أخلاق

أخلاق في “سورة المؤمنون”

251-252

بقلم: السيد حسين نجيب محمد

الآيات القرآنية:

“قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ“(المؤمنون: 1- 10).

الآيات الأولى من سورة المؤمنون هي من الآيات الجامعة لأخلاق أهل القرآن، وهي أبرز مصداق للأخلاق القرآنية وأخلاق رسول الله(ص)، فقد سُئلت عائشة عن أخلاق رسول الله (ص) فقالت للسائل: إقرأ سورة المؤمنون، فقرأ، فلما بلغ الآيات العشر قالت: “هكذا كان خلق رسول الله (ص)[1].

ومن أقامها فقد نال الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، فقد رُوي عن رسول الله (ص) أنّه قال: “لقد أُنزل إليّ عشر آیات من أقامهن دخل الجنة”[2].

والجنة التي يدخلها المؤمنون هي “جنة الفردوس” التي ذكرها الله تعالی في قوله:“أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ” (المؤمنون: 10).

وفي الخبر:” لمّا خلق الله تعالی جنة عدن قال لها تكلمي فقالت: “قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ”(المؤمنون:1)[3]، فلنشرع في الآيات وتفسيرها:

الآية الأولى: قال تعالى: “قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ”(المؤمنون: 1)

اسم السورة: “المؤمنون”، وهي تشتمل على أبرز صفات أهل الإيمان، وهذه الآية إلى تمام ثماني آيات تذكر من أوصاف المؤمنين ما يلازم كون وصف الإيمان حياً فعالاً يترتّب عليه الآثار المطلوبة منه، ليترتّب عليه الغرض المطلوب منه وهو الفلاح[4]. والفلاح هو الوصول إلى الأهداف العظيمة والسعادة والكمال في الدنيا والآخرة، فالفلاح في الدنيا بالعبادة والطاعة والاستقامة، ويتحقّق ذلك بتزكية النفس، لقوله تعالى: “وقد أفلح من زكاها” (الشمس:4). والفلاح في الآخرة بالفوز بالفردوس الأعلى.

فائدة مهمة:

نجد في بعض الآيات أنّ الله تعالى قال: “لعلّكم تفلحون” (الأعراف: 69)

كقوله تعالى:“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (آل عمران :200) وقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”(المائدة: 35) وقوله تعالی: فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”(الأعراف: 69) وقوله تعالى:وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”(الجمعة:10). وكلمة “لعل” للترجي. بينما نجد في آية المؤمنون “فقد أفلح” (الأعلى: 14) أي أنَّ الفلاح متحقّق فعلاً بهذه الأعمال .

الآية الثانية: “الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ “(المؤمنون: 2)

الخشوع هو الخضوع والتذلّل والمسكنة، وهو حائة قلبية وقالبية، فهناك خشوع القلب وخشوع الجوارح، فعن الإمام علي(ع) أنّه قال: “من خشع قلبه خشعت جوارحه”[5].

والخشوع في الصلاة هو التوجه القلبي بحيث ينقطع المصلي إلى الله  تعالى، ثم ينعكس ذلك على خضوع الجوارح بطأطأة الرأس، والسكون وعدم الالتفات، ولذا لما رأى رسول الله (ص) رجلاً يعبث بلحيته حال الصلاة قال :”أما أنه لو خشع لخشعت جوارحه”[6].

والخشوع من شروط قبول الصلاة، بمعنى أنّ المصلي إذا لم يخشع صحَّت صلاته وأجزأت عنه، فتسقط العقوبة عليه، ولكن لا تُقبل منه بالثواب ورفح الدرجات .

قال الشيخ محمد الصادقي:” ولأنّ الخشوع في الصلاة معدود في عداد  مواصفات القلب يتطلب  خشوع القلب في معراجه، فهو واجب من واجبات الصلاة قدر الإمكان، والمتهاون عنه متهاون بالصلاة، فمهما صحَّت صلاته  قالبياً لم تصح قلبياً، وأركن أركان الصلاة هي صلاة القلب”[7].

الآية الثالثة: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ” (المؤمنون:3)

هذه هي الصفة الثانية لأهل الإيمان وهي الإعراض عن اللغو، واللغو هو كلّ عمل لا هدف له ولا فائدة منه، وهو يشمل الأقوال والأفعال، يقول السيد محمد حسين الطباطبائي(رحمه الله):”اللغو من الأفعال ما لا ينتفع بها في الآخرة أو الدنيا، وبنظر أدق هو ما عدا الواجبات والمستحبات”[8].

ومن مصاديق اللغو:

  • كلّ عمل حرام، ومن مصاديقه الغناء والملاهي، فمي رواية:” أنّه الغناء والملاهي”[9].
  • كلّ عمل مكروه كتضييع الوقت وكثرة الكلام بِلا فائدة، وسهر الليالي بحضور الأفلام التي لا فائدة منها، واللعب بكرة القدم أو اللعب بالألعاب الإلكترونية بلا فائدة. .
  • كلّ عمل لا يذكر الله تعالى به، فعن الإمام علي (ع): “كل قول ليس فيه لله ذكر فهو لغو”[10].
  • اليمين غير الشرعي، وهو ما يتردّد على الألسنة عن عادة بلا قصد  قلبي، قال تعالى: لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ” (البقرة: 225)

والمؤمن يعيش في وجدانه العبودية لله تعالى في كلّ أحواله، وبالتالي لا  يمكن أن يشتغل بشيء لا فائدة فيه، فهو مشغول وقته بالعبادة بكلّ ما تعنيه  الكلمة من صلاة، وعمل، وخدمة العيال، وأمور اجتماعية، وعليه فإنّه يعرض عن كلّ ما فيه لغو، سواءً كان منه أو من غيره، فلو أنَّ أحداً فيه باطلاً يعرض عنه، ففي تفسير عن الإمام الصادق(ع) أنّه قال: “هو أن يتقول الرجل عليك بالباطل أو يأتيك بما ليس فيك فتعرض عنه لله تعالى”[11]. وإلى هذا الأمر يشير قوله تعالى:“وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ”(القصص: 55).

ويقول تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا” (الفرقان: 72)

يقول تعالى: “وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ”(الأنعام. 68).

ويقول تعالی: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ” (الأعراف: 199)

وهنا ملاحظة مهمة أنَّ الآية ذكرت “الإعراض” دون مطلق الترك، مما يعني أنَّ المؤمن قد يقع في اللغو ولكنه ينتبه لذلك فيعرض عنه، ترفّعاً لنفسه عن ذلك، وحفظاً لكرامته، كما قال تعالى: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا”(الفرقان: 72)

وعن رسول الله (ص): “أعظم الناس قدراً من ترك ما لا يعنيه”.[12]

وقيل: “الإعراض هو أن لا يفعله ولا يرضی به ولا يخالط من يأتيه”[13].

إذن صفة أهل الإيمان الإعراض عن اللغو والباطل، وأمّا صفة غيرهم من الكافرين فهي الإعراض عن الحق، قال تعالى:وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ “(الکهف:57).

وقال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ“(طه:124).

وللأسف، فإنَّ بعض الناس يعرض عن ربه من بعد ما يتبيّن له الحق، قال تعالی: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ“(السجدة:22) وقال تعالى: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ“(فصلّت: 51).

الآية الرابعة: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ” (المؤمنون: 4)

الصفة الثالثة للمؤمنين هي “فعل الزكاة”، والزكاة على نحوين: زكاة النفوس وهو المُراد بقوله تعالی: “قد أفلح من زگاها”(الشمس:9) وقوله تعالی: “وقد أفلح من ترگی”(الأعلی: 14).

وزكاة الأموال: وهو إيتاء مقدار من المال قربة إلى الله تعالى، وقد ورد في بعض الآيات التعبير ب“يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ”(فصلت:7).

وبهذين المعنين يصحّ أن نفسر الآية وإن كان المشهور هو المعنی الثاني.

يقول السيد محمد حسين الطباطبائي(رحمه الله):”وفي التعبير بقوله: “لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ” دون أن يقول: “للزكاة مؤدّون “دلالة على عنايتهم بها، كقول القائل: إنّي شارب، لمن أمره بشرب الماء، فإذا أراد أن يفید عنایته به
قال : إنّي فاعل”[14].

الآية الخامسة: “وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ” (المؤمنون:5-7)

الصفة الرابعة للمؤمنين هي المحافظة على عدم الوقوع في المحرمات الجنسية، وعبارة المحافظة للدلالة على أهمية المراقبة لهذه الأمور کيلا يقع المؤمن في الحرام نظراً لخطورة الشهوات الجنسية .

فالآيات تقول: إنَّ المؤمن يحافظ على عورته من فعل الحرام كالزنا، ويُستثنى من ذلك ما يجري بين الزوجين في الدائم والمنقطع أو ملك اليمين، فلا ملامة في العلاقة الجنسية، والتعبير بأنّهم غير ملومين إشارة إلى أنّه لا لوم في العلاقة الجنسية كما قد يتوهم البعض ممن يدعو للرهابنية.

ثم ذكرت الآية إنَّ من طلب العلاقة وراء هاتين الطائفتين فهو متجاوز لحدود الله تعالی.

الآية السادسة: قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ(المؤمنون:8)

هذه الصفة الخامسة للمؤمنین، وهي رعاية الأمانة والعهد، والرعاية هي الحفظ، والراعي هو القائم على الشيء لحفظه وإصلاحه لذا يُقال للمحافظ على الحيوانات بالراعي، وعلى هذا المعنى فالمؤمن يحافظ على أماناته وعهوده.

والأمانة ما ائتمن عليه المؤمن من مال أو غيره، والمحافظة على الأمانة من أهمّ صفات المؤمن، فإنَّ المؤمن من ائتمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، وقد كان رسول الله(ص) يُسمّى “الأمين”.

والعهد ما يلتزم به المؤمن تجاه ربه كاليمين والنذر والعهد، ويشمل كلّ ما التزمه المؤمن تجاه الله تعالى كالصلاة وغيرها، ومنه قوله تعالى: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا”(الأحزاب:15).

الآية السابعة:وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ “(المؤمنون :9).

هذه الصفة السادسة للمؤمنين وهي تتعلّق بالصلاة، فقد بدأ الآيات بصفة الخشوع في الصلاة وانتهت بذِكر المحافظة عليها، والفرق بينهما أنَّ الخشوع صفة للمصلي حال الصلاة، والمحافظة التعهد لشروطها من الوقت وعدد الركعات والطهارة.

ومثل هذه الآية قوله تعالی: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ” (البقرة: 238).

الآية الثامنة: قوله تعالى: “أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (المؤمنون:10-11).

بعدما بيَّنت الآيات صفات المؤمنين ذكرت ما لهم من جزاء في آخرتهم وهو “الفردوس”، والفردوس هو الجنة العالية، ففي الخبر عن رسول الله (ص) :”الفردوس مقصورة الرحمن فيها الأنهار والأثمار”[15].

وروي: “سلوا الله تعالى الفردوس فإنّها أعلى الجنان، وإنَّ أهل الفردوس أطيط العرش”[16].

والفردوس هو مقام أهل الإيمان، قال تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا” (الكهف: 108). ومعنى وراثة الفردوس كما روي عن رسول الله(ص): “ما منكم من أحد  إلا وله منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث  أهل الجنة منزله فذلك قوله: “أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ” (المؤمنون: 10)[17].

نسأل الله تعالى أن يوفقنا للعمل بهذه الآيات، وأن يورثنا ما يورث المؤمنين إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد  وآله الطاهرين .


المصادر:

[1] الدرّ المنشور.

[2] الأمثل، ج1، ص370.

[3] تفسير الرازي: ج ۲۳، ص۷۳.

[4] المیزان: ج15، ص7 .

[5] ميزان الحكمة.

[6] الميزان: ج 15، ص7.

[7] الفرقان:ج18، ص204.

[8] الميزان: ج 15، ص19.

[9] ميزان الحكمة.

[10] الفرقان،ج 18، ص206.

[11] ميزان الحكمة.

[12] ميزان الحكمة .

[13] تفسير الرازي.

[14] المیزان : ج15، ص10٠.

[15] الفرقان: ج18، ص 216.

[16] المصدر نفسه.

[17] الفرقان: ج18، ص 217.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق