من سير الأطهار/ أدب ملتزم

“ناصرة بني فاطمة… أم سلمة”*

247-248

بقلم: رجاء محمد بيطار

 

– ” ألِمثل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله يقال هذا القول؟!.. هي والله الحوراء بين الإنس، والنفس للنفس، رُبّيت في حجور الأنبياء، وتناولتها أيدي الملائكة، ونمت في حجور الطاهرات، ونشأت خير منشأ، ورُبّيت خير مربى، .. أتزعمون أنّ رسول الله حرّم عليها ميراثه، ولم يُعلِمها، وقد قال الله تعالى:{وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (الشعراء: 214) ؟!.. أفأَنذرَها وخالفت مطلبه، وهي خيرة النسوان وأم سادة الشبّان، عديلة ابنة عمران، تمّت بأبيها رسالات ربه؟!.. فوالله لقد كان يشفق عليها من الحرّ والقرّ، ويوسّدها يمينه ويلحفها بشماله، ورسول الله بمرأى منكم، وعلى الله تردّون؟!.. واهاً لكم فسوف تعلمون!..”

كانت كلمات أم المؤمنين “أم سلمة” تجلجل في فضاء الواعين والغافلين، وهي تكرر على مسمعٍ من القلوب الوالهة قولها الذي وقفت به في وجوه الظالمين، بعد تلك المحنة المعروفة بالسقيفة، .. إنّ التاريخ لم يزل يعيد كلماتها تلك، ويصرخ في وجه كل جبار أثيم، أن كيف تُغصب حقوق سيدة نساء العالمين، وبأي حجة ستلاقون أباها يوم الدين، وقد تلفّظت ألسنتكم العجماء بتلك التهم الشوهاء؟!

… هو الحق قد استُبيح ولم يزل يُستباح، وإنّ كلام أم سلمة المجلجل في العقول والأسماع لم يذهب أدراج الرياح، بل هو لم يزل يتردَّد بين كل مساءٍ وصباح، مذ صاحت به حتى يستبين الحق الصُّراح.

وتطلق السيدة الجليلة أنفاسها بعد احتباسها، وتطرق برأسها مهمومة وهي تسترجع سحب ذلك الزمان وغيومه؛ … لشدَّ ما تلبّدت الأجواء آنذاك، وعصفت الأنواء بخيرة الأصفياء، حتى لم يعد لهم أرضٌ يحتمون بها ولا سماء، ولكن عدالة رب السماء كانت ولا تزال هي الملجأ والمأوى، لكلِّ مَن أصابه وابلٌ من تلك البلوى…

وإنك يا أم المؤمنين لواحدة من أولئك القلائل الذين التفّوا حول سادة الوجود في تلك الآونة، وأرادوا أن يفدوهم بأرواحهم وأنفسهم، ولم تكوني قطّ متهاونة، بل قمتِ في وجه الظلم ناطقةً وساكنة، وكنتِ للمؤمنين أماً أبداً، ولأهل البيت عليهم السلام عوناً وسنداً، يوم عزّ العون والسند وتقلقلت القلوب بأحقادها الطاحنة، وغدت النفوس الضعيفة لهولها واهنة..

إنّ أفكاري لتسبقني إليها، وأنا قائمةٌ أخطّ أنفاسي بين يديها، وقد أخذت سيّدة النساء موقعها أمامنا، فانصبّت الأفئدة عليها، ولكنها قد غدت في منأى عنا، تناجي الخالق العظيم، وتتضوّع عبيراً كموسى الكليم، وأراني لا أكاد أبلُغها ببصري العقيم، وتُبهِر بأشعتها كياني السقيم، حتى أحسّ أنّني في حضرة حضورها الملكوتي فناءٌ ورميم.

إنّها علينا شاهدة، ولذا فإنّ مشاعرنا واحدة، كلنّا تقديسٌ وتعظيمٌ لها، وكلنّا نحاول أن نقدّم أمام الباري وأمامها براهيننا الواعدة..

ويحي… وهل أضع نفسي في مصاف هذه الثلة الخالدة؟!.. أنا القليلة حتى الهباء، المتوسّلة من عليائها وعليائهم فتات العطاء؟!

بل هي لحظة صفاء، ولعلّها تغمر وجودي الفاني بعد هذا اللقاء…

وتنبري أم المؤمنين تتابع نجواها، وتجيب عن سؤلي وسؤالي، وقد أدركتْ ما أروم من غناها؛ فلكل مظهرٍ جوهر،  وهي سيدة أمهات المؤمنين بعد خديجة الكبرى، ولذا، فإنّ لهذا القدر مصدر، وكل ما تبغي دواتي أن تتّخذه مداداً في هذه اللحظات، هو مِسكُها الأعطر، الذي تضوّع أكثر، حينما ارتبط مصيرها بمصير النبي الأكبر…

… ما أعذب ما نطقتِ به يا أماه، واسمحي لي بأن أناديك بهذه اللفظة، فلقد ناداك بها المسلمون جميعاً، كبيرهم وصغيرهم، وإنّي لأقلّهم، كما ناداك بها آل المصطفى، وكنتِ بها جديرة، فقد حملتِ همّ النبوة والإمامة، في حياة النبي وبعد مماته، ولم تقصّري طرفة عين، بل كنتِ قدوةً صالحةً لا للمؤمنات فحسب، بل لسائر أمهات المؤمنين..

أستشعر زفرةً ندت عن صدر أم المؤمنين، الذي أثقلته هموم السنين، فأعلم أني قد نكأت جرحها الدفين، رغم أنّي بكلامي كنت أعرب لها عن عمق امتناني، لما قدّمته للنساء من فخرٍ وأمانٍ، فقد كانت تضع سيدة النساء في موضعها منها، رغم أنّها ابنة ضرّتها وقد كان الأجدر بها الغيرة لا المفخرة… ولكن الله قد رفع الغيرة من ذلك القلب الكبير، لا لدعاء نبيّه فقط، بل لأنّ أم سلمة كانت تحمل من التقوى والمعرفة بربها ودينها ونبيّها الشيء الكثير؛ .. لقد كانت فقيهةً عالمة، يأخذ عنها ويستمع لكلامها الصغير والكبير، وقد جُعل حديثها المرويّ عن النبي وأهل بيته هو فصل الخطاب، فإليه يعود الباحثون إن اشتبهت الأحاديث وعزّ الجواب…


*(مقتطفة من كتاب “قاب قوسين أو أدنى من الحسين”)

 

إغلاق