آفاق معرفية

عينُ الرحى : منطقُ الوهم والالتباس

247-248

بقلم: حسن العاملي

 

كثيراً ما ينشا الوهمُ والالتباس حولَ ظاهرةٍ طبيعية بسيطة، فتتعدّد الفرضيات، ويختلف تفسيرُها بين إنسانٍ وآخَر. وذلك مثلُ من يسأل: هل الدجاجةُ جاءت قبل البيضة؟ امْ البيضةُ جاءت قبل الدجاجة؟

وهل أنّ مياه الأنهارِ، هي التي كوّنت البحار؟ أمْ بخارُ البحارِ، هو الذي كوّن الأنهار؟

وهل بذرةُ الثمرةِ، هي التي أولدت الشجرة؟ امْ الشجرةُ هي التي أولدت الثمرة؟

وهل الجاذبية هي التي كوّرت المادةَ، أمْ المادةُ هي التي خلقت الجاذبية؟

وهل الطفيلي هو الذي أوجب وجودَ السمِّ عند الأفعى والنحلةِ والعقرب، أمْ وُجِد السمُّ أصلاً لإبعاد الطفيليات؟

وهل وُجِد المخدِّرُ في بعضِ الحشائشِ أصلاً للحفاظِ على جنسها، أمْ الطفيلي هو الذي أوجب وجودَ المخدر، لإبعاده؟

وهل وُجِد شوكُ النبات لإبعادِ الأعداء، أمْ وجودُ الأعداءِ، هو الذي أوجب نموَّ الأشواك؟

وهل تقدم الأشجارُ المثمرةُ وجبةً مجانيةً من السكر إلى الطيور، أمْ هي طُعمٌ لنقلِ بذورها إلى أماكنَ بعيدة؟

وغيرها الكثير.

ربما تردُ مثل هذه الأسئلةِ على الذهنِ بالفطرة، لكن هناك من يهوى استخدامها  للالتباس والقياس الخاطىء والسفسطة.

مَثَلُ ذلك مَثَلُ عينُ الرحى

لا زالت الرحى (الجاروشة)، وهي من بقايا العصر الحجري، تُستعمل في بعضِ القرى لجرشِ الحبوب. تتألَّف الرحى من حجرين بركانيين مسنَّنين، أسفلهما ثابتٌ، وفي وسطِه وتدٌ، وحجرُها العلوي يدارُ باليد. تجلسُ المرأةُ أمام الجاروشة، وتضع، بين الحين والآخر، حفنةً من الحبوبِ في وسطِ فمِها، ثمّ تديرها، فيتساقط الجريشُ.

حولَ هذه الآلة البسيطة، يجتمعُ أفرادُ العائلةِ للتسامر.

للجاروشةِ أختٌ اسمها الطاحونةُ التي تدار بقوةِ التيارات الهوائيةِ، أو بمياه الأنهار. حولَ هذه الطاحونةِ، تُعمّر محطةٌ لصيدِ الأسماك، ومزرعةٌ للخضارِ والفواكه. كذلك، يجتمعُ الرجالُ حولَها، وهم يتأملون دورانها. حجرُ الطاحونةِ هذا، يدور مثلما تدور الأسطوانة حولَ حاملِ محورها، الذي يُسمى (عينُ الرحى).

جميعُ نقاطِ الرحى، التي تدور إلى اليمين، تقابلها نقاطٌ تدور إلى اليسار، وجميعُ النقاط التي تدور نحو الأمام، تقابلها نقاطٌ تدور نحو الخلف. والتي تدور إلى الشرق، تقابلها نقاطٌ تدور إلى الغرب. هذا ما يحدث أيضاً عند دورانِ عجلاتِ السيارة، فالنقاطُ الأبعد عن المركز، تدور أسرع من تلك القريبةِ منه. وكلّما اقتربت من المركز قلَّت سرعتُها حتى تنعدم. من هذه المشاهدات، نشأ السؤال: هل تدور نقطةُ المركز نحوَ اليمينِ ونحوَ الشمالِ في الوقتِ ذاتهِ؟ أمْ هل هي ثابتة؟

جاء رجلٌ يحمل أسطوانةً، وقال: لا يوجد في هذه الأسطوانة يمينٌ ولا شمال، ولا أمامٌ  ولا خلف، ولا شرقٌ  ولا غرب، وجميعُ نقاطها ثابتةٌ، ساكنةٌ، صامتةٌ، مستقرةٌ، إنّما حركةُ دورانها، هي التي أوجدت ذلك الوهمَ والالتباس. بعد قرونٍ مضت، جاء من يبرهن أنّ نقطةَ المركز، غيرُ موجودة، إلّا في ذهنِ من يرسمُ الدائرة. فالعجلةُ أو الدولابُ وجميعُ نقاطِها، هي قطعةٌ واحدةٌ ثابتةٌ. لكنّ من يراقبها من الخارج، وهي تدور، يحسبُ أنّ لها يمينٌ وشمالُ وشرقٌ وغربٌ. ومن أجلِ أنْ يبرهن صحةَ مقولته، رسمَ مربعاً على الاسطوانة، ثمّ أدارها، فبقيَ المربعُ مربعاً، ولمْ تُمس أطرافه. ولو كانت نقاطُ الأطرافِ تدورُ بأسرع من نقاطِ الوسط لتشوّه شكلُ المربع. أمّا الذي أزال الوهم والالتباس نهائياً، فهي فتحةُ عينِ الجاروشةِ، التي التهمت المركز وبلعته. رغم ذلك، ظلّ الرجالُ على اختلافاتهم وجدالهم.

طاحونةُ الفرح

تلك المرأةُ، استمرَّت تطحنُ على جاروشتها، وحولها نساءٌ يتجاذبن أطراف الحديثِ، دون أنْ تنخرط في ذلك الجدال. عقول النساءِ أقربُ إلى الفطرةِ من عقولِ الرجال. حينما تطحنُ المراةُ الحبوب، فهي تطحنُ أيضاً معها ما تسمعه من القيل والقال والغيبةِ والوشايات. ومعَ كلِّ حفنةٍ من الحبوب تضعها في عينِ الجاروشةِ، تضع معها كلّ ما يعتريها من شكٍ وخوفٍ وغيرةٍ وحسدٍ وإحباط. بذلك، هي تنسى الهمومَ والأحزانَ والوسواس، وتبعد الوهمَ والالتباس، فتشعرُ بسكينةٍ وفرح، ينعكسُ على من حولها.

آيةُ الليلِ والنهار

أخيراً، جاء مَن يتساءل عن تتابعِ الليلِ والنهار، وأيهما الأقدم؟ قالت فئةٌ من الناسِ: إنّ الظلامَ هو الأصلُ في الكون. وقالت فئةٌ أخرى: إنّ الضوءَ هو الذي أعطى الظلامَ  كينونته. فمن يمشي على الأرضِ تحت أشعةِ الشمس، يُرسمُ له ظلٌّ يتبعه. فليس الظلُّ هو الذي خلق نورَ الشمس، بل نورُ الشمس هو الذي أوجد الظل. كما جاء في الآية الكريمة :” أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ” (الفرقان، 45)

رغم ذلك، استمرَّ هذا الاختلافُ، حتى جاء من يذكِّرهم بقولهِ تعالى:لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ” (يس،40 )      

إغلاق