قضية ورأي

موثوقية التراث الشيعي

251-252

بقلم: السيد محمد رضا شرف الدين(*)

إنَّ معركتنا القائمة عبر العصور، هي المعركة العقلية الاعتقادية الفكرية التي من أجلها نرخص الدماء دفاعاً عمّا نمتلكه من هوية، فقضيتنا الآن هي أنّنا تمسّكنا بحبل الله الممدود واعتصمنا به ولم نتفرّق عنه، ولو أنّنا اعلنّا أنّنا فارقنا منهاج علي وآل علي (عليهم السلام) لسُخِّرت لنا جميع الإمكانيات ولحُملنا على الراحات وخَلُصت لنا خيرات العالم، وهي ضريبة ندفعها، فهنيئاً لنا وثبّتنا الله وإياكم.

المقدمة الأولى:

لم نجد فيما طُرح الى الآن من الإشكاليات والجدليات في مقام المعتقد، وفي مقام استنطاق النص والموروث، ونسبية الحقيقة،والتشكيك بولادة المولى صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والتشكيك بقضية الخمس، ومصادر المعرفة، إلا اجتراراً نمطيّاً لشبهات سحيقة القِدَم، تتم استعادتها إمّا من قِبل مؤسسات الغواية، وإمّا من قِبل السُّذج البسطاء الذين يقعون في حبائل أوهامٍ وشكوك مرضية، وإمّا من قِبل من يستورد الأفكار، بل حتى الحركات التي لا تُعد حركات ثقافية وإنّما هي حركاتٌ سلوكيةٌ قد تصنّف على أنّها للبسطاء من الناس.

وكلها تكرار لمن ادعى نيابة الإمام (سلام الله عليه)، وإنّما يجري التالون على ما أسّسه الأولون.

وهذا أيضاً يشمل ما جاء به الفلاسفة والمفكرون في عصر النهضة.

ولنكون بمأمنٍ من أنفسنا، فيكفينا أن نتصالح مع التراث وأن نرجع الى المصادر الاستقصائية لصيانة تراثنا وسيرتنا وتاريخنا، لنجد أنفسنا في غاية القوة، ونرى أنّ أئمتنا قد كفونا مؤونة الرد على هذه الشبهات برمّتها، بما فيه الكفاية وبما لا مزيد عليه.

نعم لا بد من وجود قناةٍ بيننا وبين تلك المصادر، فبعضٌ منها لغته صعبة، وبعضها يتناول جانباً معيناً، وغير أهل الاختصاص قد يشتبه عليهم الأمر، لذا فلا بد أن ينظر أهل الاختصاص إلى هذه المصادر التي تضم جميع الإجابات المطلوبة للرد على الشبهات ويقوموا بتحريرها وتقديمها إلى العامة.

إنّ العدو الفكري إنّما يريد أن يوصل البشرية إلى الضياع والضبابية، وهذا لا يقوم إلا باجتثاث البنى المعرفية والسلوكية للمجتمع البشري من الجذور، لأنّه طالما أنَّ هذه الشجرة ضاربة بجذورها تخوم الأرض، فلا مجال لاقتلاعها أبداً.

لذا يكون الهدف الأول ضرب الجذور كي لا يبقى مأوى للشجرة، ثم يأتي الهدف الثاني، وهو القول بأنّ تراثنا فاسد وموبوء وأن كتاب الله ببركة الهرمونوطيقيا ميسَّر الفهم والتأويل لكل شخص كما يحلو له، مع أنَّ مواصفات الهرمونيطيقيا تجعلها صالحة للنصوص اللا شعورية الفنية، لا للنصوص القانونية والفكرية.

ومن هنا، وبعد انتشار ظواهر التشكيك بالتراث، وردنا الكثير من أخبار إلحاد بعض الناشطين الإسلاميين لأنّهم قد تاهوا في شرنقة التشكيك.

المقدمة الثانية:

كلامنا هنا موجَّه إلى الفئة المسلِّمة بوجود الله، وضرورة الرسالة، والإيمان برسول الله صلى الله عليه وآله، وبكوننا مكلفين بخطاب إلهي.

محاور الرسالة الإلهية:

تشتمل الرسالة الإلهية على محورين أساسيين:

المحور الأول: القانون والنص: إنّ الرسالة الإسلامية كغيرها من الرسالات اعتمدت على نصوصٍ، والله سبحانه وتعالى بحكمته بنى التواصل مع عباده على أساس الكتب السماوية.

المحور الثاني: رجل القانون والشارح للقانون من أجل قطع غائلة التشويش على مفاد النص وشرحه بالطريقة المُثلى لأنّه أرقى النصوص المكتوبة.

ولا يُغني وجود أحد المحورين عن الآخر، فقد يترأى للقارئ بأن وجود رجل القانون قد يُغني عن وجود النص المكتوب، بل على العكس فإنّ رجل القانون يتجسّد فيه النص المكتوب.

ثم في مجال قضية الحجّيّة، فإنّ إثبات حجيَّة رجل القانون هي من النص، لأنّ النص مقدّس، ولذا فإنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) كانوا يثبتون حجّيّتهم بالكتاب.

ما يحصر النطق باسم الرسالة بهم، وتتحول المدارس المقابلة كلّها إلى مجرّد معسكرات.

تدابير معسكر السلطة:

لذا نجد التيار المقابل لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) عمد إلى ضرب هذه الحجية عن طريق فك هذا التلازم بين النص والشارح، وذلك باعتماد خطوات:

الأولى: منعَ من تدوين الحديث لفترة امتدت حتى وفاة معظم الصحابة وقسم من التابعين، أي الرجالات الذين أدركوا النص النبوي والرسالة.

مع العلم أنهم لا يعترفون بمعصوم من بعد الرسول (صلى الله عليه وآله).

ومن ثم فُتح المجال فجأة أمام التدوين، لتأتي النتيجة على الشكل التالي: تدوين البقايا التي بقيت في ذهن القلة الباقية والمتقدمة في السن، الأمر الذي أدّى إلى ضياع الكثير من الحق الذي نطق به المصطفى(صلى الله عليه وآله) واختلط في ثنايا ذاكرةٍ أنهكتها السنون.

الثانية: فتح المجال أمام الوضاعين للنصوص بشكل كبير.

ففي الزمن الأموي، ضُخّ الحديث بشكل واسع، ثم دوّن هذا الضخّ، فكثيرٌ مما كُتب هو في الواقع ضخّ للأكاذيب، دون أن يقوم أحد بدحض هذه الأكاذيب بسبب غياب الشواهد.

وهذا الأمر أنتج في تراث غيرنا أزمة كذبٍ وخلط بين الغَث والثمين، دون وجود مرجعية تحسم الأمر.

ومن المفروض أن يغطي الإسلام بتعاليمه وقوانينه ساحة الحياة بأكملها، ولكن منع تدوين الحديث، أدخل البشرية في فراغ الدستوري، والطبيعة تأبى الفراغ، وبهذا أُطلق العنان أمام منهج آخر، وهو منهج القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها، وبعبارة جامعة: منهج الهوى والتفسير بالرأي وبدون حدٍّ من أحد.

فكثُرَت مدارس التشريع والفقه المعتمدة على الرأي التي عمِل بعضها على تحسين سمعة السلطة ومصلحتها وإضفاء الهالة القدسية على السلطان الحاكم وغيرها. بمعنى أنّ منع تدوين الحديث قد حرم مدارسهم من التمتع برداء شرعيةٍ ضافٍ، فاستبدلوه برداء السلطة والتوسع (كبناء الدولة والفتوحات العسكرية) الذي بات أساساً لشرعية مدرستهم.

والمشكلة كلَ المشكلة أنّ ما تسمعونه الآن من إشكاليات وجدليات، هو قياس الأزمة التي يعيشها غيرنا على حالنا، وقياسٌ لمصادر الغير على مصادرنا، خصوصاً أنّهم استندوا على بعض النصوص الإمامية والتي تنذر بوجود عملية دسٍّ وتزويرٍ وكذبٍ وغير ذلك.

مدرسة أهل البيت عليهم السلام عصيَّة على الفراغ:

طيلة قرونٍ ثلاثة لم ينقطع عنّا حبل العصمة، فأئمة أهل البيت(عليهم السلام) كانوا موجودين وبالترتيب على مدى هذه القرون، فنحن قومٌ أصحاب كتب، وأهل تدوين الحديث.

وفي مقابل شرعية السلطة والتوسع، فإنّ أئمتنا(عليهم السلام) أسسوا لشرعية النص، والمنظومة المعرفية المتكاملة، بدءاً بأمير المؤمنين(عليه السلام) الذي كان شعاره وهو عاكفٌ في بيته، جمع كتب الله مع تفسيره وتفصيل ما أُنزل في الكتاب، وهو دستور حياةٍ كامل، وثابر (عليه السلام) على كتابته للمسلمين الذين تنكروا لحقه وهجموا على بيته، ولكنه رغم ذلك لم يتخلّى عن واجبه تجاه الأمة وإن كانت الأمة قد نبذته لجهلها.

ومن هنا أطلق أمير المؤمنين(عليه السلام)  حركة التدوين، ولكن كل ما دوّن حينها بقي لدى آل علي(عليهم السلام)، لأنّ السلطة رفضته وفرضت عليه قيوداً قاسية.

وهكذا انطلقت القافلة بدءاً بأمير المؤمنين(عليه السلام) الذي  بتدوينه حمى تاريخنا من الضياع والفراغ الذي وقع فيه غيرنا، وصولاُ إلى الإمام الباقر(عليه السلام) الذي قام ببسط هذه العلوم، وجاء من بعده الإمام الصادق(عليه السلام) في عصر التكاذب ليكون الشخصية العلمية الوحيدة التي أجمع أهل القبلة _ حتى النواصب منهم_على صِدقه، وبدأت الناس تأتي الى منبره ويقولون:” حدّثنا جعفر بن محمد “، ما دفع أعداء مدرسة أهل البيت إلى التدخل والسماح بتدوين الحديث، لتبدأ عملية التزوير، ويبدأ الصراع بين الحق والباطل.

خارطة حماية التراث:

علم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بوجود فرقةٍ مزوِّرة وعلموا باختلاط الكتب التي دوِّنت فيها أحاديثهم بالغث، وأخبرونا عن تفاقم الوضع، وعن وجود زمنٍ سينقص حضورهم لدينا، وعن زمن الغيبة، وبأنهم سينقطعون عن الاتصال المباشر بالقاعدة .

ولا يمكن لأحدٍ يؤمن بحكمة أهل البيت(عليهم السلام) وإمدادهم السماوي الغيبي، أن يقول بأنهم لم يتركوا خارطةً، ذلك أنَّ العاقل حينما ينذر بالخطر فلابد وأن يأتي بخطةٍ بديلة، أو أن يأتي بما يقي رعيته من الخطر.

كذلك أئمة الهدى(عليهم السلام) حيث أعلنوا بأنّ هناك دسً كذلك انبروا عملياً لرسم خارطة تقي الأمة من ذلك الدسَ.

قد يقول البعض بأنّ القرآن الكريم هو الخارطة، ولكنه بالمقابل حمّال وجوهٍ، ولذا استدل به الفرقاء المتناحرون، كلٌّ على أحقيته.

وأهم تقنيات تنقية التراث زمن أئمة الهدى(عليهم السلام) هي أحاديث العرض، والتي استمرَّت إلى زمن الغيبة الصغرى، وتمثَّلت بعرض كتب الأحاديث على الأئمة _ خصوصاً بعد الامام الرضا(عليه السلام)_ إلى زمن النواب الأربعة،  والعمل على تنقيتها، ولم يكلّوا ولم يملّوا إلى أن وضعوا بين يدي شيعتهم تراثاً نقياً صافياً خالياً عن الشوائب. وهي تلك الروايات التي يعبَّر عنها بالكتب المشتهرة التي تلقتها الطائفة بالقبول، وتبلورت فيما بعد بالكتب الأربعة :

1-الكافي: للشيخ محمد بن يعقوب الكليني، المتوفى في عام تناثر النجوم (329هـ) وسمّي كذلك لأنّ الطائفة خسرت فيه ثلاث شخصيات، وهم: محمد بن يعقوب الكليني البغدادي، وعلي بن الحسين بن بابويه القمي، والسفير الرابع علي بن محمد السمري.

2-من لا يحضره الفقيه: لمحمد بن علي بن الحسين بابويه، المعروف بالصدوق، والذي كان والده من أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) وتوفي في عام وفاة السفير الرابع.

3و4لتهذيب والاستبصار: وكلاهما للشيخ محمد بن الحسن الطوسي والذي كان من تلامذة المرتضى الذي كان بدوره تلميذ المفيد.

هذه الحلقة المترابطة أتت بأحاديثها وأخبارها من الأصول الأربعمائة، ثم الأصول الستة عشر، وهي عبارة عن المدونات التي أثبت فيها علماء الرواية من أصحاب الائمة عليهم السلام رواياتهم التي سمعوها عن الأئمة(عليهم السلام) وصنفوها وبوَّبوها، ومنها: أصل زُرارة، ومحمد بن مسلم، وكتاب حريز بن عبد الله السجستاني في الصلاة، وقد أثبت الشيخ الطوسي أسماء مصنفيها في كتابه (الفهرست).

وبفضل هذه الخطة، وقعت الغيبة الكبرى ولدينا تراث موثوق، بعيد عن الدسّ والتزوير من حيث الصدور.

ولكن نظراً لأنّنا عشنا في واقع مأزوم وأئمتنا (عليهم السلام) عاشوا في حالات الطوارئ فإنّ بعض كلماتهم كانت تنضوي تحت الخطة الأمنية، حيث تكلموا أحياناً بمقتضى هوى السلطة.

الأمر الذي قد يؤدي إلى تعارض دلالي بين أحاديثهم.

وهنا يأتي دور الفقيه الذي ينظر في الموضوع، وقد يختلف الفقهاء في النتيجة أيضاً، وتتفاوت معالجتهم لدلالة الأحاديث.

زبدة القول: نحن لا ندّعي كمال ما وصل إلينا وما بين أيدينا، ولكن فيه من النزاهة وشواهد الصواب ما يعيننا على استقاء معارفنا، وتحري تكاليفنا بقدر الوسع، وبما لا يشطُّ عن مجاري الصواب حتى يمن الله على الخلق بظهور حجته المنتظر (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف).


(*)تقرير ندوة ألقيَت في تجمع شبابي في العراق.

إغلاق