أحيوا أمرنا

وقفة مع بيعة الغدير

247-248

بقلم: الشيخ علي عيديبي
(من دروسه في مؤسسة الإمام الحسين (عليه السلام) في ويندزور- كندا)
هل صحيح أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أصبح إماماً وأميراً في يوم الغدير؟

الجواب: كلا، فإنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) إمامٌ ووصي وولي منذ بعث الله النبي (صلى الله عليه وآله).

وأمّا سلطته وزعامته وتقلّده مقاليد الأمر والنهي فهي من بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، باعتبار أنّ المعصومين لو كانوا مجتمعين يكون بينهم إمامٌ لهم وللبشرية كلّها. فإذا اجتمع أكثر من معصوم في وقت واحد كاجتماع النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل الكساء (عليهم السلام)، فالزعامة للنبي (صلى الله عليه وآله) على الأمّة وعلى باقي المعصومين. فكان النبي (صلى الله عليه وآله) نبياً ورسولاً وإماماً وزعيماً وآمراً وناهياً على أمير المؤمنين وعلى الزهراء وعلى الحسنين (عليهم السلام) وعلى باقي الأمّة. وانتقلت الزعامة والإمرة السماوية بعده (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين على الزهراء وعلى الحسنين (عليهم السلام) وعلى باقي الأمّة.

كما اجتمعت نبوة النبي إبراهيم مع نبوة لوط وإسماعيل (عليهم السلام) فكانت النبوة والزعامة لإبراهيم عليهما وعلى باقي الأمّة.

أو كما اجتمعت نبوة موسى وأخيه هارون (عليهما السلام)، فكانت الإمامة والنبوة والإمرة لموسى على هارون عليهما السلام  وعلى باقي الأمّة. وكذلك يوسف ويعقوب .

وإنّ اجتماع الأنبياء والمعصومين في عصر واحد كثيرُ.

فإذا كان إبراهيم (عليه السلام) هو الإمام والنبي والآمر والناهي، فهذا لا يمنع نبوّة لوط وإسماعيل، فهما نبيان، لكنهما مأموران لإمامة ونبوّة ابراهيم (عليه السلام).

وإذا كان محمد (صلى الله عليه وآله) هو النبي والرسول والإمام والخاتم للنبوات وهو إمام الرحمة أصلاً، فلا تلغي إمامته إمامة علي والحسن والحسين وعصمة الزهراء (عليهم السلام) لكنها لا تُفَعَّل للاكتفاء بالمعصوم (صلى الله عليه وآله).

فمن حين اجتماع النبي بأوائل البشر دعوةً إلى الاسلام، وهم عشيرته الأقربون لقوله تعالى: “وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ” (الشعراء، 214)، بلّغ النبي نبوّته وسألوه من يكون خليفةً من بعدِه فأخبرهم عن علي (عليه السلام).

إذن، إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) عن علي (عليه السلام) في كلِّ المواطن،  في مكة والمدينة، هو إخبار عن إمامته وعصمته ومكانته ودرجته ومنزلته منه، وهو إخبار عن ذاته الشريفة.

فما الفارق بين هذه الاخبارات  والإنباءات وبين يوم الغدير؟

إنّ النص على الإمام علي (عليه السلام) في يوم الغدير كان لأجل البيعة والطاعة من قِبل الناس.

فالإمام المعصوم يتمتّع بسلطتين إلهيتين: السلطة التشريعية بتعبير أهل اليوم.

والقيادة والولاية على النفوس، وهو التنفيذ والإجراء للدين.

وبهاتين السلطتين الإلهيتين يجب على الناس الانقياد والاتباع والائتمار حتى يستقيم أمر الناس ،فهم يعطون عهداً بالمبايعة والمتابعة.

وهذا العهد كما كان بين النبي (صلى الله عليه وآله) و بعض الصحابة في بيعة الرضوان وفي أُحُد وفي حُنين، فإنّ نبوّة النبي (صلى الله عليه وآله) غير متوقّفة على مبايعة الناس، فهو نبي من الله حتى لو رفضه الناس وكفروا به ولم يبايعوه.  ولكن في حالكات الأمور ومخاطر الظروف كان الناس الأوفياء يبايعون النبي ويجدّدون عهداً له أنّهم يفدونه بأنفسهم، كما بايعه أهل المدينة عندما استضافوه إليهم.

فالنبي (صلى الله عليه وآله) كان مكّياً فهاجر إلى المدينة، وهجرته إلى المدينة كان بمثابة تهجير من أهل مكة واستغاثة من أهل المدينة، فنزل ضيفاً على أهلها من الأوس والخزرج، وهما قبيلتان كانتا متحاربتين، فصفّى الله قلوبهم بمحمد (صلى الله عليه وآله)، حين استضافوه أهل المدينة وبايعوه .

وكان من نصِّ بيعتهم: أن لك علينا يا رسول الله أن نمنعك من كلِّ عدو وأن نعصمك من كلّ مُريدٍ بسوء كما نعصم أبناءنا، وهذا هو العهد.

وحتى لو لم يقبل أهل المدينة ولم يبايعوا النبي (صلى الله عليه وآله) فإنه يبقى نبياً.

فعيسى (عليه السلام) كان نبياً وإن أرادوا صلبه، ويحيى (عليه السلام) قُطع رأسه وبقي نبياً.

نعم ، لما استضاف أهل المدينة النبي (صلى الله عليه وآله) وبايعوه على النصرة، فهذا يعني أنّهم وثّقوا البيعة في أعناقهم.
ولمّا جمع النبي (صلى الله عليه وآله) الناس يوم الغدير قُبيل رحيله من الدنيا بما لا يصل إلى تسعين يوماً، فهو يوم الإعلان العام  وأخذ المبايعة والمطاوعة من الناس لعلي (عليه السلام).

إذ إنّ ضرب الناس الكف على كفِّ علي (عليه السلام) توثيقٌ منهم وعهدُ منهم، وليس جعلاً لعلي إماماً عليهم، فهو من الأصل إمامٌ ووصي سواء أطاعوه أو نكثوا.

ونظيره: إذا أراد أحدُ بيع داره، فعليه أن يبيّن إرادة بيع البيت باللفظ وأن يسلّم المفتاح ويوثّق التسليم ويشهد. هذا كلّه يسمّى توثيق للإرادة.

فالبيع إرادة،  والمبايعة في لغة العرب من البيع. فهم يقولون “بايعه” يعني “أعطاه عهداً” وبيّن الإرادة فباع لله نفسه، ويقولون “باع لهذا الشخص ضميره” يعني سلّمه ضميره.

فالمسلمون بايعوا علياً(عليه السلام)، وكانت معروفاً لدى العرب أنّه إذا تمَّ البيع بين اثنين يصفق الأول  على كف الثاني ، وما زال العرب حتى الآن يقولون: “تمَّت الصفقة”.

ومن هنا سأل النبي الناس أن يصفقوا على يد علي (عليه السلام) كي تتم البيعة، وينطقوا بها، فنطق القوم وقالوا: ” أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة “[1]، وكان أول القوم أبا بكر، ثم من بعده عمر، وهكذا توالى الناس على مبايعة علي (عليه السلام).

من ثَم فوق هذه الصفقة والإعلان، تأتي شهادة الشهود وهم الله (عزَّ وجلَّ) ومحمد (صلى الله عليه وآله) وجبريل (عليه السلام)، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أشهدهم على أنفسهم عندما قال :”يا أيها الناس مَن أولى بكم من أنفسكم ؟

فقالوا: الله ورسوله أولى بنا من أنفسنا .

قال:فمن كنت مولاه فهذا مولاه -يعنى علياً- ثم أخذ بيده فبسطها ثم قال: اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه” [2].

ثم ولّى علياً ونصبّه وأشهد الله وجبريل عليه فتتم بذلك المبايعة

فحتى لو لم يصفقوا  لعلي (عليه السلام) فإنّه يبقى إماماً.

إذاً المبايعة هي شرف وإعطاء عهد وميثاق، والناس بايعوا علياً بالإجماع يوم الغدير وصفقوا على كفّه.

يوم الغدير: بين الشكل والمضمون.

فيوم الغدير اختلف عن سابقاته بالشكل لا بالمضمون.

وإلا إن سُئلت حقوقياً: أي المواد الدينية المحمدية دلّت على إمامة علي (عليه السلام) ، فقُلْ : كلّ المواد منذ انطلاقة الإسلام إلى يوم رحيل النبي (صلى الله عليه وآله) يوم خاطب المسلمين  قائلاً:” ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا

بعده أبداً “.[3]

فالمواد القانونية التي جعلت علياً إماماً ودلّت على إمامته، هي تلك المواطن والمواقف العظمى، هذا من حيث المضمون.
أمّا من حيث الشكل، فهناك فرق بين حديث الغدير وبين حديث المنزلة مثلاً .

ففي حديث المنزلة كان علي صاحب الراية دوماً بين يدي المعظّم (صلى الله عليه وآله) وملازمه كظلّه في كلِّ معاركه، وفي حلِّه وترحاله.

إلا في معركة”تبوك”، حيث ذهب النبي (صلى الله عليه وآله) على رأس جيشٍ وأبقى علياً (عليه السلام) في المدينة، فجلجلَ المنافقون بهذا وبخسوا علياً (عليه السلام) حقه وصار الإعلان في الشارع العام هو أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يرتضِ علياً صاحباً له في هذه المعركة.

فجاء علي (عليه السلام) أمام الأشهاد وقال:” فقال أتخلفني في الصبيان والنساء؟!”

بالتأكيد هذا لم يكن تشكيكاً من علي (عليه السلام)، إنّما كان ليُسمِع النبي (صلى الله عليه وآله) القاصرين والمنافقين ما لم يحبّوا أن يسمعوا.

فإذا بالنبي (صلى الله عليه وآله) يجيب: ” ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي”[4]

ذلك أنّه لمّا غاب موسى عن قومه جعل هارون وزيراً وولياً ووصياً.

أما في يوم الغدير كان شكل التنصيب انسياباً من الناس وضرباً على كفِّ علي (عليه السلام) اختياراً وطوعاً، فالقاعدة الشعبيّة هي من أعطت البيعة لِعلي (عليه السلام).

أمّا مضموناً، فهي لا تختلف عن غيرها، مَثَلها مَثَل الآيات التي دلّت على نبوة النبي (صلى الله عليه وآله) في القرآن الكريم. فالنبوة  لمحمد (صلى الله عليه وآله)، فهو خاتم النبيين وله الرسالة، كلّ هذا ما اختلف في ذاته المقدسة وملكاته القدسية.

أمّا الذي اختلف فهو شكل البيان، فحدثٌ معينٌ يقتضي إعلان الله (عزَّ وجلَّ) لهم أنَّ محمداً رسولٌ وقائدٌ وإمامٌ وقدوةٌ، “ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ” (الأحزاب: 40).

إذ إنّ الله (عزَّ وجلَّ) نفى عنه الأبوة النسَبية وأثبت له الولاية والأبوّة الرسالية.

توثيق الغدير:

اختلفت كلمة المسلمين في عدد الحضور في ذلك اليوم من قائل فوق الثمانين ألف أو فوق المئة ألف، ومن شاء المراجعة التاريخية فليرجع إلى الكتاب الشريف اللطيف المسمى “الغدير” لمؤلفه العلامة الأميني جزاه الله خيراً، لأنّه قد سجّل سبقاً في هذا المضمار، أثبت فيه كل مَن روى هذا الحديث  وألّف أجزاءه على القرون.

ولقد تبارى الشعراء في ذِكر هذه المزيّة اللطيفة وكلُّ ما ذًكِر في الغدير جميلٌ ولكن من أجمل ما ذُكر في الغدير هذا البيت: يقول،

وصــــــــارمه كبيعته بخــــم * معاقدهــــــــا من القوم الرقـــاب

علي الدر والذهب المصفـى * وباقي النــاس كلهـــــــم تـــراب

الغدير والإيمان:

فأدخل  النبي (صلى الله عليه وآله) المسلمين يبايعون علياً (عليه السلام)، وكانوا يعبّرون عمّا في دواخلهم.
وسجّل التاريخ  ، لو أنّ الدهر أطاع أو كان القوم ذوي أسماع، لطبّقت الآفاق كلمة الحاكم الثاني: ” بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم”.[5]

فإذا كان هذا الخبر صحيحاً كما رواه المسلمون، فلتكن صرخة هادئة في أسماع المسلمين عموماً، ركزوا على مفاصل كلمات الخليفة الثاني تدركوا  أنَّ هناك فارقٌ يجب أن يتمّ به الاسلام، لذا كانت بيعة النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي لإتمام الإسلام.

وعلى هذا نزل قوله تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا”(المائدة:3) أي اليوم أتمّ الله مواد إسلامه، ورضي لكم الإسلام ديناً.

وعندها أدخل النبي (صلى الله عليه وآله) المسلمين على علي (عليه السلام)  ليبايعوه بإمرة المؤمنين من بعده.
ولكن عوامل النفاق من جهة، والحسد لبني هاشم وعلي (عليه السلام) من جهة ثانية، وحب السلطة والرئاسة من جهة ثالثة، حالت دون تحقيق هذه الغاية. فما أن رحل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) حتى بدأت المأساة.


المصادر:

[1] الفخر الرازي؛ التفسير الكبير؛ج12؛ ص50.

[2] الهيثمي؛ مجمع الزوائد؛ج9؛ ص105.

[3] صحيح البخاري؛ج5؛ ص137.

[4] المصدر نفسه؛ ص129.

[5] ابن كثير؛ البداية والنهاية؛ ج7؛ ص386.

إغلاق