أسرة ومجتمع / صحة

“سرطان المبيض : الزائر البغيض”

249-250( صحة )

بقلم: الدكتور حسن يوسف حطيط[1]

 

تتعرَّض المرأة في مختلف مراحل حياتها العمرية إلى أمراض متنوّعة ومتعدِّدة، تتميَّز بخصائص محدَّدة ومتغيِّرة حسب العمر والبيئة والعامل الوراثي والأنماط الحياتيّة والعوامل المحفِّزة والمساعِِدة.

ويُعتبر سرطان المبيض من أبغض الزوّار المفاجئين للمرأة في منتصف عمرها ومن أصعبهم معاملةً وأخبثهم حيلةً وأكثرهم تعقيداً على مستوى الكشف المبكر والتشخيص والعلاج.

يشكِّل سرطان المبيض جزءاً هاماً من مجموعة الأورام النسائية التناسلية والتي تشمل سرطان عنق الرحم وأورام بطانته وعضلته وأورام قناة فالوب، وتصل نسبة سرطانات المبيض في هذه المجموعة إلى ما يفوق ال 20%، ومن الممكن حدوث الورم الخبيث في سنٍّ مبكرةٍ حيث ينشأ ويظهر بشكلٍ مفاجىء في عمرٍ صغيرٍ نسبياً. وترتفع نسبة سرطان المبيض إلى أكثر من 50% من حالات الأورام النسائية التناسلية التي تُكتَشَف بعد سن ال45 سنة.

يُجمِع الأطباء المختصّون في تشخيص وعلاج الأورام النسائية على أنَّ سرطان المبيض الذي يصيب أحد المبيضين أو الاثنين معاً، لديه القدرة على النمو السريع وله عدَّة أنواع متعدِّدة وموزَّعة على مجموعات كبيرة تنقسم إلى أنواع نسيجية وخلوية وكيميائية متقاربة ومتباعدة ، مكوَّنة بدورها من “عائلات” لها أسماء مختلفة ومؤشرات تشخيصية محدَّدة وطرق علاج متنوعة.

يتميّز سرطان المبيض بطريقة ظهور أعراضه المفاجئة وبعدم ظهور أعراض تكشف عن وجوده إلا في حالة حدوث مضاعفات خطيرة مثل حدوث نزيف أو أوجاع حادة أو انتفاخ أو تضخُّم في منطقة البطن. ولهذا السبب بالذات لا يمكن اكتشاف هذا السرطان الخبيث إلا بعد نمو الكيس أو الورم المبيضي وبلوغه حجماً كبيراً يصعب التعامل معه بسهولة وبنتائج مضمونة.

أمّا أعراضه الأخرى المعروفة فهي تشترك مع أمراض أخرى معوية أو كلوية أو تناسلية لا تساعد في الوصول إلى التشخيص الصحيح، بل تؤدي في كثير من الحالات إلى تشتيت انتباه الطبيب المشخِّص عن المشكلة الأساسية وتركيزه على احتمالات أخرى، وهذا ما يحصل أحياناً عند ظهور أعراض كالإمساك والشعور بالامتلاء سريعاً عند تناول الطعام والاضطرابات المعوية والغثيان والتقيؤ وفقدان الشهية وفقدان الوزن والتعب المستمر الذي لا مبرر له والألم خلال الجُماع والنزيف خارج الدورة الشهرية والحاجة الدائمة للتبول.

وتكثر الحالات المصادفة أو المفاجئة التي يتم اكتشاف الورم فيها بشكل عَرَضي و من دون حسبان عند زيارة المرأة للطبيب المختصّ بسبب شكوى بسيطة أو مفاجئة أو لفحص روتيني عادي.

وتمرّ المرأة بعدها بمخاض طويل من الفحوصات الإكلينيكية والإشعاعية، والتي غالباً ما يتبعها إجراء جراحي لاستئصال الكيس أو الورم ومن ثم إرسال العيِّنة الجراحية إلى قسم أمراض الأنسجة لفحصها وتشريحها ودراستها مجهرياً ونسيجيا ًوكيميائياً عبر إجراء سلسلة من الفحوصات المتقدمة تشمل أنواعاً محدَّدة ومتخصِّصة من المؤشرات البيولوجية والهرمونية والكيميائية، كلُّ ذلك بهدف تحديد هوية الورم البيولوجية ودرجته السرطانية ومرحلته النسيجية و”عائلته” الخلوية.

تتمركز الأبحاث الطبية حالياً حول معرفة الأسباب الحقيقية لظهور سرطان المبيض، إذ إنّه غالباً ما تكون أسبابه غير معروفة، وإن كانت هنالك من احتمالات، فإنّها غير مؤكدة،  وقد حاول العلماء طرح فرضيات حول نشأة سرطان المبيض -على الأقل عند بعض النساء- بسبب طفرة جينية موروثة. لكن هذه الفرضيات لم تتبلور بعد بشكل كامل رغم كلّ الجهود المبذولة، إذ ما زال على العلماء اكتشاف سبب وجود هذه الطفرة عند البعض وعدم وجودها عند البعض الآخر، ومازال عليهم التأكد من النسبة الحقيقية لحالات سرطان المبيض ذات الاستعداد الوراثي، والنسبة الحقيقية للإصابة بسرطان المبيض في حال وجود تاريخ عائلي للإصابة بهذا النوع من السرطان، وخاصة الأم أو البنت أو الأخت.

لاحظ الباحثون وبشكل متواصل على مرّ السنين وإلى يومنا هذا، أنّ حالات الإصابة بسرطان المبيض تتكرَّر عند بعض الفئات العمرية المحدَّدة، أو في حالات عائلية معينة أو طارئة أو مرضيّة مكرَّرة، كتجاوز سن ال 55 سنة ،أو وجود إصابة سابقة بسرطان الثدي أو الرحم أو القولون أو المستقيم، أو عدم حدوث أي حمل ،أو العلاج ببدائل هرمون الإستروجين ،لا سيما مع الاستخدام طويل المدى وبجرعات كبيرة أو بدء الحيض في سن مبكرة أو بدء انقطاع الطمث في سن متأخرة أو في حالة متلازمة المبيض متعدد الكيسات. ومن العوامل الإضافية الأخرى التي ما زال من غير الواضح تماماً ما إذا كانت تزيد من احتمال وخطر الإصابة بسرطان المبيض أم لا، ومن المطلوب إجراء المزيد من البحث حولها ومنها: التعرض للأسبست (Asbestos)، الإصابة بالانتباذ البطاني الرحمي، التدخين، التغذية الغنية باللاكتوز (سكر الحليب) الموجود في أغذية مثل الحليب والبوظة.

لم تستطع الأبحاث العلمية إلى الآن سبر أغوار هذا النوع من السرطان لمعرفة حيثيّاته وكيفية نشأته وأسبابه الحقيقية وطريقة توارثه وارتباطه ببعض الأحوال الفيزيولوجية والمَرَضيّة، وقد حالَ ذلك دون وجود علاجات فعّالة وشافية مئة بالمئة حالياً ، أدى إلى صعوبة الوقاية منه أو رصده قبل نشأته وخلال نموه ومتابعته للخلاص منه بشكل نهائي، حتى أصبح من المعروف حالياً أنه من أصعب الأورام رصداً وتشخيصاً وعلاجاً، وأشدَّها إيلاماً ورعباً للنساء المصابات.


[1] استشاري ورئيس شعبة أمراض الأنسجة في هيئة الصحة،  حكومة دبي.

إغلاق