من سير الأطهار/ أدب ملتزم

“عندما نطق كوكب الصمت”*

251-252

(قصة من خيال عالمٍ مجهول، نجا من ذلك الوباء!)

بقلم رجاء محمد بيطار

 

تناثرت الكواكب والشموس في ذلك الفضاء الفسيح، تجري معاً بنظام وتوقيت دقيق، وتنعطف قرب بعضها البعض في مسارات متحاذية وبسرعة فائقة، فلا تصطدم ولا تزيح عن مسارها المرسوم قيد شعرة، يشعّ بعضها بأنوارٍ وضّاءة، بينما يخبو النور في بعضها الآخر، فيكاد يشبه كرةً مظلِمة، يتقاذفها التجاذب الكوني الرهيب في ذلك المدى الدامس.
في وسط ذلك النظام الكوني الدقيق، الناطق بقدرةِ مُبدِعِه، والمسبّح بطاعته لأمره ونظامه، وبين هذا العدد الهائل من الأجرام السماوية، وعلى بعد آلاف السنين الضوئية عن مجرتنا، تألّق كوكب السَّحَر الصغير، بهياً مشرقاً كحبة لؤلؤ مكنون في غمرة يمٍّ عميق، يزهو على ما أحاط به من كواكب ونجوم، بصفةٍ شاءها خالقه له، هي صفة الحياة!… أجل، فلقد كان الكوكب يحمل على سطحه مخلوقات جميلة لطيفة تشبه البشر إلى حدٍّ بعيد، وتتمتع بصفة الحياة، بكل ما فيها من حواس رائعة، وعقل ذكي حسّاس، وفوق كلّ هذا، تتمتع بفطرة سليمة، تجعلها ترى كلّ ما حولها بعين المحبة والتواضع والمعرفة الحقيقية الصادقة.

عاش سكان كوكب السَّحَر دهوراً طويلة في ألفة ووئام، يزرعون أرض كوكبهم المعطاء ويستغلون خيراته خير استغلال، ويتقدّمون في مجالات العلم المختلفة، يكتشفون ويخترعون، ويبتكرون الوسائل المفيدة التي تؤمِّن لهم حياةً أقل عناء وأكثر عطاء.

وكان السَحَريون يعبدون الله بإخلاص ويطيعون شرائعه التي أنزلها على لسان أنبيائه وأوليائه، ولذا فقد كانوا يتمتعون  بالصدق وراحة الضمير، لا يعرفون الكذب ولا الخيانة، ولا أية صفة رذيلة أخرى.

على أنَّ مخلوقاً واحداً من أهل الكوكب، العالم كاسر، أحد علماء الطبيعة البارزين، وأكثر أقرانه غنىً وعِلماً وجاهاً، نظر حوله ذات يوم، فرأى السَحَريين الآخرين، ممن يقلون عنه،… تأمل في تفوّقه عليهم، فشعر بالزهو، ثم لم يلبث أن تملّكه الغرور، ثم الأنانية، إذ شعر بحاجة الآخرين إلى علمه وماله، فأصابه داء الكبر  والتسلط، وأكّد له غروره أنه الأجدر بحكم الكوكب بأسره، ما له وما عليه.

على أنَّ أهل الكوكب لم يكونوا يخضعون لحاكم إلا من الذين يتصفون بشدة التقوى والزهد، وسعة العلم والمعرفة، وكان لا بد لكاسر، العالم المغرور، أن يفعل شيئاً غير اعتيادي ليقنعهم بجدارته بالحكم، فهو، وإن كان عالماً بارزاً، إلا أنّه لم يكن يتّصف بالتقوى ولا بالزهد.

فكّر كاسرٌ وقدر، ثم أتاه الحل عبر مُركَّب جرثومي، كان قد طوّره في مختبره، كنوع من الجراثيم المسالِمة التي يستفاد منها في حقل الزراعة، ولكنه عدّل في حمضه النووي، حتى حوّله إلى نوع من الجراثيم الفتّاكة، ثم إنّه ابتكر مضاداً حيوياً لتلك الجراثيم يشفي منها، ويقي أيضاً عبر استخدامه كلقاح، … لقد أراد أن يقدّم الداء بيد والدواء باليد الأخرى، وأن يقبض الثمن!

وفعلاً، قام كاسر بتنفيذ خطته، وبسرية تامة، فأطلقَ جراثيمه في مياه الشرب التي تروي الكوكب الصغير، بعدما خزّن لنفسه كمّيّة كافية من الماء النقي، تكفيه ريثما يبطل مفعول الجراثيم ويُنهي لعبته الشيطانية.

لم يكن السَّحريون يعرفون المرض، فقد كانوا بطبيعتهم النقية التي تضاهي نقاء كوكبهم، قد حافظوا على كلّ شيء من شرّ التلوث، ولذا فإن جرثومة كاسر فاجأتهم وزرعت الذعر في أوساطهم وتركهم كاسر مدة من الزمن يعانون المرض وفتكه الذريع، ألماً وموتاً وصراعاً مريراً، … ثم إنه بدأ يعد العدة للخطوة التالية، فدعا أهل كوكبه جميعاً، الرازحين تحت وطأة المرض أو الموت، عبر وسائل إعلامهم، وأخبرهم أنّه اكتشف البلسم الشافي.

وحدث ما توقّعه كاسر، وما سعى إليه، إذ رأى أهل الكوكب فيه منقذهم الوحيد، ثم إنّه استغل ضعفهم في لحظات حاجتهم إليه، فأكّد لهم أنَّ الكوكب يحتاج إلى قيادة واعية رشيدة تحميهم من مخاطر مماثلة في المستقبل، فلم يجدوا خيراً منه لقيادتهم، فأجمعوا على تنصيبه حاكماً عليهم، وكان له ما أراد.

بل إنّ كاسراً كان له فوق ما أراد، لقد استطاع أن يشفي أهل كوكبه بدوائه العجيب، ولكنه في الوقت عينه أصابهم بالبَكمَ، فقد كان ذلك من الأعراض الجانبية للدواء، والتي لم يكن يعرفها حتى كاسر نفسه! وبما أنَّ أهل الكوكب أجمعين تناولوا عقار كاسر، دواءً أولقاحاً، فقد غدوا جميعاً بكماً لا ينطقون، واضطر كاسر لتناول عقاره أيضاً، ليبعد عن نفسه الشبهات، وهكذا، صمت كوكب السَّحَر، ولم يعد ينطق فيه أحد.

وسرّ كاسر بالنتيجة بدل أن يتأسّف، فقد تحوّل إلى حاكم مطلق لكوكب الصمت، وأراد أن يُحكِم سيطرته أكثر، فاتخذ له أعواناً، عبر الترهيب والترغيب، وراح يدمّر كل وسائل المعرفة في الكوكب، فقضى على المطابع والمنشآت الثقافية، وأحرق المكتبات والكتب والأوراق والأقلام، ثم حظر على الناس الكتابة،… لقد أراد كوكباً صامتاً لا عن النطق فحسب، بل عن التفكير أيضاً.

ولكي يضمن كاسر أن لا يرتفع صوت في الكوكب، جعل لقاحه إلزامياً للأطفال منذ الولادة، وبما أنَّ معاناة السحريين مع المرض كانت مرعبة، فقد رضخوا لحكمه ذاك، ولم يرضَ أحدهم أن يجازف بولده لتجربة الأمر، وفضّلوا أن يكون لهم أولاد بكم كإياهم، على أن لا يكون لهم أولاد أبداً، سوى طفل واحد فقط، كان أبواه عالمين جليلين اكتشفا بوعيهما المكيدة المدبّرة، ولكنهما عجزا عن التحرك، إذ لم يكن ليصدّقهما أحد، وخبّآ طفلهما السليم عن عيون كاسر ورجاله، وتظاهرا ببكمه حتى حين، ولكنهما تعهداه بالرعاية والتعليم خفية عن عيون الظالمين.

ومرّ الزمان، وذهب جيل وأتى جيل، واستمرت حياة الصمت وتنفيذ الأوامر، وأضحى الشعب جاهلاً لا يعرف إلا ما أملته عليه فطرته، … على أنَّ تلك الفطرة نفسها هي التي حافظت على فكر أهل الكوكب وإيمانهم بخالقهم، ولذا، فقد كانت هي شعاع النور الوحيد الذي لامس قلوب السَّحَريين، وحالت دون انتشار صقيع الصمت في حنايا العقول، كما انتشر في حنايا الأجساد.

وامتد ذلك الشعاع يوماً، فأضاء ركناً من عقل ناصر، أحد أبناء الكوكب من الجيل الجديد، … لم يكن ناصر يعرف معنى الصوت، ولكنّه كان يراقب ما يفعله أعوان الحاكم، من سلالة كاسر، من ظلم واضطهاد، إذ يضربون مَن يقصّر، ويسحقون مَن انتهت الحاجة إليه، فتعتلج في أعماقه عوامل شتى لا يفهمها، ويدعو الله في سره أن يتدخّل لينهي هذا الظلم، وينتظر وفي ذات ليلة، أغفى ناصر وهو يسأل نفسه، للمرة الألف، لِمَ لَم يتدخّل الله بعد؟!… واستيقظ في وسط الليل وقد وجد الجواب، إنَّ الثورة المكبوتة في أعماقه هي الرد على دعائه، فهو رفض الظلم الذي زرعه الله فيه وفي سواه، ليكون شعلةً توقِد في مشعل الثورة أول جذوة، ثم تتحول نوراً ساطعاً يكشف زيف الباطل ويهدي إلى الحق، وناراً تحرق من يعترضها وتذيقه وبال أمره.

أسرع ناصر مع بزوغ الفجر ليحمل النور إلى قلوب أقرانه، واستغل كل ما أمكنه من وسائل للتواصل غير السمع والنطق، ليؤدي رسالته، … ووصلت الفكرة، ومعها تفجّرت ينابيع الثورة!

أجل، لقد ثار أهل كوكب الصمت، ثاروا ثورة عظيمة، اتحدت خلالها قواهم، فأصبحت قوة واحدة جسيمة، فكسحوا كل ما أمامهم، ولكنهم كانوا يحتاجون قيادةً حكيمة تدبّر أمورهم بمعرفة ودقة كانوا يفتقرون لها، ليتغلّبوا على الحاكم الذي كان يفوقهم دراية وخبرة في مجالات شتى، … وبرز لهم فجأة، ذلك الطفل الفريد، الذي لم يكن قد أبكمه اللقاح، كان قد أصبح رجلاً عظيماً عالماً فاهماً قادراً على مواجهة ذلك الظلم والجهل المتجذر بفنون الفكر المبدع الخلاق!
وقام السَّحَريون بقيادة قائدهم الرشيد بثورة صامتة، لم تنطق فيها الألسنة، بل خفقت بها القلوب، وتدكدكت تحت أيديهم الحكيمة المتكاتفة عروش الظالمين.

في تلك اللحظات، لحظات الانتصار، ولد طفل جديد، … لم يُلقحَّ الطفل باللقاح المشؤوم بعدما انتهى أمر القائمين عليه، وصرخ صرخات الولادة، … ثم لم يصمت الصوت، بل شقَّ فضاء كوكب الصمت، بريئاً عذباً، يسبّح ويهلّل، ويناغي ويغرد، … يومها نطق كوكب الصمت، ثم لم يصمت بعد ذلك قط..

إغلاق