عقيدة

الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين

251-252

الشيخ علي عيديبي

إنَّ صفات الله سبحانه تعالى مستدعاة من كلّ واحدة منها.

وكنّا قلنا بأنّ أصول الدين عقلية يثبتها العقل، والفتنا عناية القراء إلى أنَّ العدل هو من صفات الله ولكننا اعتبرناه أصلاً من أصول الدين لخصوصيةٍ فيه، وخصوصية العدل تفرض نفسها في كلّ العقائد، إبتداءً من تصرفات الله تبارك وتعالى في عباده في دنياهم أو حساب الله سبحناه وتعالى لعباده في أخراهم. فقانون العدل حاكمٌ وقائمٌ.

وهنا نطرح السؤال التالي: كيف يٌحاسب الله عز وجعل عباده يوم القيامة؟

إنَّ العدل هو ذلك المودع الفكري والفطري في الإنسان في دنياه، به عٌرف الله وبه يحاسبه الله وعليه يحاسبه الله عزَّ وجلَّ. وقد طُرح حول العدل وفي مقابله أمور وعناوين وإشكالات، سنعرض لبعضها.

ومن أولى العناوين التي طُرحت: كيف نفهم العدل، أي إعطاء كل ذي حق حقه ونحن نرى العبد مجبراً في أفعاله؟

هنا إنقسمت الأراء بين الأشعرية والمعتزلة، فمن هم المسلمون الأشعريون وما الأشعرية؟

إنَّ الأشعرية هي نظرية اتبعها كثيرون من المسلمين، وهي منسوبة إلى الأشعري، ومن جلِّ العقائد وضوحاً وإتباعاً في الأشعرية هي فكرة الجبر.

فقد كانوا يقولون بأنَّ العبد مجبرٌ في أفعاله ومُكره عليها، وذلك لقدرة الله تعالى على قدرة العبد، ولهيمنة الله على العبد. فلو أراد العبد أمراً وأراد الله أمراً أخراً في ذات الشيء فأيُّ الارادتين تنفذ وتحكم، أليست الإرادة الأقوى وهي إرادة الله؟

وفي مقام توضيح عقيدة الجبر، نرى ونسمع الكثير من الآيات الكريمات التي تشير إلى أنَّ العبد مجبور، كقوله تعالى: “وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ” (الإنسان:30)، إذاً لا مشيئة لك أيّها العبد إنَّ المشيئة لله عزَّ وجلَّ.

وقوله تعالى:“وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ”(لأنفال: 17) وتعني أنَّ الذي رمى حقيقةً هو الله وليس العبد.

وفي المقابل إنتقد عددٌ من المسلمين هذه العقيدة الجبرية الأشعرية، وقالوا بأنّها تناقض العدل بإمتياز، إذ كيف يجبر الله العبد على أمرٍ ثم يحاسبه عليه، وهل يمكن أن يجبر الله العبد على معصيته ثم يعاقبه عليها؟ أليس هذا من قول الشيطان ولا يجوز أن يُنسب إلى الرحمن عزَّ وجلَّ؟

أو لا ترون أن الإجبار يُبطل الثواب والعقاب لأنّه يلغي الحساب أصلاً.

فتخيلوا لو أنَّ شخصاً سجن شخصاً آخراً وأقفل عليه كلّ باب ثم أخذ يعاتبه ويحاسبه لماذا لم يخرج ويحرث الأرض مثلاً؟

لذلك إنتقد كثيرٌ من المسلمين عقيدة الأشعريين وقالوا أنَّ جبرهم يعارض عدل الله وعدل الكون، كمن القى أحداً في الماء مكتّف اليدين مكبّل الرجلين ثم قال له إيّاك أن تخرج من الماء مبتلاً! فإن خرجت مبتلاً عاقبتك.

وهذا الأمر يُعدُّ ظلماً لأنّه تكليفٌ بما لا يطاق، أو غير المقدور.

ومن يفعل هذه الأمور سوى الظالم المتغطرس، كالذي يعرف عدم قدرتك على الطيران ويجبرك عليها ويعاقبك إن لم تفعل. وقد يفعلها الجاهل الذي يعرف أن لا تستطيع أن تفعل أمراً ما فيصدر لك الأمر ويطالبك بالإمتثال وهو جاهلٌ بأنك عاجزٌ، كما قد يفعلها عابثٌ يعرف عدم القدرة فيتشفّى ويتلهّى بإصدار أوامره على عباده غير القادرين، وكلُّ هذه الصفات ليست بصفات الله عزَّ وجلَّ.

وكان المسلمون المنتقدون لعقيدة الجبر يقولون بأنّ القول بالجبر يصادم بناء الكون، وهو أبعد عن الرحمن ولا يقول به انسان فيه قدرة العقل، وما ألصق المثال القائل:

“ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له … إيّاك إياّك أن تبتل بالماء ” واليمّ هو البحر، أي الماء المتسع.

أهكذا هو رب الكون؟؟ يجبر العبد على العصيان ثم يقول له ألم تعرف أنّي لا أحب منك المعصية، ويجبر ذاك على فعل الحرام ثم يعاقبه، ويجبر ذاك على فعل الطاعة ثم يثيبه….

أهكذا رب الكون؟ يجبر العصاة على المعصية ويعاقبهم و يجبر عباده الصالحين على الطاعة ويثيبهم؟

فلا العقوبة صحيحة ولا المثوبة صحيحة لأنّهم مجبربون عليها.

وفيما بعد، أصبحت هذه الفئة الممنتقدة تسمى بالعدليين في مقابل الأشعريين الجبريين، وسُمّوا أيضاً ب”المعتزلة” انتساباً إلى أحد كبارهم الذي اعتزل فكرة الأشعري وأخذ خطاً آخراً سُمّي بالعدل.

وجاء العدليون ليقولوا: إن ربنا عادلٌ ونؤول ما تمسكتم به من آيات تدل على الجبر (الأيات التي ذكرناها سابقاً) وقالوا أن الله خلق العبد وفوض إليه أمره وترك له الإختيار في جميع تصرفاته، فكل ما يقوم به إختياري وليس جبري على الإطلاق.

وبذلك يكون المعتزلة الفريق الذي يقول بأنَّ العبد مختارٌ في أفعاله مطلقاً، أي أنَّ السماء فوضت إلى أهل الأرض أفعالهم، فجميع الصادرات منهم ملكهم أي أنهم يفعلون في ذاتهم ما يشاؤون ويتصرفون في غيرهم بما يختارون، وهذا هو ما يناسب العدل الكوني والعدل البشري والرباني والدنيوي والأخروي، أي أنَّ ألإختيار هو الذي يناسب العدل.

ولكن من ناحية أخرى لا بد من طرح السؤال التالي: في حال اجتمعت إرادتان، كَكُره الله سبحانه تعالى للسرقة والكذب وحب العبد لهما، فإذا مال العبد إلى السرقة والله يكرهها، فكيف نفعل؟

إنَّ الله له إرادةٌ في الرذائل، وهي إرادةٌ منفية وبعض العباد يريدونها، فإذا تدخل ربنا فارادته هي الأقوى، وينبغي أن لا يحصل أي مكروه أو حرام لأن الله يكره الفسق والعصيان وإرادته هي الأقوى والعبد عاجزٌ أمام قدرة الله تعالى، فكيف تحصل كل هذه الرذائل؟

من هنا يستدلَّ المعتزلة على أنَّ الله لا يتدخل في العبد، فلو تدخل لمنع العباد من الحرام لأنّه يكرهه.

كمثال بسيط: لنقُل أنَ طفلك أراد أن يذهب يميناً لشهوته أو لعبته وطفولته، وأنت ترى مصلحته في أن يذهب إلى اليسار، فلو ذهب إلى اليمين لقلت أنّك لم تمنعه لأنَّ قدرتك أقوى عليه، فهذا يعني بأنّك لا تتدخل بأموره، لأنّك لو تدخلت لجررته إليك.

فبحسب العدلية والمعتزلة، إنّ الله فوض ألإختيار للعباد، يختارون الطاعة أو المعصية، فلو أنّ الله تعالى أأراد للعباد الطاعة، لما حصلت معصية من أحد لأننا نعلم أنه يحب الطاعات ويكره المعاصي، وقد أتت هذه الفكرة في مقابل فكرة الجبرية الأشعرية.

فما رأي المسلمين الشيعة في هذه القضية؟

يقول المسلمون الشيعة بأنّهم بلا شك ليسوا جبريين، إذاً هل هم معتزلة يقولون بالإختيار المطلق أو التفويض المطلق حفاظاً على العدل الإلهي والبشري والدنيوي والأخروي؟

إنَّ الأشعري لا يطلب العدل ولا يرضاه لله، لأن الله يتصرف كيف يشاء، والمعتزلي رفض التصرف من الله في عباده وأطلق لهم الخيار كل الخيار حتى يحفظ العدل أي أنّ الله يحاسبهم على أفعالهم بالثواب والعقاب.

أمّا المسلمون الشيعة فيعتبرون أنفسهم من العدليين ولكن له عدلهم ولهم تصورهم الخاص له.

إذاً في مقابل الأشعريين، فإن الإمامية والمعتزلة عدليون، لكن الإمامين لا يرضون عدلاً معتزلياً.

فقد ورد عن الأئمة (ع) هذا الحديث الشريف المؤنب للمعتزلة فقالوا :” أرادوا عدل الله فأعجزوه”. 

فإذا كان الأشعري نفى العدل عن الله لأنّه يتصرّف في عباده كيف يشاء ويجبرهم على المعاصي ويعاقبهم، وجاء المعتزلي ليثبت عدل الله وبالغ في إثبات مراده فأعجزه بقوله أن الله لا يتصرف في عباده أبداً وقد فوّض الأمر إليه، ليأتي الإماميون وبحسب قول أئمتهم ويقولوا بأنّه لا جبر ولا تفويض ولكن أمرٌ بين الأمرين.

وقد ورد هذا المضمون عن عدة من الأئمة (ع) بعدة من الروايات، فماذا تعني هذه القاعدة الشريفة التي تفتح عقول الكون وتأسر عقلاء الكون؟

أولاً ، نرى بالوجدان بأن أمران نجبر عليها وأموراً نختارها، فأنا وأنت لم نستشر في ساعة ميلادنا ولم نختر أباً ولا أماً، بل نحن لم نشهد ولادتنا ولكن شهدنا ولادة غيرنا كما شهد غيرنا ولادتنا. وكذلك لم نختر اللون والصفات والشخصية والإمتيازات، أي لم نختر لأنفسنا التكوينية شيئاً. (بما فيها اللون والطول والعافية والمرض والذكاء والأقارب والأرحام والأخصام ). إضافةً إلى ذلك، نحن لا نستشر في ساعة الرحيل من دنيانا ومكانها، فمبدأ حياتنا جبري ومنتهاها جبري. فلا ساعة الميلاد ولا ساعة الرحيل اختيارية لنا.

وبين هاتين الحالتين، أي البداية والنهاية، لنا حبلٌ ممتدٌ من التصرفات والأمور في كوننا نرى بالوجدان بأنّه ليس لنا في الكثير منها الخيار، فمثلاً: القدرة الجسمية، والضعف الجسمي والألام الطارئات على العباد من الكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين والامراض الآتية مع الجنين التي تمثل فيه ضعفاً مؤبداً، وغيرها من الأمور التي ليس لنا من الأمر فيها شيء.

ومن جهةٍ أخرى، نرى بالوجدان أيضاً، أنّه في كثيرٍ من الأحيان نختار يقيناً.

فمثلاً؛ أنت تحب زيداً وتكره آخر باختيارك، بل أن تحب زيداً وتكرهه مرةً أخرى، أو أنت جائع ولا تأكل أو متخم وتأكل. هذه كلها أمور ملء يديك ومن اختيارك كأن ترفض أو تقبل أو ترتوي أو تصوم أو تتزوج أو تنجب وغيرها.

إذاً لا جبر في كل الأحوال فإنّ فيها اختيارات، ولا إختيار في كل الأمور فإنّ فيها جبريات، فالأمر الجبرية والإختيارية قائمتان نراهما بالوجدان أي نجدهما في الواقع عياناً ولا يشكك بهما عادلٌ ولا يحتاج الأمر إلى برهان.

ففي طبيعة الحال، إنّ الأمور تُثبت إما بالوجدان أو بالبرهان، وفي حالتنا هذه فإنّ الجبريات والاختيارات اثبتت بالوجدان.

يقول العلماء في بيان هذا المضمون، إنّ الأمر البيّن هو ما بين الأمرين، ففي كل شيء ناحيتان، ناحية أصل القدرة وناحية تصرفك فيها.

فأصل القدرة أي القدرة الخام تأتي في المرحلة الأولى، ويليها إختيار فعل التصرف.

مثلاً عند رفع اليدين للتكبير، ففي بادئ الأمر كان لديك القدرة على رفع يديك، وثانياً اخترت رفعهما أو إمالتهما أو تنزيلهما، إذ لو لم تكن قادراً لكنتً مشلولاً عن أي إتجاه، ولكن بما أنّه كانت لديك القدرة أولاً أصبح لديك الإختيار بتحريكهما بالإتجاه الذي تريد.

كمثل السيارة التي فيها وقود، يصبح عندئذ لك أن تختار جهة الحركة، أما لو لم يكن فيها القدرة على الحركة لبقيت أنت جامدٌ كسيارتك.

إذاً إذا وجدت القدرة يصبح لك الخيار في التصرف، وإن انتفت القدرة فلا يمكنك أن تختار شيئاً فإنّك مسلوب القرار.

هنا يمكننا القول أنه في كل حركة وسكنى لنا أمرٌ بين أمرين، فبقدرتك على الحركة كى تظلم أو تخدم أو تعتدي أو تهتك أو تفتك. هنا يختار كلٌ منّا إما أن تكون يده يد إعتداء أو يد سلام.

يمكننا الإستتنتاج في النهاية، أنّ أصل القدرة الخام جبرية إلهية فهو الذي يضع القدرة ويرفعها، وهو الذي يميت ويحي ويحي ويميت، فأصل القدرة منه سبحانه تعالى وإكمال الطريق من اختيارنا.

إغلاق