أحيوا أمرنا

الإمام الصادق (عليه السلام) وتكامل البناء المعرفي _ التوحيد نموذجاً

251-252

بقلم: مرتضى السيد حيدر شرف الدين

امتاز الدور الذي قام به الإمام الصادق (عليه السلام) بمحورية خاصة، فالدور الرئيسي الإلهي الذي أوكِل له هو تكريس مدرسة أهل البيت عليهم السلام كمدرسة شاملة وكاملة ومفصّلة، حيث لم يترك تفاصيلاً ومجالاً لها إلا وأرسى قواعده، وأوضح معالمه، ما عدا مجالاً واحداً وهو المقامات الغيبية للإمام لأن الزمن لم يكن مناسباً للكلام فيها فأرجأه لعصر الإمام الرضا (عليه السلام) فمابعده.

أمّا الأُسس التي وضعت في زمن الأئمة السابقين، فأتى زمن الامام الصادق (عليه السلام) كزمن تفصيلٍ فيها. فقبل زمن الأمام الصادق (عليه السلام)  لم يكن في مدرسة أهل البيت عليهم السلام أي مجال مفصّل سوى مجال واحد وهو مجال مسالك العبودية لله عز وجل.

فإنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أرسى مفاهيمه المعرفية، والإمام السجاد ارسى مفاهيمه السلوكية، فتمت منظومة مدرسة أهل البيت عليهم السلام المتعلّقة بالعبودية والسلوك إلى الله في زمن الإمام السجاد(عليه السلام). أمّا باقي المجالات المعرفية فكانت لا تزال تحتاج إلى بسطٍ وتفصيل، لأن المراحل السابقة كانت إمّا مراحل نزاع سياسي كزمن أمير المؤمنين (عليه السلام) وزمن الإمام الحسن والإمام الحسين(عليهما السلام) وإمّا مرحلة قبضة حديدية من السلطة كزمن الإمام زين العابدين(عليه السلام) الذي ارتكز دوره على إيضاح المظلومية. وعند وصول زمن الإمام الباقر(عليه السلام) كانت القبضة الأموية قد بدأت  بالارتخاء بسبب الاضطرابات والثورات والنزاعات حتى تضعضعت الدولة الأموية، وكان قد انتهى زمن الخلفاء الأقوياء، حيث كان هشام بن عبد الملك آخرهم ،وذلك في زمن الإمام الباقر(عليه السلام) لذلك أخذ الباقر(عليه السلام) شيئاً من المتسع وكرّسه بشكل عام لإرساء مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) فقهياً.

عندما وصل زمن الإمام الصادق(عليه السلام)، كانت الدولة الأموية متهالكة ومشغولة بنفسها، فبدلاً من أن تُحكِم الطوق على مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) أصبحت مشغولة بمدارس الحراك السياسي العسكري الفعلي، أي أصبحت أولوية الدولة التعامل مع الحركات المسلحة.

ثم أتى زمن بني العباس حيث  كانت الأمور في بدايتها غير مستتِبّة، لأنَّ بني الحسن(عليه السلام) كانوا يشكّلون المعارضة ويطالبون بالسلطة، إضافة إلى غارات الخوارج المستمرة، فضلاً عن فلول بني أمية، والتمردات داخل قادة بني العباس، لذلك كان بنو العباس مشغولون عن الإمام الصادق(عليه السلام) في زمن السفاح والقسم الأول من زمن المنصور.

خلال هذا الوقت، أخذ الإمام الصادق(عليه السلام) الدور المعهود له روى هشام بن سالم، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال: لما حضرت أبي (عليه السلام) الوفاة قال: يا جعفر أوصيك بأصحابي خيرا.

قلت: جُعلت فداك والله لأدعنّهم – والرجل منهم يكون في المصر – فلا يَسأل أحدا”[1].

وبالفعل فقد اعتنى بهم أشدّ عناية، فخرّجهم رؤوساً في مجالات المعرفة، وعيَّن لكل جماعة اختصاصاً:

فكان للفقه: زرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، أبي بصير ليث المرادي، وأبي بصير الأسدي، ومنصور بن حازم، وغيرهم .حتى أنه خص واحداً منهم بمئات المسائل المتعلقة بالحج  فقط.

وقد بلغت شهرتهم حد أنّ قضاة الجور عند الدولة كانوا إذا أعضلت عليهم المسائل لجأوا إليهم. فكانوا يطرقون الباب على أمثال محمد بن مسلم الثقفي في منتصف الليل ليسألوا: هل عندك شيءٌ من صاحبك في هذا؟

فيعطيهم محمد الإجابة ليصدر القاضي الحكم في اليوم التالي.

أما في مجال العقيدة فإن الأمويين في آخر عهدهم، والعباسيين التفتوا إلى الطروحات المدرسية التي كان يؤسس لها داخل الجو الإسلامي ، ولم تكن السلطة  قادرة أن تنهض بمواجهة مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) العملاقة، فاستوردت الأفكار المختلفة من الهند والحضارات القديمة وبدأوا بحقن الشارع بشتى أنواع الأفكار- حتى الإلحادية- ليوجدوا بدائل عن هذه المدرسة.

عند هذه النقطة، اتسع الجدل العقائدي والكلامي ولكن الامام الصادق(عليه السلام) تصدى لها، فقد كان لديه حمران بن أعين وهشام بن الحكم وهشام بن سالم، ومؤمن الطاق الذين أوكل اليهم الحوار العقائدي، وكان رأسهم هشام بن الحكم .
فقد قال له الإمام الصادق(عليه السلام) مقيّماً ومشجعاً: “يا هشام ! لا تكاد تقع، تلوي رجليك إذا هممت بالأرض طرت، مثلك فليكلم الناس”.[2]

وكان هشام لا يزال شاباً صغيراً.

وقد جرت بينه وبين أئمة المذاهب الأخرى مناظرات بديعة، نذكر منها مناظرته مع  إمام المعتزلة عمرو بن عبيد في مسجد البصرة.

“كان عند أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة من أصحابه منهم حمران بن أعين، ومحمد بن النعمان، وهشام بن سالم، والطيار، وجماعة فيهم هشام بن الحكم وهو شاب.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا هشام! ألا تخبرني كيف صنعتَ بعمرو بن عبيد وكيف سألته؟ فقال هشام: يا بن رسول الله! إني أجِلُّك وأستحييك، ولا يعمل لساني بين يديك.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أمرتُكم بشئ فافعلوا.

قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة فعَظُمَ  ذلك علي، فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة فأتيت مسجد البصرة، فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شملة سوداء مُتَّزِر بها من صوف، وشملة مُرتدٍ بها والناس يسألونه، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في آخر القوم على ركبتيّ.

ثم قلت: أيها العالِم! إني رجل غريب، تأذن لي في مسألة؟

فقال لي: نعم.

فقلت له: ألك عين؟

فقال: يا بني ! أي شيء هذا من السؤال؟! وشيء تراه كيف تسأل عنه؟!

فقلت : هكذا مسألتي.

فقال: يا بني سل ، وإن كانت مسألتك حمقاء.

قلت: أجبني فيه .

قال لي : سل.

قلت: ألك عين؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أرى بها الألوان والأشخاص.

قلت: فلك أنف؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أشم به الرائحة.

قلت: ألك فم؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أذوق به الطعم.

قلت: فلك أذن؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أسمع بها الصوت.

قلت: ألك قلب؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أميز به كلما ورد على هذه الجوارح والحواس.

قلت: أوَ ليس في هذه الجوارح غنىً عن القلب؟

فقال: لا.

قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟!

قال: يا بني! إن الجوارح إذا شكَّت في شيء شمَّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته، ردَّته إلى القلب فيستيقن اليقين ويبطل الشك.
قال هشام: فقلت له: فإنما أقام الله القلب لشكِّ الجوارح؟

قال: نعم.

قلت: لا بد من القلب وإلا لم تستيقن الجوارح؟

قال: نعم.

فقلت له: يا أبا مروان فالله تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماماً يصحِّح لها الصحيح ويتيقَّن به ما شك فيه، ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم، لا يقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم، ويقيم لك إماماً لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك؟!

قال: فسكت ولم يقل لي شيئاً.

ثم التفت إليّ فقال لي: أنت هشام بن الحكم؟

فقلت: لا.

قال: أمن جلسائه؟

قلت: لا.

قال: فمن أين أنت؟

قال: قلت: من أهل الكوفة.

قال: فأنت إذاً هو.

ثم ضمني إليه، وأقعدني في مجلسه، وزال عن مجلسه، وما نطق حتى قمت.

فضحك أبو عبد الله (عليه السلام) وقال: يا هشام مَن علَّمك هذا؟

قلت: شيء أخذته منك وألَّفتُه.

فقال: هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى.”[3]

وفي مجال العلوم الطبيعية والكيمياء وتركيب المواد، كان صاحب الاختصاص هو جابر بن حيان الكوفي.

وفي الأسرار والمعارف المتعلّقة بمقامات أهل البيت عليهم السلام الغيبية، والتي أظهرت فيما بعد في زمن الإمام الرضا (عليه السلام)  كان جابر بن يزيد والمفضَّل بن عمر الجعفيان من أصحاب الاختصاص.

وكذلك كان المعلّى بن خنيس مولى الإمام الصادق (عليه السلام) والذي أذاع بعض معارفه فقتله والي المدينة داوود بن علي، عم المنصور العباسي. “لما قتل داوود بن علي المعلى بن خنيس قال أبو عبد الله (عليه السلام): لأدعونّ الله على من قتل مولاي وأخذ مالي. فقال له داود بن علي: إنك لتهددني بدعائك.

فلم يزل الإمام ليلته راكعاً وساجداً، فلما كان السَّحَر سمعته سجد ودعا بهذا الدعاء:” اللهم إني أسألك بقوتك القوية وبجلالك الشديد الذي كل خلقك له ذليل أن تصلي على محمد وأهل بيته وأن تأخذه الساعة الساعة”، فما رفع رأسه حتى سُمِعَت الصيحة في دار داوود بن علي” [4].

وأما في الآداب السلوكية فقد كثُرت وتعدّدت وصايا الإمام (عليه السلام)، ومن أبرزها وصيته إلى عنوان البصري، وحديث جنود العقل وجنود الجهل الموجود في أصول الكافي والذي رواه عنه هشام بن الحكم، ووصيته لهشام بن الحكم.
وكذلك في مجال السياسة والاجتماع، فله وصية للشيعة قد وردت في بداية (روضة الكافي) وهي وصية هامة جداً في أصول التقيّة، والتعامل مع المجتمع في زمن حكومات الجور.

ومن هنا سُمِّيَ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بالمذهب الجعفري، لأنّ معالمه تكاملت في عهد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).

ومن المجالات التي أشبعها وأتمها الإمام(عليه السلام) مجال التوحيد.

فقد وضع الإمام(عليه السلام) منهجاً في إثبات التوحيد لا يعتمد على الأدلة العقلية والفلسفية النظرية المتعسرة على عامّة الناس، بل يعتمد على الأدلة العقلائية، وما هو مركوز في أذهان جميع الناس.

ومن هذه الأدلة:

١الحصر العقلي وحساب الاحتمالات الذي أعمله في مناظرته مع أبي شاكر عبد الله الديصاني، أحد كبار الملحدين، الذي قصد هشام بن الحكم قائلاً:” إن لي مسألة تستأذن لي على صاحبك، فإني قد سألت عنها جماعة من العلماء فما أجابوني بجواب مشبع.

قال: هشام فقلت: هل لك أن تخبرني بها فلعل عندي جواباً ترتضيه؟!

فقال: إني أحب أن ألقى بها أبا عبد الله (عليه السلام).

قال هشام: فاستأذنت له فدخل.

فقال له: أتأذن لي في السؤال؟

فقال له: سل عما بدا لك.

فقال له: ما الدليل على أن لك صانعاً؟

فقال: وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين: إما أن أكون صنعتها أنا أو صنعها غيري.

فإن كنت صنعتها أنا فلا أخلو من أحد معنيين: إما أن أكون صنعتها وكانت موجودة، أو صنعتها وكانت معدومة.

فإن كنت صنعتها وكانت موجودة فقد استغنت بوجودها عن صنعتها.

وإن كانت معدومة فإنك تعلم أن المعدوم لا يُحدِث شيئاً.

فقد ثبُت المعنى الثالث أن لي صانعاً وهو الله رب العالمين.

فقام وما أحار جواباً” [5].

٢برهان النظم: وقد استعمله في عدة مواقف ، نذكر منها موقفه الآخر مع أبي شاكر عبد الله الديصاني عنه حين أتى بابه  فاستأذن عليه، فأذن له، فلما قعد قال له: يا جعفر بن محمد! دلني على معبودي؟

فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): ما اسمك؟

فخرج عنه ولم يخبره باسمه.

فقال له أصحابه: كيف لم تخبره باسمك؟

قال: لو كنت قلت له: عبد الله، كان يقول: من هذا الذي أنت له عبد؟

فقالوا: له عد إليه وقل له: يدلك على معبودك ولايسألك عن اسمك.

فرجع إليه فقال له: يا جعفر بن محمد ! دلني على معبودي ولا تسألني عن اسمي؟

فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): اجلس .

وإذا غلام له صغير في كفه بيضة يلعب بها.

فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): ناولني يا غلام البيضة.

فناوله إياها، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): يا ديصاني!  هذا حصن مكنون، له جلد غليظ ،وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق ،وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة، ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها، لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها، ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها، لا يدرى للذكر خلقت أم للأنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس أترى لها مدبّراً؟

قال: فأطرق ملياً ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك إمام وحجة من الله على خلقه ،وأنا تائب مما كنت فيه”[6].

ومن أجمعها كتاب توحيد المفضل بن عمر الجعفي الذي أملى فيه الإمام عليه تفاصيل خلقة الإنسان والحيوان والنبات بدقائقها في إثباتاً لوجود الصانع الحكيم ببرهان النظم، حيث أظهر له أن في  كلّ تفصيل في هذا التركيب له حكمة لا تسمح باستبداله بغيره. وهو بذلك أيضاً أثر مدوَّن في العلوم الطبيعية.

٣برهان الفطرة: فالفطرة المرتكزة في وجدان الإنسان ترشد الى وجود قيّم مطلق على الوجود .

وقد استعمله (عليه السلام) مع رجل أتاه قائلاً: “يا ابن رسول الله! دلني على الله ما هو؟ فقد أكثر علي المجادلون وحيروني.
فقال له: يا عبد الله هل ركبت سفينة قط؟

قال: نعم .

قال: فهل كُسِر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟

قال: نعم.

قال: فهل تعلق قلبك هنالك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟

فقال: نعم.

قال الصادق (عليه السلام): فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث”[7].

وهذا دليل الفطرة لأنّ قلب الإنسان يتعلق بقوة عظمى ولا يدخله اليأس حتى في إبّان العجز.

٤برهان الحدوث: وهو دلالة تغيّر أحوال الكائنات على كونها حادثة، تحكّمها بهذا التغيّر على وجود فاعل يحدث فيها هذا التغيّر.

وقد استعمله الإمام (عليه السلام) مع كبير ملاحدة زمانه ابن ابي العوجاء جاء إلى الإمام وسأله:

“ما منعه -إن كان الامر كما يقولون- أن يظهر لخلقه ويدعوهم إلى عبادته حتى لا يختلف منهم اثنان؟ ولِمَ احتجب عنهم وأرسل إليهم الرسل؟ ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به.

فقال: ويلك ! وكيف احتجبَ عنك من أراك قدرته في نفسك: نشوءك ولم تكن، وكبرك بعد صغرك وقوتك بعد ضعفك، وضعفك بعد قوتك، وسقمك بعد صحتك، وصحتك بعد سقمك، ورضاك بعد غضبك، وغضبك بعد رضاك، وحزنك بعد فرحك، وفرحك بعد حزنك، وحبك بعد بغضك، وبغضك بعد حبك، وعزمك بعد أناتك، وأناتك بعد عزمك، وشهوتك بعد كراهتك، وكراهتك بعد شهوتك، ورغبتك بعد رهبتك، ورهبتك بعد رغبتك، ورجاءك بعد يأسك، ويأسك بعد رجائك، وخاطرك بما لم يكن في وهمك، وعزوب ما أنت معتقده عن ذهنك.

يقول بن أبي العوجاء: وما زال يعدد علي قدرته التي هي في نفسي التي لا أدفعها حتى ظننت أنه سيظهر فيما بيني وبينه”[8].

٥برهان الفرجة: وهو من براهين الوحدانية بعد إثبات الوجود.

وقد استعمل الإمام الحصر العقلي وبرهانَي النظم والفرجة في جوابه على سؤال حول جواز تعدُّد الصانع.

فقال (عليه السلام):لا يخلو قولك: إنهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين، أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً.

فإن كانا قويين فلِمَ لا يدفع كل واحد منهما صاحبه ويتفرد بالتدبير.

وإن زعمت أن أحدهما قوي والآخر ضعيف ثبت أنه واحد كما نقول، للعجز الظاهر في الثاني. فإن قلت: إنهما اثنان، لم يخلُ من أن يكونا متّفقين من كل جهة أو مفترقَين من كل جهة.

فلما رأينا الخلق منتظماً، والفلك جارياً، والتدبير واحداً، والليل والنهار والشمس والقمر دلَّ صحة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أن المدبِّر واحد.

ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما حتى يكونا اثنين، فصارت الفرجة ثالثاً بينهما قديماً معهما، فيلزمك ثلاثة، فإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين حتى تكون بينهم فرجة فيكونوا خمسة ،ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة”[9].

وكل ما ورد هي براهين عقلائية متاحة الفهم لكل متأمّل سليم النظر وليست فلسفات يقتصر إدراكها على أهل فن دون غيره.
ونختم كلامنا بتعريف جامع مانع موجز وضعه الإمام (عليه السلام) للتوحيد والعدل.

فقد أتاه رجلٌ وسأله فقال له:” إنّ أساس الدين التوحيد والعدل، وعلمه كثير، ولا بد لعاقل منه، فاذكر ما يسهل الوقوف عليه ويتهيأ حفظه؟

فقال (عليه السلام): أما التوحيد: فأن لا تجوِّز على ربك ما جاز عليك.

وأما العدل: فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه”[10].


المصادر:

[1] الكليني؛ الكافي ؛ ج١؛ ص٣٠٦.

[2] المصدر نفسه؛ ص١٧٣.

[3] المصدر نفسه؛ ص ١٦٩___١٧١.

[4] المصدر نفسه؛ ج٢؛ ص٥١٣.

[5] الصدوق؛ التوحيد؛ ص ٢٩٠.

[6] الكليني، الكافي؛ ج١؛ ص٨٠.

[7] الصدوق؛ التوحيد؛ ص٢٣١.

[8] الكليني؛ الكافي؛ ج١؛ ص٧٥/٧٦.

[9] المصدر نفسه؛ ص٨٠/٨١.

[10] الصدوق؛ معاني الأخبار؛ ص١١

إغلاق