سؤال وجواب

سؤال وجواب

251-252

الإجابة بقلم: مرتضى السيد حيدر شرف الدين.
سؤال:

طُرحت في الآونة الأخيرة بين بعض الشباب المغترب جدليّة مفادها: أنّ النبي صلى الله عليه وآله وأئمة الهدى عليهم السلام تقتصر أعلميتهم على ما يتعلق بالشريعة ولا تتعدى منه إلى العلوم والصناعات المختلفة، وقد استدل متبنو هذا الطرح ببعض الروايات وكلام بعض الأعلام، ومن عمدته ما ذكره المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية نقلاً عن الشريف المرتضى والشيخ الطوسي مع تعليقه بما نصّه:” قال الشريف المرتضى في الشافي ص 188 ما نصّه بالحرف :” معاذ الله أن نوجب للإمام من العلوم إلا ما تقتضيه ولايته، وأسند إليه من الأحكام الشرعية، وعلم الغيب خارج عن هذا “.

وقال في ص 189:” لا يجب أن يعلم الإمام بالحِرف والمِهن والصناعات، وما إلى ذاك مما لا تعلق له بالشريعة.

إنّ هذه يرجع فيها إلى أربابها، وإنَّ الإمام يجب أن يعلم الأحكام، ويستقل بعلمه بها، ولا يحتاج إلى غيره في معرفتها، لأنّه ولي إقامتها، وتنفيذها “.

وقال الطوسي في ” تلخيص الشافي” المطبوع مع الكتاب المذكور ص 321:” يجب أن يكون الإمام عالِماً بما يلزم الحكم فيه، ولا يجب أن يكون عالما بما لا يتعلق بنظره ” كالشؤون التي لا تخصه ولا يرجع إليه فيها.

وهذا يتفق تماماً مع قول الشيعة الإمامية بأنَّ الإمام عبد من عبيد الله، وبشر في طبيعته، وصفاته، وليس ملكا ولا نبياً. أمّا رئاسته العامة للدين والدنيا فإنّها لا تستدعي أكثر من العلم بأحكام الشريعة، وسياسة الشؤون العامة.

قال الشيرازي: ” صحيح أن كلمة ” الأمر” في قوله تعالى وشاورهم في الأمر ذات مفهوم واسع يشمل جميع الأمور، ولكن من المسلم أيضا أنّ النبي(ص) لم يشاور الناس في الأحكام الإلهية مطلقاً، بل كان في هذا المجال يتبع الوحي فقط . وعلى هذا الأساس كانت المشاورة في كيفية تنفيذ التعاليم والأحكام الإلهية على أرض الواقع.

وبعبارةٍ أخرى: إنَّ النبي(ص) لم يشاور أحدا في التقنين، بل كان يشاور في كيفية التطبيق ويطلب وجهة نظر المسلمين في ذلك . ولهذا عندما كان يقترح النبي(ض) أمراً – أحياناً – بادره المسلمون بهذا السؤال : هل هذا حكم إلهي لا يجوز إبداء الرأي فيه، أو أنّه يرتبط بكيفية التطبيق والتنفيذ؟

فإذا كان من النوع الثاني، أدلى الناس فيه بآرائهم، وأمّا إذا كان من النوع الأول لم يكن منهم تجاهه سوى التسليم والتفويض. ففي يوم بدر جاء النبي (ص) أدنى ماء من بدر فنزل عنده، فقال ” الحباب ابن المنذر”: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزله الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: ” بل هو الرأي والحرب والمكيدة ” فقال: يا رسول الله ليس هذا بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه إلى آخر ما قال . . . فقال له النبي(ص):” لقد أشرت بالرأي ” وعمل برأيه علوم الحديث بين أهل السنة والجماعة والشيعة الإمامية الاثني عشرية ص129 قال:  وأخرج الأئمة أيضاً عن رافع بن خديج، قال: قدم نبي الله يَةِ المدينة وهم يأبرون النخل يقولون يلقحون النخل. فقال: “ما تصنعون؟” قالوا:…. إلى اخر الحديث.

– نعم ناقش فيه علماء الشيعة ولم يقبلوه وحمله بعضهم على إرادة التعليم الى الاعتماد على اهل الاختصاص في اختصاصهم.

– ومنه أنّه الامام الحسن (ع) استدعى الطبيب اثير بن عمرو الطبيب لعلاج الإمام أمير المؤمنين (ع) بعد الضربة فإذا كان الامام اعلم بالطب منه فلماذا يستدعيه؟ وهل من العقل والحكمة ان يُترك الاعلم ويُستدعى من هو اقل علماً منه؟

راجع الفقه على المذاهب الخمسة للشيخ محمد جواد مغنية ص 358.

فما هو الصواب في المسألة؟ وما هو الجواب على ما ورد فيها؟

الجواب:
يلاحَظ على الطرح المذكور أعلاه عدة ملاحظات:

١- إنّ الكبرى التي أُطلِقًت بحصر الأعلمية في التشريع وتبليغه، وعدم الحاجة إليها في سائر الموضوعات، هي غير خالية عن التناقض، ويظهر ذلك من عدّة مقدمات:

أ- إنّ رقعة الشريعة تشمل جميع الموضوعات المحيطة بالإنسان، ذلك أنّه لا يوجد موضوع في الخارج إلا وهو خاضع لأحد الأحكام الخمسة.

ب- إنّ إصدار الحكم الصائب متوقف على صحة صورة موضوعه عند الحاكم، وبناءً عليه فينبغي للحاكم على موضوعٍ ما أن يكون محيطاً بهذا الموضوع حتى يضعه في خانة الحكم المناسب له.

ج- لا يمكن للمعصوم أن يعتمد في تشخيص الموضوع حال تشريع الحكم على رأي غير المعصوم – مهما كان خبيراً، ذلك أن التشريع عند المعصوم هو وضع لحكم واقعي ثابت يحكي فيه حكم الله (عزّ وجلّ)، وليس كحال الفتيا عند الفقيه، التي هي استنباط ظاهري لما يُفهَم من أدلة هذا التشريع.

وعليه فإذا أخطأ الخبير الذي يراجعه المعصوم في تشخيص الموضوع – كما في الرأي المُفتَرَض- فإنَّ التشريع الإلهي المتعلق بهذا الموضوع سوف يأتي غير مطابق للصواب، فتكون شريعة الله المثبتة في لوحه خاضعة لكفاءة ونزاهة الخبراء غير المعصومين.

بينما لا يتعدّى الأمر في حالة الفقيه الخطأ في فتوى ظاهرية ليس إلا.

ويتلخص من هذا أن المشرِّع الإلهي حتى يكون الأعلم فيما يتعلَّق بالتشريع لا بدَّ وأن يكون الأعلم في موضوعات التشريع أيضاً.

٢– إنَّ الأحاديث التي استُدِلَّ بها في النص المقتبَس في السؤال تخالف ظهورات الكتاب العزيز، بل حاصل الربط بين آياته الكريمة، التي تصرّح بشمولية تبيان الكتاب، ما يدل باللازم على شمولية علم المبيّن للكتاب.
أ-“وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ” (النحل: ٨٩).

ب-“وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ” (الأنعام: ٣٨).

ج- ” إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ” (يس : ١٢).

سواء أكان الإمام المبين هو الحجة فيثبت أن كل شيء قد أحصي في علمه، أو كان هو الكتاب، فلا بد لمبيّن الكتاب والعالم بالكتاب أن يحصي كل شيء.

د- “وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ” (الرعد: ٤٣).

فمن عنده علم الكتاب عنده تبيان كل شيء، وما فرّط في علمه من شيء، وكل شيء أحصي في علمه.
هـ-إن لعلم هذا الكتاب مستودعاً ذكره الله تعالى:” بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ” (العنكبوت: ٤٩). فهو مودع في صدور حَمَلَته.

وإنَّ الله تعالى أمر الإنسان في صورة عدم العلم على إطلاقها بسؤال أهل الذكر، وهم الرجال الذين يوحي إليهم، قال تعالى:” وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”(النحل: ٤٣).
ففي كلّ حال كنتم فيه لا تعلمون فاسألوا أهل الذكر.

ز-إنّ الله (عزّ وجلّ) بيّن شموليّة علم الكتاب هذا لأسرار الطبيعة ونواميسها، فضلاً عن التشريعات في قوله تعالى:” قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ “(النمل: ٤٠).

فببعض علم الكتاب يصل الإنسان إلى هذه السيطرة على مقاليد الزمان والمكان والمادة والحركة، فكيف إذا احتوى على علم الكتاب كله؟!

٣-إنّ المشهد المعرفي في أي مطلب يتكوّن من:

أ- مجموع النصوص المتعلقة بهذا المطلب، والتي يكمّل بعضها بعضاً، ويبيّن بعضها بعضاً، فلا يمكن بناء التصور على نص أو نصين دون استقصاء تمام ما ورد في المقام.

ب- التراكم المعرفي من مساهمات العلماء في هذا المجال على مرّ العصور، إن كان مجموع ما أسهم فيه كل واحد منهم، أو كان مجموع ما أسهموه جميعاً.

وفي وسط هذه المنظومة، يكوّن كلام أي علم – مهما علا شأنه- مجرد رقعة في فسيفساء فسيحة المساحة، فلا يستشهد بقوله كمصدر وحيد في أي مطلب كان.

هذا إذا استقصينا رأيه، فكيف إذا اقتطعنا من كلامه نصاً في مورد؟!

٤- إنّ ما تم الاستشهاد به من نصوص روايات أو أقوال علماء ما هو إلا خانة صغيرة في رقعة كبيرة تحوي الكثير مما يبيّن بعضها وينفي بعضها الآخر عن الحجّيّة.

فالمشهد الروائي العام، والمشهور المطلق لأهل العلم على مرّ العصور يخالف ما ساقه الكلام المنقول في السؤال، حتى في بيانات بعض الأعلام الذين أورد مقاطع من كلامهم.

وللوقوف على حقيقة ذلك ننصح بمراجعة كتاب (علم النبي والأئمة بالغيب على هدى الكتاب والسُّنّة) لسماحة سيدنا الأستاذ العلامة السيد طعان خليل العاملي – دام ظله- فقد استقصى فيه الآيات والروايات وفئاتها وتفاسيرها وشروحها، واستعرض آراء الأعلام وأدلتها ومناقشاتها، في عمل موسوعي رائد لا يحتاج مُراجعه إلى مرجع من بعده(خاصةً ما ورد في هوامش ص ٢٣١ فما بعدها مما يتعلق بعلم المعصوم باللغات والصناعات).

٥- إنَّ أغلب مَن ذهب إلى اقتصار الأعلمية على التشريع كان في مقام تحديد القَدَر المتيقن عنده  الذي لا ينافي النبوة والإمامة، وليس في مقام تحديد ما يمكن أن يحيط به المعصوم فعلاً، وعليه فلا يتنافى قوله مع التشريف الإلهي للمعصوم بكرامة العلم الذي يزيده رفعةً.

هذا من باب التسليم جدلاً، وإلا فإننا قد بيّنّا سابقاً أنه لا فصل بين العلم بالتشريع والعلم بالموضوعات.

٦- إنّ رواية تأبير النخل التي استشهد بها مرفوضة المضمون لا من جهة العلم فقط، بل لمنافاة مضمونها للحكمة الضرورية للنبوة إجماعاً.

فهي لا تتضمن عدم العلم بالزراعة فقط، بل تتضمن تكلّم مَن لا يعلم فيما لا يعلم، وتسبّبه بالإفساد. وهو خلاف الحكمة، ومن أكبر موجبات التوهين المانعة من الثقة والاتباع.

فحتى لو غضضنا الطرف عن مسألة عدم العلم، فلا يمكننا غض الطرف عن مسألة التكلم بما ليس له به علم، وإفساد معاش أتباعه بسوء المشورة – والعياذ بالله-.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق