاً عليَّ أن أطيعه وأعينه على طاعتي، وإن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، وإن اعتصم بي عصمته، وان استكفاني كفيته، وإن توكل عليَّ حفظته من وراء عوراته، وإن كاده جميع خلقي كنت دونه “[10].

ولو أجلنا النظر فى الأحاديث الشريفة لوجدنا الكثير من الشواهد على هذا المعنى.

وينقل بعض أعلام العامة في كتبهم إطاعة العناصر الأربعة :(الماء والهواء والتراب والنار) لعمر بن الخطاب، قال السَّخَّاوي في “التحفة اللطيفة” في ترجمة عمر بن الخطاب:” وترجمته تحتمل مجلداً ضخماً وممن أفردها الذهبي في (نِعَم السَّمَر في سيرة عمر):وقد أطاعته العناصر الأربع؛ فإنّه كتب لِنيل مِصر وقد بلغه أنَّ عادته أن لا يوفي إلا بِبِنت تلقى فيه فقطع الله من كتابه هذه العادة المذمومة، والهواء ؛حيث بلغ صوته إلى سارية، والتراب؛ حين زُلزلت الأرض فضربها بالدَرَّة فسكنت، والنار ؛ حيث قال لشخصٍ أدرك بيتك فقد احترق. إنتهى[11].

المقصد الثاني: قدرات منحها الله تعالى لبعض عباده من الإنس:

“إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا” (الكهف:٨٤)

فتأمّل في مفهوم التمكين ثم في {آتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا}  وما يشمله مفهوم (شيء) بعد دخول (كل) عليه، ثم أجِل بصرك في الآيات التي تحكي مسيرته المحيّرة للعقول، والتي لا يُعلَم أهي من أسفار الأرض على الأرض أم استشرافها من السماء، ولم يرد أنّه كان رسولاً ولا أنّه كان إعجازاً في مقام التحدي وإثبات صدق الدعوى ولا أنّه قضية في واقعة.

  • ثم اعطف على قوله تعالى: ” وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا “(سبأ:١٠) وانظر إلى دلالة التنوين على التعظيم في سياق بيان مِنَن الله السابغة على عبده “يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ”، في سلطان لم يزل يُضرب به المَثَل.
  • ثم ورثه عنه ابنه سليمان (على نبينا وآله وعليهما السلام) إذ قال عزّ من قائل:

{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ} فما هي دلالة التسخير في قوله هذا {تَجْرِي بِأَمْرِهِ} ومرجع الضمير إلى سليمان فهو آنئذٍ مجريها {رُخَاء} لينة مطيعة “حَيْثُ أَصَابَ” (ص: 36). أي أراد، ليرجع الضمير المستتر إلى سليمان تأكيدأ على طوعها لإرادته.

{وَالشَّيَاطِينَ} كذلك حالها كحال الريح في جمع محلى بأل مما يفيد عموم سلطنته على الجنّ “كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ” (ص:۳٧-۳٨).

ثم ليذكّر تعالى أنّه منه تقدَّس اسمه قال: “هذا عطاؤنا” (ص:۳٩) ويؤكّد إطلاق سلطنة سليمان عليه بإذن ربه بقوله:” فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ” (ص:۳٩).  

ومع ذلك: ” قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ “(النمل:۳٨-۳٩). وتلك قدرة يمتلكها الجن -أو بعضهم – دون الإنس بطبعهم لتكون المفاجأة على يد إنسي علا بقدرته على الجن فـ {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ} وهنا يكمن سرُّ تفوقه إذ عنده عِلمٌ من الكتاب، فما بالك بمن عنده علم الكتاب ؟! { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} .

وهكذا كان فتبارك الله المنان وتقدّس القادر السبحان، ولم يكن ذلك في مقام الدعوة والتحدي، بل يظهر منها امتلاكه لذلك من جهة ما ذكرناه من علم الكتاب.

  • وأعجب من ذلك ما أقدر عليه عبده وكلمته المسيح بن مريم (على نبينا وآله وعليه وعلى أمّه الصلاة والسلام) حتى حق له اًن يقول:” قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ” حيث أسند الخلق إلى نفسه {كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} ثم قال {فَأَنفُخُ فِيهِ} ليسند نفخ الروح إليه {فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} فهو إقدار منه تعالى وكذا قوله أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ(آل عمران:٤٩) من إسناد الفعل إلى نفسه وكون المقدر هو الله تعالى.
ملاحظات في نهاية هذا المقصد:

ما من قدرة مُنحت أو معجزةٍ جَرَت وكرامة ثبتت لأحد من مخلوقات الله تعالى، فإنَّ محمداً وآله هم الأولى بها .وهذا مما اهتدى إليه ابن تيمية -رغم ضلاله،  وإن حاول حصر ذلك بإثبات الرسالة مع أنّ جملة من تلكم القدرات لم تكن في مقام اثباتها كما تقدَّم، حيث قال في كتاب النبوات: “فإِذا كان آية نبي إِحْياءُ الله الموتى لم يمتنع أن يحيي الله الموتى لنبي آخر أو لِمَن يتَّبع الأنبياء،كما قد أُحييَ الميت لغير واحدٍ من الأنبياء ومن تَبِعَهم، وكان ذلك آيةً على نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم ونبوة مَن قبلَه”[12].

وفي مجموعة فتاوى ابن تيمية قال:” ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء؛ ما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور عن سائر الأمم”[13].

وقال ابن حجر الهيتمي في (الفتاوى الحديثية ) أثناء كلامه عن الأولياء وكراماتهم:” ثم الصحيح أنّهم ينتهون إلى إحياء الموتى،خلافً لأبي القاسم القشيري  ومن ثم قال الزركشي: ما قاله ضعيف، والجمهور على خلافه، وقد أنكر عليه حتى ولده أبو نصر في كتابه (المرشد)، فقال عقب تلك المقالة: والصحيح تجويز جملة خوارق العادات كرامةً للأولياء، وكذا في إرشاد إمام الحرمين، وفي شرح مسلم للنووي: تجوز الكرامات بخوارق العادات على اختلاف أنواعها، وخصّها بعضهم بإجابة دعوة ونحوها، وهذا غلط من قائله وإنكار للحِس، بل الصواب جريانها بانقلاب الأعيان ونحوه. انتهى كلامه”[14].

وقد أورد أعلامهم في باب كرامات الأولياء الكثير الكثير من آيات هذا السلطان لأئمتهم وعلمائهم وزُهادهم فلتُراجَع في مظانّها،وفيها انقلاب الأعيان، وانقياد الحيوان، ورؤية البعيد والمحجوب من المكان، وطاعة الأرض والبحر، والمشي على الماء، وتغيير أوضاع السماء، وإنبات الشعر، وتلبية رغباتهم بمجرّد الرغبة،وغير ذلك.

يتبع في العدد القادم إن شاء الله تعالى.


المصادر:

[1] الكليني؛ الكافي؛ ج2؛ ص470.

[2] المصدر نفسه؛ ص293.

[3] المصدر نفسه؛ ص493.

[4] انظُر:ابن تيمية؛ مجمُوعَ الفَتاوى ج 11: ص 281، ابن حجر ؛ الإصَابةُ في تميِيز الصَّحابةِ ج5: ص192.

[5]  صحيح البخاري 7: 190.

[6] الكليني؛ الكافي 2: 352،

[7] ابن تيمية؛ مجموع الفتاوى؛ ج4؛ ص376.

[8] الديلمي؛ إرشاد القلوب؛ج1؛ ص75.

[9] الحر العاملي؛ الجواهر السنيَّة؛ص79.

[10] ابن فهد الحلي؛ عدة الداعي؛ ص 292.

[11] السخاوي؛ التحفة اللطيفة ج 2:ص337.

[12] ابن تيمية؛ النبوات؛ ص298.

[13] فتاوى ابن تيمية ج٣ ص ١٥٦.

[14] ابن حجر الهيثمي؛ الفتاوى الحديثية ص١٠٨.

إغلاق