أخلاق

إقامة العزاء : بين رعاية المودّة وتحرّي الوقاية

249-250

الشيخ يحيى رسلان العاملي

جعل الله سبحانه وتعالى أسباباً للعذاب وأسباباً للرحمة، فالمعاصي والذنوب من أسباب العذاب .

وأشدّ أسباب العذاب أذيّة الله تعالى بأذية أوليائه .ذلك أنّه بذلك تتحول رحمة الله الواسعة إلى سبب للعذاب.
يقول الله في محكم كتابه: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا” (الأحزاب: ٥٧).

فالله تعالى لم يسمح أن يُرفَعَ الصوت على حبيبه محمد (صلى الله عليه وآله)، حتى وصل  أثر هذا الفعل إلى حد إحباط الأعمال.

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ” (الحجرات: ٢).

الذي هو أثر الشرك بالله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ” (الزمر: ٦٥).

فالله تعالى أراد من الأمة أن تقدِّس رسوله الأكرم (صلى الله عليه  وآله) فجعل غض الصوت عنده علامة ٱمتحان القلب للتقوى.

فهو سرُّ الله في أرضه، فمَن قدَّس هذا السر، فقد قدَّس الله تعالى، ولهذا قال الله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ “(الحجرات:۳).

كما جعل من وجوده القدسي سبباً لرحمتهم. يقول الله تعالى: “وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ “(الأنفال:۳۳).

هذا حال الأمة حال وجوده المكاني والزماني بينهم.

فكيف إذا كان محمدٌ وآله (صلى الله عليه وآله) في قلب الامة فأي رحمة تحيط ؟! ولهذا جعل الله تعالى مودتهم  أجر الرسالة .

” قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْـمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى” (الشورى:۲۳). فكان أجر الرسالة هو العامل الأعظم لشمول الرحمة للأمة، فكان مزيد نعمة للأمة، ولذا قال تعالى: ” قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ “( سبأ: ٤٧). فهو عامل الهداية والنجاة والوصول إلى الله. قال تعالى:قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا” (الفرقان : ٥٧).

فالله تعالى أرادهم أن يكونوا في قلوب الأمة ،والقلب سلطان البدن والحاكم عليه، فالله أرادهم أن يكونوا سلاطين الأمة بأرفع أنواع السلطنة، لأنّ الانسان إذا استحكم في قلبه الحب تسلط الحبيب عليه وصار همّه رضاه.
فالله أراد لحبهم أن يتحكّم بالقلوب فلا تستطيع نسيانهم ولا الغفلة عنهم، ولا خذلانهم، بل  تذوب في مواساتهم.
فهم سبب رحمة الله تعالى وغفرانه وتوبته على عباده.

ولكنّ الأمة عملت على نقيض ذلك، فرفعت أصواتها على صوتهم، وفكت ربقة طاعتهم، وهجرت أسباب مودّتهم، إلا القليل ممن وفى لرعاية الحق فيهم.

واليوم في ظل جائحة الوباء، وما استتبعه من خوف وضيق تقرع نواقيس الخطر حتى في المجتمع المتشرّف بمحبتهم وولايتهم.

فخوف الوباء فرض أسباب الوقاية والتباعد بين الناس، ولكن ضغط ضروريات الحياة جعل الناس تطالب بفتح الأسواق وتحريك النشاط الاقتصادي لتحصيل المعاش، فاستجاب القيمون وأذنوا بذلك مع مراعاة الضوابط، والتوسع فيها أحياناً.

وفتحت الجامعات أبوابها للطلاب من أجل استكمال امتحاناتهم ومتابعة تعليمهم.

ثم تعدّى ذلك إلى الكماليات، من ترفيه وأفراح وأتراح، كل ذلك بطلب من الناس واستجابة من القيمين. بل إنَّ الناس بادرت إلى المخالفة قبل أن يستجيب القيمّون، وذلك حرصاً على هذه الشؤون، ضروريّها  وكماليّها.

حتى إذا ما دنا موسم عزاء سيد الشهداء، رحمة الله الواسعة، وباب نجاة الأمة تعالت أصوات تلوّح بحظر العزاء، بدل إقامته بضوابط أسوةً بسائر الشؤون الخطيرة واليسيرة. وكأنه أمر نافل لا يحتاجه أحد ولا يفتقده أحد.
فإن لقي ذلك تجاوباً من العامة واستجابة من القيمين، فهي علامة الاستخفاف والتنكر للمودة، والإعراض عن أحزان السماء والأرض، والنسيان لإمام الزمان وغربته وحزنه على جده الشهيد، وبكائه له بدل الدموع دماً.
وفي هذا اقتضاء رفع  رحمة السماء عن أهل الارض وحلول الخذلان الإلهي في ربوعها.

ولا شك في صميم اعتقادنا أن النجاة وارتفاع البلاء بالعوامل الغيبية أو الطبيعية متوقّف على الرحمة واللطف الإلهي، المتمظهر بالموصوف في الكتاب المجيد:” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ” (الأنبياء: ١٠٧). وبآله الكرام لا سيما الموصوف في الحديث الشريف:” إنَّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة”[1].

وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله):“وَبِنَا يُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ وَيُدْفَعُ الْبلَاءُ وَبِنَا يَنْزِلُ الْغَيْثُ مِنَ السَّمَاءِ وَدُونَ عِلْمِنَا تَكِلُّ أَلْسُنُ الْعُلَمَاءِ وَنَحْنُ بَابُ حِطَّةٍ وَسَفِينَةُ نُوحٍ وَنَحْنُ جَنْبُ اللَّهِ الَّذِي يُنَادِي مَنْ فَرَّطَ فِينَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ وَنَحْنُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ الَّذِي مَنِ اعْتَصَمَ بِهِ هُدِيَ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ”[2].

فأيّ سلوك لسبل النجاة مع الإعراض عن أسبابها؟!

إنّنا كما نحتاج النشاط الاقتصادي والترفيهي لراحة أجسادنا فإنّنا نحتاج هذه الشعائر لحياة أرواحنا. فهل صارت راحة الأجساد أهم من حياة الأرواح؟!

قنّنوا العزاء وأقيموه بما لا يتنافى مع سبل الوقاية الواجبة أسوةً بغيره من الأمور.

اللهم اغفر لنا تقصيرنا في خدمة أحبائك ولا تجعلنا من ينساهم أو يغفل عنهم أو يخذلهم.


المصادر:

[1] البحراني؛ السيد هاشم، مدينة المعاجز؛ ج٤؛ ص٥٢.

[2] تفسير فرات الكوفي، ص: 258.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق