الافتتاحية

إهانة المقدسات : بين الاستثمار السلطوي والاستلاب الثقافي

251-252

بقلم: مرتضى السيد حيدر شرف الدين

أطلّت في هذا العام ذكرى المولد النبوي الشريف موشحة بالألم، ممزوجة بمشاعر السخط، ومثقلةً بالإحباط.

فقد جاءت هدية المولد مبكرةً بإثارة جديدة لقضية الرسوم المسيئة لمقام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، مظللةً بغطاء حرية التعبير، مسبوقة بدعوة رسمية فرنسية إلى إيجاد نسخة من الإسلام تناسب الثقافة الفرنسية، ما انعكس إثارةً مستفزةً للملف، مترافقة مع ردود فعلٍ إجرامية ، في مشهدية لا تبدو بريئة من الترابط والافتعال.

مع استجابات متباينة المستوى في العالم الإسلامي تراوحت بين الحدّة والاعتدال والإغفال.

هذا التكرار المتعمّد للإساءة تحت عنوان حرية التعبير، والتضييق المستمر على الهوية الإسلامية في دول الإساءة ،وتفاوت ردود الفعل عليه من زمن لآخر ومن جهة لأخرى، مع ما يرافقه من أعمال عنف تأخذ شكل ردة الفعل فتلتصق بالرسالة ورسولها وتكمل المشهد الذي يريد المسيئون تعميمَه. كلّ هذا يدعو إلى وقفة تأمّل متبصرة في خلفيات هذا المشهد وأسباب تكرّره وتكريسه.

إنّ المتأمل المتجرّد والبصير في مفاصل هذا المشهد لا بد وأن يسترعي انتباهه مجموعة من القطع التي ترسم معالم خلفية الصورة التي أريد للعيان رؤيتها:

أولاً:  إنّ الصراع الديني في العالم لم يكن يوماً إلا شعاراً ومظهراً للتعبئة في سبيل أهداف أخرى بعيدة كل البعد عن الدين؛ فالفتوحات الإسلامية توسيع لرقعة دولة على حساب دول، قادها في الغالب ملوك لا يلتزمون بمفردة من مفردات التشريع الإسلامي، ولم تورث ترسخاً للإسلام في النفوس، ولذا فقد بلغت حدود فيينا وباريس، ثم انجلت وانجلى معها الدين.

بخلاف المناطق التي دخلها الإسلام بالتثاقف السلمي كإندونيسيا وماليزيا وأفريقيا، فإنه لم يغادرها حتى اليوم رغم كل الاضطهاد الذي عاناه المسلمون هناك من الاستعمار.

والحملات الاستكشافية التبشيرية في إفريقيا وأمريكا وأوقيانيا لم تكن خدمةً للدين والعلم، بل لتوسيع مساحة الحكم، واستغلال المزيد من الثروات.

ومحاكم التفتيش في إسبانيا، لم تكن إلا لضمان زوال عوامل انتقال الحكم من يد الحكام الجدد. والحروب الصليبية كانت للسيطرة على طريق الحرير بذريعة الأماكن المقدسة. وعلى هذا فقِس.

وهذا ما يفسّر لنا تفاوت مواقف الدول الغربية من الإسلام من جهة، وتوقيت التعرض السلبي له، وتباين ردود أفعال الدول الإسلامية تجاهها من جهة أخرى زماناً ومكاناً، فهي خاضعة للصراع الدائر بين هذه الدول، وتباينات مصالحها.

لتحوِّل الدين من غاية تصل الإنسان بالسماء، وترسم له معالم التوازن الروحي والحياتي، إلى وسيلة في مزاد التجاذبات، وورقة على طاولة الراهن.

وإذا كان هذا حال معتنقي الدين معه، فلن يكون تعامل غيرهم أحسن حالاً.

ثانياً: إنَّ الصراع السياسي والاقتصادي في العالم استحوذ على اهتمام المتصارعين، فغفلوا عن ميدان أخطر في المعركة، وهو الحرب الحضارية، حتى فقدت شعوب العالم المختلفة هويتها الحضارية، وذابت رؤيتها الكونية، ومنظومتها الاجتماعية، في بوتقة موحّدة، رسمها وهم تعميم التفوق التقني إلى سائر مجالات الحياة، فتنازلت الشعوب عن خصوصياتها أمام المتفوق تقنياً وسياسياً وعسكرياً، وسعت إلى اللحاق به في جميع زوايا الحياة، متوهمة أن تقدّمه هذا عام شامل لا يفوته مجال.

واستغلت قوى العولمة ذلك فابتزّت العالم بمفردات برّاقة كالحريّة والحضارة وحقوق الإنسان، فاستُلِب العالم، ونسي أن هذه الكيانات قامت على إبادة الملايين، واستعباد الملايين، وأنّ الحاضر لم يتبرّأ من الماضي، بل احتفظ بجماجم الضحايا للعرض في المتاحف معتزاً بها، ومتمسكاً بوجودها كمفردة في سجلّه الحضاري، يتساوى فيها البشر والحجر، بعيداً عن شعارات حقوق الإنسان.

وجعلت حرية التعبير ورقةً انتقائية، تجتاح بها كل القيم والحرمات والخصوصيات الحضارية، لتقف مكمومة بأشد أنواع القمع أمام أدنى تحليل لتاريخ حديث يوصم بمعاداة الساميّة، أو تقييم اجتماعي أو نفساني ترى فيه خدشاً لحقوق المثليين، فتغلق وسائل الإعلام، ويطرد الأساتذة عن منابر التدريس، بل قد يصل بهم الأمر إلى الغرامات الباهظة، والإيداع خلف قضبان السجون.

هذا الاستلاب استحوذ حتى على الدول المناهضة لهذه القوى، فاجتهدت في تكريس فكرة حصر شر هذه القوى في الحروب والنزاعات، وتقديم طلبات الانتساب إلى منظومتها الثقافية والفكرية، وبذل الجهد لدفع تهمة التخلف والإرهاب عنها، وتقديم وثائق مواكبة الحضارة لها، ناسيةً أو متناسيةً أن منظومة الفكر المادي هي المؤسسة لكل هذه الويلات، بما فيها الصور التي رسمها بعض المسلمين لتشويه صورة الإسلام الناصعة.

خاصة وأنّ الإسلام كمنظومةِ تٓوازن تراعي الروح والجسد، ونظام إنساني يوفّق بين المثالي والواقعي يشكّل حجر عثرة في طريق طغيان المادية العمياء التي تريد أن تحوّل البشريّة إلى حيتان  آكلة مستربِحة وأسماكٍ مأكولة مستهلِكة، في بحر من الشهوات والمصالح والمطامع لا حدود له ولا قرار.

أمام هذا المشهد نجد لزاماً على كل مسلم واعٍ لحقيقة دينه، واثق بسموِّ مبادئه، منطلق من عمق إيمانه بعظمة نبيّه أن يسلك سلوك المواجهة الواعية لهذا المشهد ككل، وذلك بمنظومة من الخطوات:

١-الانتصار للنبيّ العظيم عن طريق نشر تعاليمه السمحاء، وقيمه السامية، وإعطاء النموذج العملي الممثِّل لها.
٢-المواجهة الحقوقية والفكرية الفاضحة لزيف القناع الذي تلبسه الحرب على الإسلام والمسلمين، وتعرية وجه المادية المتوحشة من شعارات الحضارة، والحرية، والعدالة، وحقوق الإنسان، عن طريق المقارنات التاريخية، وتسليط الضوء على التناقضات الحالية في المسلك.

٣- النأي بالنفس عن أي استثمار للدين والقيم في الصراعات الراهنة، وإظهار التمايز عنها حتى في أساليب الاحتجاج والرفض، عن المسارات ذات الأهداف الراهنة، لا سيما التي تتخذ مسار العنف مسلكاً لها. حتى لا تتمكن قوى المادية المتوحشة من تعميم الصورة التي تريدها ووصم جميع المسلمين بها.

٤- اعتماد التأصيل والتعبير عن الذات وبيان تمايزها البنّاء عن الآخر بدل الدفاع الضعيف والتنصل والاستلاب. بتوضيح صورة الإسلام من الإسلام، والدفاع عن القرآن من القرآن، دون إسقاطات وترقيعات مستعارة يأباها ثوب الإسلام الناصع.

صحيح أن منبراً متواضعاً كمنبرنا ليس نداً لغمرة طاغية على العالم بمنابرها الإعلامية والتعليمية وقواها المكتسحة.
ولكنه أداء واجب بإيقاد شمعة قد تنير بقعة في هذا الظلام الدامس، وإلا فهو خروج عن عهدة التكليف، بأداء ما في الوسع يرفع عنا المسؤولية أمام الله وحبيبه يوم القيامة.

إغلاق