أسرة ومجتمع / صحة

الجائحة الجديدة … ملامحها وآثارها ونتائجها (ج1)

251-252 ( صحة )

الدكتور حسن يوسف حطيط*
مقدمة:

حلّت الجائحة الجديدة على عالمنا الحالي بشكل مفاجئ وصاعق ، وضربت أسس وفروع أنظمتنا وأجهزتنا وشبكاتنا الصحية والاجتماعية والاقتصادية بشكل مباغت وهدّام، وأجبرت معاهد الأبحاث والدراسات ومراكز العلوم والرصد العلمي ومؤسسات الوقاية الصحية على تغيير سياساتها وأساليبها البحثية وميزانياتها ،وشغلت الدنيا بآثارها الأليمة وعواقبها الوخيمة. ولم يستطع أحد, إلى الآن, من كبار الباحثين الموسوعيين والخبراء المنظّرين والعلماء المفكرين من أصحاب العقول المتخصصة والمستنبطة والمستقرئة أن يحيط بتفاصيل الجائحة الجديدة كلها ويرصد كل ملامحها وجميع آثارها ويحصي نتائجها الحاصلة والمتوقعة على جميع الصعد والجوانب من حياتنا الحالية والمستقبلية. سنحاول في هذه السلسلة من المقالات أن نسبر عوالم هذه الجائحة قدر المستطاع ونستكشف آثارها ونبحث في نتائجها ونسعى في فهم ما يصعب فهمه منها ومن عواقبها المتعددة والمخيفة! 

 أولا: تعريف الجائحة:

تعرّف منظمة الصحة العالمية الوباء بأنه: “انتشار مرض بشكل سريع في مكان محدد”، أما الوباء العالمي أو ما يسمى (الجائحة) فهو :”انتشار الوباء بشكل سريع حول العالم” . ويجب أن يكون المرض مُعدياً لتحقيق شروط وصفه بالوباء، فانتشار النوبات القلبية مثلاً لا يُعَدُّ وباءً، كما أن وصف الوباء لا يعني بالضرورة أن المرض فتّاك، أو سيوقع الكثير من الضحايا. وبالرغم من أن علم الأوبئة يضع حدوداً دنيا لتصنيف مرض ما على أنه تفشٍّ أو وباء أو جائحة، إلا أنه كثيراً ما يتم الخلط بين هذه المصطلحات حتى بين علماء الأوبئة أنفسهم وذلك لأن بعض الأمراض قد تصبح منتشرة أكثر أو مميتة أكثر بمرور الوقت، بينما يقل انتشار وخطورة أمراض أخرى، ما يجبر مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها على تعديل نماذجها الإحصائية. وهكذا وبعد أن بقي فيروس كورونا لشهور مصنّفاً على أنّه “وباء” صنفته منظمة الصحة العالمية مؤخراً على أنه “وباء عالمي” أو “جائحة”. وبعد أن يدرس الباحثون في علم الأوبئة المرض بشكل جيد ويحدِّدون مدى هيمنته (أي نسبة المصابين بالمرض) وآثاره وانتشاره، يصنفونه إما على أنه مرض متقطع، أو عنقودي، أو متوطِّن، أو مفرط التوطن، أو وباء أو تفشٍّ أو جائحة.

تنقسم الجوائح إلى 6 مراحل هي:

  • المرحلة الأولى: فيروس يصيب الحيوان لكنّه لا يسبب عدوى للبشر.
  • المرحلة الثانية: فيروس يصيب الحيوان لكنه يسبب عدوى للبشر.
  • المرحلة الثالثة: فيروس يؤدي إلى إصابة حالات متفرقة أو إلى إصابة جماعات صغيرة بالمرض، ولكن لا يزال غير كافٍ لإحداث وباء في المجتمع المحلي.
  • المرحلة الرابعة: خطر حدوث وباء بات قريباً إلا أنه غير مؤكد، أصبح المرض كافياً لحدوث وباء في مجتمع محلي.
  • المرحلة الخامسة: العدوى باتت منقولة من شخص إلى آخر وقد سببت حدوث إصابات في بلدين مختلفين موجودين في إقليم واحد.
  • المرحلة السادسة: الوباء بات عالمياً وسجلت إصابات في إقليمين مختلفين اثنين على الأقل.
ثانيا: الجوائح في التاريخ:

ظهرت الجوائح على مرّ التاريخ ضمن فترات متعاقبة أو متباعدة نوعاً ما، واجتاحت مدناً ودولاً وامبراطوريات، وجثمت طويلاً على صدور الشعوب في مناطق شاسعة من العالم، وانتقلت من قارة إلى أخرى عبر السفن والبضائع والمسافرين، وتفاقمت وعظُمَت بسبب الحروب والاضطرابات، وساهمت في خسارة جيوش وإسقاط أنظمة وإنهاء حضارات وتغيير نظم اجتماعية وسياسات حكومية واقتصادية، وتسببت بوفاة مئات الملايين من الأفراد عبر العصور.

 الجائحة الأولى: ظهرت في مدينة “الفَرَما”، بالقرب مما يعرف اليوم ببورسعيد شمال شرقيّ مصر عام 541م.

ووفقًا للمؤرخ بروكوبيوس الذي عاصرها، فقد انتشر «الوباء» إلى الإسكندرية غرباً، وإلى فلسطين شرقاً، ثم استمر في الانتشار. وقد بدت الجائحة كما لو كانت تنتشر بشكل واعٍ، «كما لو أنّها خشيت ألّا تأتي على أطراف الأرض جميعها». أول أعراض الوباء كانت الحُمّى. لكنّها وفق مشاهدات بروكوبيوس كانت خفيفة جداً لدرجة «أنّها لم تنذر بأي خطر» ولكن بعد عدة أيام، تطورت لدى المصابين الأعراض الكلاسيكية للطاعون الدُمَّلي؛ مثل التورمات أو الدُمَّل في الفخذ وتحت الإبطين وكانت المعاناة رهيبة حينئذ ولم يستطع أحد التنبؤ بمن سيهلك ومن سينجو.

الطاعون:

في أوائل عام 542م ضرب الطاعون مدينة القسطنطينية، وكانت حصيلة الموتى كبيرة. (اعتقد بروكوبيوس أن الحصيلة فاقت عشرة آلاف وفاة في اليوم الواحد، لكن لا أحد يستطيع التأكد من دقة هذا الرقم).

وكتب أحد المؤرخين: «لم يخرج أحد من المنزل إلا ومعه بطاقة تعرِّف باسمه»، تحسّباً من الإصابة المفاجئة. في نهاية المطاف، كُدّست الجثث في تحصينات على طرف المدينة. أتى الطاعون على القوي والضعيف، حتى أن الإمبراطور “جستنيان” أصيب به ووصل الطاعون إلى مدينة روما سنة 543، وشق طريقه إلى بريطانيا بحلول سنة 544.

انتشر الطاعون مرة أخرى في القسطنطينية سنة 558، ومرة ثالثة سنة 573، ومجدداً بعد ذلك سنة 586 واستمر في أوروبا ينتقل من مدينة إلى أخرى حتى سنة 750.

وقد ذكر المؤرخون أنَّ عدد سكان روما انحسر لما يقارب 30,000 ألف نسمة فقط.

الجدري:

الذي سُمّي «الوحش الأرقط»، والذي قتل ما يزيد على مليار شخص قبل أن يُجتث في منتصف القرن العشرين. لا يُعرف على وجه التحديد من أين ظهر المرض، ويعتقد أن الفيروس -الذي ينتمي إلى الجنس الذي يضم كلّاً من جدري البقر، جدري الجمال، وجدري القرود- بدأ بإصابة الناس عندما شرعوا بتدجين الحيوانات. وجِدت آثار للجدري في المومياءات المصرية، بما فيها مومياء رمسيس الخامس الذي مات عام 1157 قبل الميلاد، ويبدو أن الرومان التقطوا الجدري قرب ما يعرف اليوم ببغداد، عندما ذهبوا لمحاربة أعدائهم البارثيين سنة 162. وثّق الطبيب الروماني جالينيوس أن الذين أصيبوا بهذا المرض الجديد عانوا من طفح جلدي «متقرح في معظم الحالات وجاف تماماً» (يشار للوباء أحياناً بطاعون جالينيوس).

الكوليرا:

تحدث الكوليرا بسبب بكتيريا على شكل فاصلة عرفت بضمّة الكوليرا، وكانت محصورة على مرِّ التاريخ البشري في منطقة دلتا الغانج. ثم انطلقت في ثمانينيات القرن التاسع عشر على متن البواخر ومع الحملات الاستعمارية تعيث في الأرض فساداً. اندلعت أول جائحة كوليرا في عام 1817 قرب كالكوتا. ثم انتقلت عن طريق البر إلى ما يعرف اليوم بتايلند، وعن طريق البحر إلى عُمان، حيث حملت إلى زنجبار.

بدأت جائحة الكوليرا الثانية عام 1829 مرة أخرى في الهند، وشقت طريقها من خلال روسيا إلى أوروبا، ثم إلى الولايات المتحدة.

على النقيض من الطاعون والجدري، اللذان لم يتأثرا بالفوارق الطبقية، فإن الكوليرا التي تنتقل بالطعام والماء الملوث كانت من نصيب العشوائيات العمرانية.

 الأنفلونزا الأسبانية:

أصيب بها 500 مليون فرد حول العالم، بما في ذلك قاطني جزر المحيط الهادئ، والمنطقة القطبية الشمالية، وتسببت في وفاة ما بين 50 إلى 100 مليون فردٍ.

وقد كانت تقتل بشكل غير متناسب الشباب واليافعين من صغار السن والمسنين، وتسببت بوفاة أعداد ضخمة من الجنود والمدنيين خلال الحرب العالمية الأولى، وأدى تحرُّك القوات العسكرية وتحريك الفيالق وشنّ الحملات والغزوات خلال تلك الحرب إلى انتشار المرض بشكل سريع، كما ساهمت عمليات النقل والتوزيع التي جرت على الجبهات المتعدِّدة والمتباعدة على تحوُّر المرض وتحوله إلى جائحة مرعبة وقاتلة.

ومن الجوائح الأخرى التي تُذكَر في لائحة الجوائح الطويلة التي شهدتها البشرية وأودت بحياة الملايين من البشر وأصاب بعضها فئات عمرية معيّنة وفئات اجتماعية خاصة، في حين أصاب الآخر مناطق جغرافية محدّدة: الحصبة، والسلّ ،وحمّى التيفوس ،والجذام ،والملاريا ،وحمّى الصفراء ،وأنفلونزا آسيا ،وأنفلونزا سنغافورة ،وأنفلونزا هونغ كونغ  ،ومرض الإيدز ،وفيروس زيكا ،وإنفلونزا الخنازير.

هذه كانت أشهر الجوائح وأعظمها أثراً على الشعوب والدول وأكثرها انتشاراً وتأثيراً في التاريخ لضخامة الخسائر التي سببتها للمجتمعات البشرية واقتصاديات الدول، كما كان لها الأثر الكبير في تراجع حضارات ودول وأقاليم ونظم وظهور أخرى بديلة، وكانت السبب الرئيس في تحفيز أنواع معيّنة من العلوم الصحية واختصاصاتها على النهوض والتطور والاستمرار في البحث العلمي.

للبحث صلة

سنعالج في المقالات القادمة الملامح العامة والخاصة للجائحة الجديدة وآثارها الحالية على جميع الأصعدة وعواقبها المستقبلية.


* طبيب إستشاري ورئيس شعبة أمراض الأنسجة في هيئة الصحة،حكومة دبي.

إغلاق