قضية ورأي

” الخطاب الحسيني: بين بلاغة الكلمة وحضور الفعل”

249-250

بقلم : رجاء محمد بيطار

 

مقدمة:

إنَّ الخطاب الحسيني هو قيمةٌ عظيمة لأعظم قيمةٍ خلقها الله إذ خلق الخلق. وكيف لا يكون كذلك؟!  وهو حديث الأئمّة الميامين، وإحياء ذكر مَن أَمَرنا الله بطاعتهم والتمسُّك بحَبْلهم، فهم الصراط المستقيم والنبأ العظيم.

والمرء على هوى النفس مجبول، فماذا يكون حاله إذا زكّى نفسه ووصل بها إلى مرحلة يتآخى فيها هوى النفس بهوى الروح؟!

{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (الشمس: الآية 9\10).

والخطاب الحسيني هو أن نقف على منبرِ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأن تكون كلّ جوارحنا تسبّح بحمد الله ورضاه، وأن تنطق قلوبنا -قبل ألسنتنا- بما يرضي الله عز وجل عنا، ولا يتأتّى رضى الله إلا برضى نبيّه وأهل بيته (عليهم السلام)، واستلهام العِبرة من سيرتهم وحديثهم، وهو الذي قال فيه رب العزة:

{ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: الآية 3\4).

أن نقف لنتكلَّمَ عن الحسين (عليه السلام)، والحسين هو مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، معناه أنّنا نتكلّم عن الإسلام الذي بُعِث حياً بعدما ضُرِب بدماء آل محمد (عليهم السلام)، وهل بقرة بني إسرائيل أكرم عند الله من سبط نبيّه المُمَجَّد؟!..

أن نقف لنتكلَّمَ عن الحسين، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) قال:  ” حسينٌ مني وأنا من حسين”[1]

يعني إنّ كلّ كلمةٍ ننطق بها هي من الحسين وللحسين، وإنّنا نقدِّمُ عبر الكلمة والفعل ما يرضي الحسين وأباه وجدَّه عنا.

إذاً، هو عطاءٌ بلا حدود، يستوجب منّا شوقاً بلا حدود، وتضحياتٍ بلا حدود، وأملاً في الله عزَّ وجَّل بلا حدود، في تعجيل فرج حفيده الموعود.

والدعاء بتعجيل الفرج هو فرجنا، كما قال أئمتنا(عليهم السلام)، ولا يكون ذلك إلا عبر الدعاء الحق، أي الكلمة التي يترجمها الفعل، والكلمة الطيبة التي أصلها ثابتٌ في صميم القلوب الموالية حق الولاء، وفرعها في السماء، بين شجرة طوبى وسدرة المنتهى، حيث يكتمل العطاء بالاقتداء بسيد الشهداء(عليه السلام).

ولعلّ أهم ما ينبغي للمتصدي للكلمة الحسينيّة والخطاب الحسيني أن يتحلّى به، هو أن يكون جديراً بحمل هذه الصفة، فالخطيب والخطيبة الحسينيّان، هما خادمان للحسين بصفة ناطق رسمي، يُفرغان عن لسان آل محمد (عليهم السلام)، ويرسمان خطَّ الحسين بالكلمة الزينبيّة، تلك الكلمة التي وقفت في وجه أطغى طواغيت الزمان، وأجابته بكل وضوحٍ وقوةٍ وبهاء: ” ما رأيت إلا جميلا”![2]

صفات الخطيب الحسيني:

إذاً، فعلى الخطيب أن يكون بمستوى المسؤوليّة الحسينيّة الزينبيّة، وذلك لا يتأتّى إلا عبر اتّصافه بالصفات التي تؤهِّله لهذه المرتبة الراقية:

1- التقوى:

إنّ على الخطيب أن يكون تقياً، فالداعي إلى الحق ينبغي أن يعمل به قبل سواه، والمتحدِّث عن مآثر الأصفياء  ليقدِّم العِبرة للمستمعين، عليه أن يكون أوّلهم اعتباراً، والحاثّ على الاقتداء بآل محمد (عليهم السلام) يجب أن يعيش روح الكلمة قبل أن يرسم بنبراته حروفها، والتقي التقي مَن اتقى الله في نفسه فصانها عن الوقوع في المهاوي والذنوب، ثم اتّقى الله في عباده، فكان لهم خادماً يقضي حوائجهم ويعينهم ما استطاع للعون سبيلاً، وأن يضع خدمة الناس أولاً، ثم مصالحه الشخصية تالياً، إذ لا خير في مَن يَعِظُ ولا يَتَّعِظ، ويقول ولا يفعل، ويحمل نبراس النور الوهّاج ولا يستضيء به.

2- العبادة الحقة:

إنّ الخطيب ينبغي أن يكون عاملاً عابداً، إذ لا يُقبَل عملُ عاملٍ من ذكرٍ أو أنثى إلا بعبادته، والعبادة الحقّة هي العمل الصالح الذي يقرِّبنا إلى الله ورسوله وأهل بيته زلفى، {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} (التوبة: الآية 105).

3- الزهد:

فالزهد من أهم الصفات التي ترفع من المستوى الخُلُقي والنفسي للخطيب، إذ إنّه يحمل النفس على وضع ملذّات الدنيا  في الدرجة الثانية بعد كل فضيلة، وكم من مؤمن جَرَفه حب الدنيا ليقع في شَرَكِها ويفضِّلها على ما يُصلِحُ آخرته، فانطبع بطابع الأنانية والبُعد عن الله، فصار قاب قوسين أو أدنى من جهنّم، أعاذنا الله وإياكم منها بولاية محمد وآل محمد.

4- رقّة القلب:

وهي من الصفات الهامّة للخطيب الحسيني، ورقّة القلب نتيجة وليست سبباً، هي نتيجة ما سبقت الإشارة إليه؛ من التقوى والزهد والعبادة الخالصة، وحبّ الحق، ذاك الحب الذي يجعل القلب موطناً للحبيب، متأثراً بمآثره، وهو إليه قريب، فأنت حينما تخوض في حديث آل محمد (عليهم السلام)، وتروي أخبارهم وتحيي ذكر مظالمهم وتسلِّط الضوء على تعاليمهم، وحينما تنقل واقعة الطف بنبراتٍ خاشعةٍ وعيونٍ دامعة، ستكون مؤثراً حقاً في مستمعيك، لأنَّ  نبراتك تعبّر عن خَلَجات روحك، ودموعك تقطر من وهج فؤادك، فمن لا يتأثَّر لا يؤثِّر، والعكس صحيح، ولا يكون الخطيب متأثِّراً حقاً ما لم يربِّ نفسه على ما أراده آل محمد (عليهم السلام) لأتباعهم، وما لم يتَّبِع تعاليمهم ويتفَقَّه في علومهم، فمتى وصل إلى هذه الدرجة من تربية النفس، فهو سيكون مسدداً نحو النجاح في خدمة الحسين (عليه السلام)، عبر الكلمة الصادقة الواعية، المتأثِّرة والمؤثِّرة، المتفاعلة والفاعلة.

5- العلم:

على الخطيب أن يكون عالماً، فمن تحدّث في أمر ليس ضليعاً فيه، كان عرضةً للوقوع في الهفوات والأخطاء، فما بالك بالحديث عن آل المصطفى (عليهم السلام)، الذين لا يرضون لشيعتهم أن يقولوا ما ليس فيهم، كما لا يرضون أن يُغمَطوا حقهم، فكِلا الأمرين وبالٌ على الخطيب والسامع، لأنّ المبالغة والغلو يخلطان الحق بالباطل، ويهزّان مصداقية الخبر، فيجعلانه عرضةً للجدل، ويحملان المستمع على الوقوف حائراً بين قبول ورفض، فيقع في ما لا تُحمَد عقباه، وأما الحطّ من قدر المعصوم بكلمة أو عبارة غير مسؤولة، والخطيب يظن أنّه يحسن صنعاً بتقريب المفهوم للسامعين، فذاك أيضاً مرفوض، لأنّ معنى أن نخاطب الناس على قدر عقولهم، ليس أن نبسّط عظمة العظماء، بل أن نرفعهم إليها، وأن نفسّر لهم تلك العظمة، بلا إفراط ولا تفريط.

6- الدقة والتثبّت من الخبر:

فالخطيب الحسيني باحث أيضاً، وعليه أن يكون دقيقاً في بحثه، فلا يروي من الأخبار إلا المعتبَر لدى العلماء، وإن أعجبه ووجد فيه ما يرفع مستوى التأثر لدى السامعين، وذلك على هدي رسول الله(صلى الله عليه وآله) حيث قال:” دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”[3]، وهي القاعدة الإيمانية السلوكية التي تُبعِد المؤمن عن كل ما يمكن أن يكون خطراً عليه في آخرته قبل دنياه، وبما أنّ سيرة الحسين (عليه السلام) وسائر المعصومين (عليهم السلام) حافلة بالعِبَر المؤثرة العظيمة المعبّرة، فما حاجتنا إلى نقولاتٍ ضررها أكبر من نفعها؟!

7- التربية والإرشاد:

فالواعظ المرشد ينبغي أن يتوخّى الإصلاح فيما يتناوله من مواعظ، وأن يركّز في مواعظه على الابتلاءات الأكثر وقوعاً والتي يتعرّض لها المجتمع بشكلٍ ملفت، والتي تشكّل عوائق في طريق المكلّفين، كتربية الأطفال، وتوعية الناشئين، والحذر من مهاوي الفساد القريبة المتناول، كوسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من مواضيع لا بد من مناقشتها ومعالجتها على ضوء الفهم الديني لها، وبذلك يتحول الخطيب الحسيني إلى مرشدٍ اجتماعي حسيني، ذلك أنّه يربط في خطبته بين ثلاثة أسس رئيسةٍ: موضوع الموعظة، والحديث الشريف الموافق لها، والأحداث المأثورة عن آل البيت التي تتناولها وتخدم اتجاهها، فبهذا يكون موضوع الموعظة مترابطاً، بين الحدث التاريخي المتناوَل، والحديث الشريف والآية الكريمة، والفائدة النهائية التي تمس واقعنا المُعاش، فيأتي الخطاب متكاملاً بكل جوانبه، يؤتي ثماره على الوجه الأمثل.

8-عذوبة الحديث:

فالخطيب الناجح عليه أن يكون عذب المنطق منشرح الأسارير، ذا حجة وبرهان، لأنّ الواعظ المتحدّث في سيرة آل محمد (عليهم السلام) هو عنوانٌ من عناوين تلك السيرة كما يراه المجتمع، ولا يليق به أن يستخدم العبارات القاسية التي يمجّها الذوق، حتى ولو كان يتحدَّث عن أعداء الدين، وهذا لا يعني أن ذاك المجرم لا يستحق أضعاف ما ننعته به، ولكن الحديث المنبري له آداب وقواعد.

9- التجديد:

أن يعتمد الخطيب الحسيني التجديد والتنويع في طرح المواضيع، ليس معناه  أن يخترع القصص أو أن يأخذ بكلّ شاردة وواردة تصله، فالحديث عن أهل البيت (عليهم السلام) مسؤولية عظيمة لا ينبغي أن يتصدّى لها إلا العارف بشروطها، ولكن التجديد والتنويع يتأتى بأسلوبين:

*الأسلوب الأول: أن يبحث في بطون الكتب المعتبرة عن تفاصيل أكثر عن حياة المعصومين وأصحابهم، ويحدِّث الناس بها لتكون مجالاً للاعتبار، فالحديث الجديد يلفت الأفكار والأنظار، ويفتح القلوب للمزيد من التأثُّر وفهم معاني التضحية والإيثار، التي أرسلها لنا عبر التاريخ أئمتنا الأخيار، على جناح الكلمة .

*الأسلوب الثاني: أن يروي الحديث نفسه بطريقة مختلفة في كل مرة، مستخدماً الأساليب الإنشائية المعبِّرة، فاستشهاد العباس مثلاً له تفاصيل محدَّدة، ولكن الخطيب قادرٌ على أن يرويه مرّة بلسان حال أخته زينب، وأخرى بلسان حال سكينة أو رقية، وثالثة بلسان حال الحسين(عليه السلام)، وربما استطاع بطريقة عبقريةٍ أن يرويه بلسان حاله هو نفسه، أو بلسان حال أمّه أم البنين، التي لم تشهد الواقعة ولكنها رأتها بعين القلب، والخطيب قادرٌ في كل حالةٍ من هذه الحالات أن يجعل السامعين يرون تفاصيل الاستشهاد المفجعة بعينٍ جديدة.

10- الاحتياط:

إنَّ من أهم واجبات الخطيب أن يراعي الاحتياط في نقل الحديث عن لسان المعصوم، فالحديث الشريف ينبغي أن يتم نقله بحرفيته.

أمّا ما يتم زيادته على مجريات الأحداث من تفاصيل يتوخّى الخطيب من ورائها خلق الأجواء المنفعلة المناسبة، فينبغي التنبيه على كونها “بلسان الحال”، ولو باستخدام عباراتٍ موحية بذلك، كقوله:”وكأنّي بزينب (عليها السلام).. ولعلَّ الحسين (عليه السلام)..” وغيرها من عبارات توحي بأن ما يقال هو من التصورات الممكنة بحسب واقع الحال.

إنَّ هذه النقطة بالذات، هي هاوية قد يقع فيها بعض الخطباء، وخصوصاً النساء منهن، في إطار سعيهن للتأثير في المستمعات، وعدم تنبههن إلى خطورة الأمر، إذ تبدأ المستمعات بتداول هذا الخبر كما سمعنه، لاحترامهن لمكانة الخطيبة وثقتهنَّ بمعلوماتها.

11- البلاغة ومتانة اللغة:

إنَّ على الخطيب أن يكون بليغاً متمكناً من قواعد اللغة ونحوها، وهذه نقطة شديدة الأهمية، خصوصاً في ما يتعلّق بالخطيبات من النساء، اللواتي لا يكنّ دائماً على قدر كافٍ من الثقافة اللغوية، فيقعن في اللحن وتضعف بذلك ثقة السامعة بلغة الخطيبة وتهتز ثقتها بالخطبة ككل، كما أنَّ جمال الخطبة العربية عموماً يكمن في بلاغتها وقوة لغتها، فكيف إن كانت الخطبة عميقة التأثير أصلاً في النفس الإنسانية بملامستها للواقع التاريخي الممتد إلينا عبر العصور خالداً خلود الحق ؟!

إنَّ خطبة بهذا المستوى إنسانياً ومعرفياً وأخلاقياً، جديرٌ بها أن تؤدى ببيان يجتذب الألباب، ولغة تبهر الأسماع، فيكون المعنى والمبنى متوافقان متكاملان ليصوغا عظمة الفكرة وخلودها بالشكل المتقن، الذي يرضي الله ورسوله، ويزيد من عمق التأثر والانفعال، على المستوى القلبي والفكري على حدٍّ سواء.

  خاتمة:

إنَّ الخطاب الحسيني هو مسؤولية عظمى، يتحلى بها ويقوم بأعبائها من كان جديراً بها موفقاً إليها، فينال بذلك رعاية صاحب الزمان(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ويكون أحد أنصاره الداعين إلى نهج آبائه والمُحيين لشريعة جده(صلى الله عليه وآله)، عبر الكلمة الفاعلة المؤثرة، فقد كان الحسين (عليه السلام) عبر التاريخ ولا يزال، مصدراً للإلهام وتربية الشعوب والأفراد، ولعل الخطيب الحسيني هو الأكثر تفاعلاً مع المجتمع المتلقّي للثقافة الحسينية بشكلٍ مباشر، لأنه ينقل الحدث العاشورائي وتداعياته دون واسطة، ولذا فإنّه من خلال إدراكه لهذه المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقه، يكون الأقدر على التأثير في المجتمع المحيط، فعليه أن يتوسّل كل الوسائل الممكنة لتأدية مهمّته على أكمل وجه، فيكون هو الفاعل المباشر لكل ذلك الفعل المستلهَم من سِيَر آل محمد (عليهم السلام)، فهو الذي ينقل الشعر عن الشعراء والنثر عن الأدباء والتاريخ عن المؤرخين،والسيرة الشريفة عن أهل السِّيَر، فيكون صلة الوصل بين كلّ هذه المجالات الإعلامية وبين الناس، ويضفي عليها من شخصيته وموهبته في الإلقاء والأداء، ما يخرجها للجمهور بشكلٍ قابلٍ للتلقي المباشر، فتكون أوسع تأثيرا، فيكون قد قدم خلاصة الفكر الحسيني في إحياء ذكر أهل بيت النبي (عليهم السلام)، ويكون قد اختصر بشخصيته ورسالته مهمات كل أولئك المفكرين الذين وضعوا جزءاً من أنفسهم في فكرهم المكتوب، ليحوّله إلى فكرٍ مقروء ومؤدّى بطريقة الإلقاء المؤثر،.. وهو مع إدراكه لهذه المسؤولية العظمى وتوخيه الدقة في حملها وأدائه،ا يكون قد أدّى عمله على أكمل وجه، ويكون أحد المصلحين لمجتمع الانتظار المهدوي .[i]


[1] مسند أحمد بن حنبل؛ج4؛ ص172.

[2] الحلي؛ ابن نما؛ مثير الأحزان؛ ص71.

[3] الكراجكي؛ كنز الفوائد؛ ص164.

[i] ألقيَت في مجمع سيد الشهداء (عليه السلام) في كربلاء المقدَّسة، في طالبات المعهد القرآني التابع للعتبة الحسينية المقدسة.

 

إغلاق