آفاق معرفية

عينُ الطير تسبقُ الخطى وتكشفُ الطريق

249-250

بقلم : حسن العاملي

من غرائبِ الأحياء أنَّ الطيور هي وحدها التي قاومت ناموسَ الجاذبيةِ وتكيَّفت للعيش في مختلف البيئات. الطيورُ دمُها حارٌّ، تعشق الحرية وتعيش في ثلاثةِ أبعادٍ، وهي من أكثرِ الكائناتِ نشاطاَ وحيوية. هي الوحيدة التي ملكت إحساساً بالقوى المغناطيسية التي ترشُدها أثناء طيرانها. للطيورِ كذلك قوةُ سمعٍ وإبصارٍ تفوقُ أضعافَ ما يمتلكه الإنسان.

للطيورِ ميزةٌ أخرى، لها عينان على جنبيها مما يجعلها ترى أفقَ الارضِ من كِلا الجانبين، عند طيرانها فوق السهولِ والجبالِ والبحار، لذلك لا يخفاها شيءٌ من مظاهرِ الطبيعةِ. إحساسها مرهفٌ، وردودُ أفعالها سريعةٌ، وبذلك فهي لا تنخدع. تلك العيونُ تكشفُ لها مسارها وتحذِّرها من أعدائها وتهديها إلى كلِّ مأوىً آمنٍ.

        أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ  إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” (النحل: 79)

عينُ الطيرِ حارسٌ ومرشدٌ

هل يمكن للإنسان المقيَّد بحبالِ الجاذبيةِ وحدودِ البيئة، أن يمتلك “عينَ الطير” ليرى مِن حوله كلّ ما هو خفيٌّ ومستور؟ وهل يمكنه أن يراقبَ نفسَه من الأعلى، وهو يمشي بين الناس؟ وهل يمكنه أن يحمل “مظلَّةً” فوقَ رأسهِ ليرى مِن خلفهِ وعن يمينهِ وعن شمالهِ، وهي تحميه وتحذِّره وترشده وتدلّه على الطريق، من بعيد؟

وهل يمكن للإنسان أن يتخلَّص من المزعجاتِ والمضايقاتِ والمبكياتِ والمؤلماتِ؟

وهل يمكنه أن يكون مسروراً سعيداً، في كلِّ الأوقات؟

وهل يمكنه أن يحصِّن ضميرَه فينام مرتاح البال؟

يعيشُ الإنسان في بُعدين اثنين على سطح الأرض، فهل يُمكنه أن يخرجَ إلى البعدِ الثالث، مثلما فعلت الطيور؟

  • ماذا لو ” استحمَّ ” ذلك الإنسان وخلع ثوبَ الطمعِ والجشع؟
  • ثمً ” استحمَّ ” ثانيةً وخلع ثوبَ الحسدِ والغيرة؟
  • ثمً ” استحمَّ ” وخلع ثوبَ الغضبِ والانفعال؟
  • ثمً ” استحمَّ ” وخلع ثوبَ الحزنِ والكآبة؟

–  ثمً  ” استحمَّ ” وخلع أثوابَ الشكِّ والخوف؟

وللمرَّة ألأخيرة، ” يستحمُّ ” ويخلعُ أثوابَ الشرورِ جميعها.

مع كلّ ذلك يبقى الإنسانُ مقيّداً في بُعدين اثنين. ولكي يخرجَ إلى البُعدِ الثالث، كما تعيشُ الطيور، عليه أن  يتركَ جسمه في ” الحمّام ” وينساه، ثمً يخرج، بعد ذلك، من عنقِ الزجاجةِ، كقوسِ قزحٍ، يرتفعُ نورهُ إلى الأعلى.

عينُ الطيرِ عينٌ سحريةٌ

حينما تلوحُ عينُ الطيرِ في أفق السماءِ كنجمةِ الصبحِ، يتبعها شروقُ الشمسِ التي تُنيرُ الطريقَ وتصفّي الذهن وتصحِّح الأخطاء وتحسِّن المزاج وتوفِّر الفرح الدائم والحرية لمن يتعلَّق بها.

عينُ الطيرِ سفينة إنقاذٍ، تمتصُّ الحزنَ والكآبةَ والقلقَ والخوف والتوتر والهموم، كأنّها إسفنجةٌ. عينُ الطيرِ تنبِّه حاملها على الدوام وتحرسه وتراقب كلَّ كلمةٍ ينطقُ بها، أو أيّة فكرةٍ تطرأُ على باله، كما يقول المَثَل:

” اعمل كأنّ الله يراك، ولو كانَ أحدٌ من الناسِ لا يراك “.

لدى الإنسان قوى روحيةٍ أودعها الله فيه، يستعين بها متى ما أصغى اليها.

“وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ” (الذاريات: 20 – 21)

متى ما تآلف الإنسان مع ” عينِ الطير ” ولو لمرّة واحدة، تبقى ترافقه طوال حياتهِ، وتضاعِف عمرَه. ترافقه من الأعالي، كنسخةٍ ثانية عن صورته، فيصبح إنساناً ذو عمرين متوازيين.

درعُ الفولاذِ

من يملك ” عينَ الطير ” يستقبل سيلاً من الحيوية، يحارب بها المرضَ بالوقاية، والطمعَ بالقناعةِ، والحسدَ بالغبطةِ. يحاسب نفسَه في كلّ دقيقة، ويحاربُ الكسلَ والمللَ بالطاقةِ الروحية ويستخدمُ أوقاتَه لما هو منتجٌ ومفيد.

” عينُ الطير “، تُلبسه درعاً من الفولاذ، يرُدّ به سهامَ من يجرح الكرامات. هذا الدرعُ يغلِّف شفافيته ويجنِّبه المزعجات، ويفتح باباً للمصالحة مع الذات، ويملأ سلّته بأزهار الربيع.

لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (ق : 22)

” عينُ الطير “، هي بصيرةٌ متجسِّدةٌ تمهِّد للإنسان أرضيّة للتأمُّل: مثل:

طاقيةُ الإخفاء

من الناسِ من تقطَّعت بهم السبلُ، فيجد نفسه بين قومٍ لا يفهم لغتهم ولا يفهمون لغته، يسمعُ أصواتهم ولا يسمعون صوتَه. هم في حديثٍ دائم، وهو في صمتٍ مطبِق. يمشي بينهم، فيراهم، وهم لا يرونه. يلاحظ حركاتهم، ولا يلاحظون وجوده. إنّه غريب بينهم، يلتفتُ إلى اليمين ثم إلى الشمال، وإلى الخلفِ ثمً إلى الأمام. إنّه في يقظةٍ دائمةٍ وفي فيضٍ روحي. يلبس طاقيّةَ عينَ الطيرِ ويمشي.

قوانينُ الوراثة

في ديرٍ منعزلٍ، عاش الراهب ” مندل “. كان دوماً يتأمَّل، من حوله أشكال الأزهار واختلاف ألوانها. وفي لفتةٍ طارئةٍ، وقف أمام وردةٍ حمراء اللونِ، وإلى جانبها أختها البيضاء. على أثر ذلك، أشرق في ذهنه إلهامٌ، فبدأ يزاوج بين بذورِ هاتينِ الوردتين، فأنتج أجيالاً جديدةً من تلك الورود بألوانٍ متعدِّدة: بين الأحمر والأبيض. بذلك التأمُّل وتلك التجارب، اكتشف قوانينَ انتقال الصفاتِ الوراثية، بين الأحياء، من جيلٍ إلى جيل.

الصفاتُ الوراثيةُ نوعان: إحداها (الصفةُ الغالبةُ – أي النقيّة) كالطول أو اللون الأحمر مثلاً. تقابلها الصفةُ (المتنحيةُ – النقيّة) كصفةِ القِصَر، أو اللون الأبيض، أو غيرها من الصفاتِ، مثل العين الزرقاء والعين السوداء، أو حامل داءِ السكري أو غير الحاملِ له، أو الدم المتخثِّر أو الدم النازف.

فإذا تزاوج طويلٌ(ة) مع قصير (ة)  ينتج جيلاً طويلاً بصفة ( طويل هجيني – أي يحمل الصفتين ). وإذا تزاوج هجينٌ مع هجين، ينتج نصف النسلِ طويلاً ( هجيني )، وربعهُ طويلٌ (غالب) والربع الآخر قصيرٌ (نقي). …إلخ

” فالتأمُّل في خلقِ الله عبادة “، كما في المأثور.

وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (ابراهيم : 34)

إغلاق