أعلام وشخصيات

لمحات من حياة العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي(الحلقة الأولى)

251-252

إعداد: التحرير

في ذكرى شهادة النبي الأعظم (ص) من العام الماضي افتقد العالم الإسلامي، وخاصة أتباع مدرسة أهل البيت(ع) وبالأخص المهتمّين بالتاريخ الإسلامي والبحث الاعتقادي رائداً عظيماً من روّاد هذين المجالَين، هو العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي، بعد صراع مع مرضٍ عضالٍ ألمَّ به، لم يقصُر به عن متابعة نشاطه العلمي الدؤوب، وإثراء المكتبة الإسلامية بنتاجه الغزير.

وقد ارتأت أسرة المجلة نشر لمحات من سيرته الغنيّة تقديراً لجهوده العلمية وخدماته الجليلة، وعرفاناً بجميله ككاتب وباحث أثرى صفحات مجلّتنا بمقالاته القيّمة رغم كثرة انشغالاته وضيق وقته.

النسب الشريف:  

هو: جعفر بن مصطفى، بن محمد، بن مرتضى، بن حسين، بن حيدر، بن مرتضى، بن محمد، بن حيدر، بن محمد، بن مرتضى، بن حيدر، بن علي، بن حيدر، بن محمد، بن يوسف، بن محمد، بن قاسم، بن الحسين، بن محمد، بن عيسى، بن طاهر، بن محمد، بن علي، بن محمد، بن أحمد الناصر، بن يحيى، بن أحمد، بن علي، بن عيسى، بن يحيى، بن الحسين ذي الدمعة، بن زيد الشهيد، بن الإمام زين العابدين علي، بن الحسين، بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).

ترجع أصول عائلته «آل مرتضى» إلى بلدة جباع في جبل عامل في جنوب لبنان. وقد انتقل منها السيد حسين بن حيدر _جد جده_ إلى بلدة (عيثا الزط) «عيتا الجبل» قضاء بنت جبيل.

الولادة والنشأة:

أقام والده العلامة السيد مصطفى في بلدة دير قانون رأس العين مدةً حيث ولد السيد جعفر في آخر ليلة الجمعة الخامس والعشرين من شهر صفر سنة 1364ه، الموافق للتاسع من شباط سنة ١٩٤٥م. فسمّاه والده بجعفر ولقّبه بزين العابدين وكنّاه بأبي عبد الله.

وبعد عدة سنوات انتقل والده للسكن في بلدته عيتا الجبل، فنشأ وترعرع فيها.

الدراسة وبدايات النشأة العلمية:

نشأ السيد في بيئة علمية عمادها والده المقدس العلامة السيد مصطفى «رحمه الله» الذي كان عالماً عصامياً وأديباً وشاعراً. وله عشرات المؤلفات وقد طُبع قسم منها. وكان لديه واحدة من أهم المكتبات في المنطقة لما فيها من المصادر ونوادر المخطوطات.

التحق بمدرسة البلدة الوحيدة ذات الغرفة الواحدة ليوم واحد، ثم أخرجه والده منها حرصاً على دينه، ذلك أن الأستاذ الوحيد في المدرسة لم يكن مرضِي الفكر والاعتقاد ،فتكفّل والده بتعليمه القرآن الكريم، حتى أتقن تلاوته وكان له من العمر حوالي خمس سنوات، وبدأ بتعليمه علوم اللغة والنحو والبلاغة والعلوم الأخرى.

الشعر والأدب:

تمكن السيد من اللغة والأدب حتى أنه نظم الشعر قبل سن العاشرة من عمره، حتى أنه كان ينظم الشعر أثناء رعيه لماشية بيتهم في صباه ويكتبه على حجر ويحمل الحجر إلى بيته ليحتفظ به.

وحين تأكد والده من إتقانه، طلب منه أن يكفّ عن نظم القصائد، قائلاً له: أريدك عالماً لا شاعراً، فانطلق السيد في رحلة الدراسة الحوزوية بكل طاقته.

ومع ذلك، فقد نظم بعض القصائد والتأريخات فيما بعدُ بين الحين والآخر، وقد طُبع كثير منها في كتاب (دليل المناسبات في الشعر)، إضافة إلى قصيدة (سنابل المجد).

كما أنه كان مهتمّاً في صغره بمطالعة الكتب الأدبية فاكتسب منها ذوقاً خاصاً في الأدبيات وفنون الكتابة وأداء المعاني. فكتب في فترة صباه وشبابه قصصاً ومسرحيات وأموراً أدبية متنوعة واحتفظ بها. فلم تُنشَر إلى أن تلفَت حين تعرَّض منزله للقصف والتدمير في عدوان تموز 2006م.

الانتقال إلى النجف:

بعد أن تلقّى السيد «رحمه الله» على والده قسماً من دروس المقدمات، قرَّر الانتقال إلى النجف الأشرف – وبتشجيع من والده – لمتابعة دراسة العلوم الحوزوية وذلك في سنة 1382ه (1962م)، وكان يبلغ من العمر آنذاك سبعة عشر عاماً.

فنزل السيد «رحمه الله» في النجف الأشرف في مدرسة البروجردي «قدس سره»، ثم في جامعة النجف الدينية.

وبعد مدة قصيرة قرر الاستقرار في بيت الزوجية فتزوّج من كريمة آية الله المقدس الشيخ حسن العسيلي «رحمه الله». وعقد قرانه المرجع الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي «قدس سره».

وقد رزق منها بأحد عشر ولداً (خمسة ذكور وست إناث).

وتابع دراسته بجدٍّ واجتهاد، وقد شهد له أساتذته بالنباهة والذكاء والمثابرة منذ بدايات الدراسة، ولذا كان يرجع إليه الطلبة في مباحثة المطالب الصعبة، ويجدون معه الكثير من الفوائد واللطائف العلمية.

وقد كان من أبرز أساتذته في النجف:

1-آية الله الفقيه الشهيد الشيخ محمد تقي الجواهري: وهو أحد أهم أساتذة السطوح العالية في الفقه في النجف الأشرف.

2-العلامة البحاثة الشيخ محمد هادي معرفة: صاحب موسوعة (التمهيد في علوم القرآن).

3-آية الله الشهيد السيد عبد الصاحب الحكيم: نجل المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم، وأحد أهم أساتذة أصول الفقه في النجف الأشرف، ومقرر موسوعة (منتقى الأصول) التي قرَّر فيها أبحاث أستاذه المرجع الكبير المحقق السيد محمد الروحاني الأصولية.

الانتقال إلى قم المشرفة:
السيد جعفر مرتضى ووالده السيد مصطفى

في سنة 1388ه(1968م) طلب منه والده السفر إلى قم المشرفة في إيران، إذ أحس بأن الأجواء في النجف غير مستقرة ولم تعد مؤاتية بعد ظهور اضطرابات في العراق كانت تنذر بصعوبات قد تكون عائقاً له في طلب العلم. فنزل عند رغبة الوالد ،مع موافقة الاستخارة وانتقل إلى حوزة قم المقدسة، وقد كان من أوائل الطلبة العرب واللبنانيين الوافدين إليها.

وقد ظهر لأساتذته والقيّمين على الحوزة نباهته ودقة نظره ومتانة تحصيله العلمي منذ الأيام الأولى لنزوله فيها.

فدرس لدى أبرز أساتذة الحوزة ومراجعها، نذكر منهم:

1-المرجع الديني السيد علي الفاني الأصفهاني.

2-آية الله الشيخ مرتضى الحائري: نجل مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي.

3-آية الله الميرزا هاشم الآملي.

4-زعيم الحوزة العلمية في قم المقدسة، المرجع الأعلى السيد محمد رضا الكلبايكاني.

5-المرجع الكبير السيد موسى الشبيري الزنجاني.

وفي نفس الوقت، تصدى لتدريس العشرات من الطلاب العرب في المراحل الدراسية المختلفة.

كما كان يتباحث في علوم القرآن الكريم وتفسيره في جلسة علمية معروفة جداً في أوساط الحوزة، مع كبار العلماء في قم أمثال:الشيخ علي المشكيني، الشيخ إبراهيم الأميني، والشيخ علي الأحمدي الميانجي، السيد مهدي الروحاني، السيد موسى الشبيري الزنجاني، الشيخ أحمد الآذري القمي، السيد عبد الكريم الموسوي الأردبيلي، والسيد أبو الفضل مير محمدي، وغيرهم. واستمرت هذه الجلسة لسنوات عديدة.

تأسيس منتدى جبل عامل:

قبيل انتصار الثورة الإسلامية في إيران بدأ النظام الحاكم في العراق بتهجير وطرد طلاب العلوم الدينية الأجانب_ ومنهم اللبنانيين _ من النجف الأشرف. وبدأ الطلبة بالانتقال إلى قم المقدسة. فبادر السيد جعفر «رحمه الله» إلى استقبالهم ورعايتهم وتدبير أمورهم الدراسية والاجتماعية والمعيشية وغيرها رعايةً أبويةً بكل ما للكلمة من معنى.

وبعد انتصار الثورة تهافت إلى قم عدد كبير من الطلبة اللبنانيين ، فرأى السيد «رحمه الله» ضرورة تأسيس مقر لهم لمتابعة دراستهم بما يتوافق مع احتياجاتهم، فأنشأ في قم المدرسة العربية الأولى للعلوم الحوزوية «منتدى جبل عامل الإسلامي»، حيث كان الملجأ للطلبة المهاجرين، وخاصة اللبنانيين. وصار فيما بعد من أهم مراكز الدراسة، وجَمَعَ أهم أساتذة الحوزة العربية في قم.

وبعد أن كثر الطلبة اللبنانيون في قم أنشأ مبنىً ثانياً كبيراً  لمنتدى جبل عامل.

وبهدف التخفيف من عبء الوضع الاجتماعي والمعيشي الذي يعاني منه طالب العلم، عمل السيد جعفر على شراء مساكن للطلبة اللبنانيين المتزوجين في قم، فاشترى ما يزيد على 20 بيتاً ووقفها لأجل تلك الغاية. كما أن منزله كان ملجأً لكل الطلبة ومجمعاً لهم على مدار الأيام.

ومن خلال معرفته وإدراكه لأهمية البحث والتحقيق العلمي أنشأ أيضاً مركزاً للتحقيق «مؤسسة المرتضى «عليه السلام» للتحقيق»، لغاية تدريب الطلبة وتعليمهم آلية ومنهجية البحث والتحقيق، وقد استفاد من هذا المركز – تحت رعايته وتوجيهاته-الكثير من الطلبة اللبنانيين وغيرهم، وأصبح بعضهم فيما بعد من المؤلفين الفاعلين في المجتمع الإسلامي.

بداية الطريق إلى التحقيق:

كان السيد_رغم هذه المسؤولية العظيمة التي حملها تجاه الطلبة_ منكبّاً على البحث والتحقيق والتأليف. وقد ترك الكثير من المقالات والدراسات والمقابلات التي نشرت في العديد من المجلات والصحف.

وكان له بعض التعليقات في بدايات الدراسة في اللغة والنحو والفقه وغيرها، وطبع منها: تعليقة على حل الألغاز في النحو لابن هشام.

أما في مجاله الأهم؛ السيرة والتاريخ الإسلامي، فقد كانت باكورة تحقيقاته كتابَي: ابن عباس وأموال البصرة، وحديث الإفك.

ثم تتالت تحقيقاته التي امتازت – مع تنوُّعها – بالدقة والأسلوب العلمي، من قبيل: الحياة السياسية للإمام الرضا، والحياة السياسية للإمام الجواد. وشرع في تأليف موسوعته الكبرى (الصحيح في سيرة النبي الأعظم) وإصدار مجلداتها تباعاً.

وقد لفتت هذه الإنجازات العلمية نظر العلماء وصارت مورد اهتمامهم. فأوجد ذلك للسيد في أوساط الحوزة العلمية احتراماً عالياً وثقة كبيرة جعلته على علاقة وثيقة بأركان الحوزة ومراجعها.

العودة إلى لبنان:

في عام 1414ه (1993 م) عاد السيد إلى لبنان بعد وفاة والده وبناءً على رغبة والدته. فسكن في الجنوب في بلدة السكسكية مدة سنتين، وامتازت هذه الفترة بنشاطه التبليغي الواسع من خلال الجلسات اليومية في مختلف البلدات والقرى الجنوبية.

نشاطه العلمي:

سنة 1417م (1996 م) أسّس السيد في بيروت المركز الإسلامي للدراسات ليكون منطلقاً لنهضة فكرية وثقافية في مجال التحقيق والتأليف والفكر الإسلامي الأصيل. وبدأ من خلال هذا المركز بمتابعة نشاطه في التحقيق والبحث والتأليف على محاور مختلفة:

أولاً: تفسير القرآن الكريم: ألقى السيد في هذا المركز دروساً أسبوعية في تفسير القرآن الكريم اتَّبَع فيها منهجاً خاصاً، أطلق عليه اسم «المنهج الاستنطاقي في تفسير القرآن»، والذي يعتمد على استنطاق القرآن بكل مفرداته والتدقيق في دلالاتها ومعانيها بما يتوافق مع ما جاء عن أهل البيت(ع) دون أن يغفل عن مقارنة هذه الدلالات مع السياق القرآني العام والنظر في أسباب النزول. حيث كان يعتمد الفهم اللغوي والأدبي والسياقي، إضافة إلى ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام، وبعد ذلك يستأنس بآراء المفسرين كمرجع ثانوي لا يؤثر على المفهوم من نص الآية وتفسير أهل بيت الوحي لها. وقد حُرِّرَت هذه الدروس وطُبِعَ الكثير منها على شكل مؤلفات مستقِلَّة في تفسير سوَرٍ منفصلة.

ثانياً: الأسئلة والحوارات: من خلال الموقع الالكتروني للمركز تصدى السيد للإجابة على الاستفسارات، والتي طُبِعَت في العديد من الكتب المهمة والمتنوعة مثل: مختصر مفيد (21 مجلداً)، أسئلة وردتنا، مسائل في الدين والعقيدة وغيرها.

وكانت له العديد من المناظرات الفكرية المهمة مع علماء الأديان والمذاهب المختلفة، وقد طُبِع بعضها من قبيل: شبهات يهودي، الحاخام المهزوم، أين الإنجيل، أفلا تذكّرون، طريق الحق.

ثالثاً: دروس الفقه: تصدى السيد لتدريس بحوث الخارج في علم الفقه في المركز، وقد حُرِّرَت دروسه وطُبِع منها: الاعتماد في مسائل التقليد والاجتهاد (4 مجلدات)، بالإضافة إلى الكثير من المباحث التي لم تطبع.

رابعاً: رد الشبهات: كان السيد (رحمه الله) صمام أمانٍ فيما يتعلق بالشأن الاعتقادي، وقد بادر للتصدّي للشبهات والإشكالات العقائدية، وبيان وجه المغالطة فيها، وإثبات المطالب محل الجدل، وله في هذا المجال جهود مشكورة، أهمها:

  1. إثبات مظلومية الزهراء(ع) ودفع الشبهات المتعلقة بها: حيث ألّف كتاب (مأساة الزهراء(ع): شبهات وردود) في مجلدين والذي حاز على اهتمام مختلف الطبقات ووردت بحقِّه تقريضات من مراجع التقليد، وكبار الكُتّاب والمحققين، ثم انطلق منه لرد الشبهات الاعتقادية المتزامنة مع هذه الشبهة في كتاب (خلفيات كتاب مأساة الزهراء) في مجلداته الستة.
  2. تشييد براهين الإمامة والخلافة والمسائل المتفرِّعة عنها: وأهم ما سطَّره فيها كتاب ميزان الحق (4 مجلدات) وكثير غيره.
  3. رد الشبهات المتعلقة بعاشوراء تاريخاً ومراسمَ، والتي تهدف إلى إضعاف حرارة هذه المأساة العظيمة في قلوب المؤمنين، وذلك في رسائل منفصلة أهمها: عاشوراء: بين الصلح الحسني والكيد السفياني، كربلاء فوق الشبهات، مراسم عاشوراء.

خامساً: التحقيق التاريخي:

تابع السيد في لبنان مشروعه الضخم الذي بدأه في قم، فتابع تحقيقه الموسوعي المعمَّق للتاريخ الإسلامي من خلال سيرة عظماء هذا التاريخ، فاكتمل الصحيح من سيرة النبي الأعظم(ص) في 35 مجلداً، ليكون _ دون مبالغة_ أضخم عمل في السيرة النبوية.

تلاه كتاب الصحيح من سيرة الإمام علي(ع) في 53 مجلداً.

وكذلك سيرة الإمام الحسن(ع) في 12 مجلداً.

وسيرة الإمام الحسين «عليه السلام» في 24 مجلداً.

ليترك موسوعة رائدة في السيرة والتاريخ الإسلامي تصل إلى 124 مجلداً من التحقيق والتحليل و الدخول إلى دقائق هذه السيرة واستجلاء غوامضها وفصل الخلاف فيها.

كما ترك آثاراً في شتى مجالات العلوم الإسلامية، أبرزها: شرح عهد الأشتر، حقائق هامة حول القرآن، وغيرها حتى ناهزت 110 مؤلفات في أكثر من 250 مجلداً.

وكان آخر ما كتبه هو كتاب: مسائل في رسائل، بالإضافة إلى تنقيح وتبويب كتاب: خلفيات مأساة الزهراء «عليها السلام».

آثاره المفقودة:

في عدوان تموز الغاشم عام 2006م ، تعرضت ضاحية بيروت الجنوبية و بلدات وقرى الجنوب والبقاع  للقصف والتدمير، ومنها بيت السيد «رحمه الله» ومركزه. فخسر جزءاً كبيراً ومهماً من مكتبته التي حَوَت عشرات الآلاف من الكتب، وعدداً كبيراً من المخطوطات النادرة.

وقد فَقَدَ من جرّاء ذلك أيضاً آثاراً مهمة وكثيرة مما ألّفه وكتبه بخط يده، إذ لم يكن قد احتفظ منها بنسخ أخرى، فتَلفَت، ومنها: كتاب في علم الأصول يزيد على 16 مجلداً، ومؤلفات أخرى في علوم البلاغة واللغة والتفسير والفقه وغير ذلك.

منهجه في التحقيق:

تميَّز منهج السيد في البحث والتأليف بالدقة والتقصّي، وتحليل الوقائع وربطها والتعليق عليها والخلوص إلى نتائج واضحة. وهو ما يظهر جلياً في مؤلفاته، خاصةً موسوعاته في التاريخ الإسلامي يلاحظ المطالع لها تنوُّع الفوائد التي تحتويها في مختلف المجالات المعرفية، من عقيدة وأخلاق وتفسير وأدب، فضلاً عن موضوعها الرئيسي، برشاقةٍ وتوازن لا يُخرجها عن تنسيقها الأنيق، ولا يُنقِص من مضمونها العميق.

كما امتاز قلمه بالبيان السهل الممتنع، الجزل السلس، حيث كان باستطاعته أن يقدِّم أعقد المطالب العلمية وأعمقها بلغة سلسة يمكن للقراء _على اختلاف مستوياتهم _ أن يستمتعوا بها ويستفيدوا منها.

كل هذا حجز له موقع شرف في طليعة الكتّاب والباحثين الإسلاميين، وجعله يتربَّع على رأس هرم التحقيق في السيرة والتاريخ الإسلامي.

فكانت كتبه وأبحاثه محطّ اهتمام العلماء والباحثين والمحققين، الذين كانوا يتتبعون كل ما يصدر عنه «رحمه الله» ويعتمدون عليه مرجعاً في الكثير من القضايا العلمية. حتى أن كبار زملاء الفن كانوا يُرجعون إلى مؤلفاته دون أدنى حزازة كالمحقق الكبير الشيخ باقر شريف القرشي(رحمه الله).

هذا وقد اختارت عدة مجامع علمية وهيئات رسمية وغير رسمية عدة أعمال من نتاجه للمركز الأول في جوائز إصدارات العديد من الأعوام، كما نظمت له مؤتمرات تكريمية في عدة دول تقديراً لجهوده وإسهاماته.

توجيهات للطلبة في قراءة السيرة:

تشرفت مرة بمحضر العلامة الراحل السيد جعفر مرتضى العاملي قدس سره.

فسألته : كيف نقرأ السيرة؟

فقال لي: أنت (أي كطالب علم)، أم العوام؟

فأجبته: بل أنا.

فقال: إياك أن تبدأ قراءتك في السيرة بشيء من كتبنا( أي الكتّاب المعاصرين).

لأنَّ ذلك سيصبغ وعيك للسيرة بترجيحاتنا وتحليلاتنا، فالصورة الأولية عن الشيء ثابتة وعصيّة على التغيير.

فإذا أردت قراءة السيرة فاشرع بالأمهات الأربع: الإرشاد للشيخ المفيد، وإعلام الورى للطبرسي، ومناقب آل أبي طالب لابن شهراشوب، وكشف الغُمّة للإربلي.

ثم اشرع بعد ذلك بقراءة مجلدات السيرة من البحار (بطريقته الخاصة في قراءة البحار والتي أخبرني بها في جلسة لاحقة سيأتي ذكرها) .

أما في المهدويات فعليك أيضاً بقراءة المصادر الخمسة: كمال الدين وتمام النعمة للصدوق، ورسائل المفيد في الغيبة، والمقنع للمرتضى، وغيبة الطوسي، وغيبة النعماني.

فإذا قرأت ذلك كله فاقرأ كتبنا واستأنس من تحليلاتها بما تشاء فإنك ستحاكمها بناءً على معطيات النصوص لا العكس. هذا تحرير ملخص لكلامه قدس سره.

(يتبع في الحلقة الثانية في العدد القادم)

إغلاق