قضية ورأي

تطور حضاري، أم دمار شامل؟

253-254

بقلم: مرتضى السيد حيدر شرف الدين

“ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون”

( الروم: ٤١)

خلق الله عزَّ وجلَّ الكون بتناسب دقيق، فجعل كلّ شيء فيه  بمقدار مناسب للحاجة إليه. تطلّع الإنسان إلى خيرات الرزق الإلهي المقدّر فأعجبه الكثير منها فقرر استدامته والاستكثار منه وبدأت رحلة العبث بالطبيعة والحياة.
العبث بالغذاء:

كانت النباتات تثمر في مواسم تُناسب طبيعتها، وفي أماكن ذات مناخات متناسبة معها. بل كانت طبيعة هذه النباتات وما تقدّمه إلى جسم الإنسان تناسب الفصل الذي تنبت فيه، والمنطقة المناخية التي تنمو فيها. راقت النباتات للإنسان طعماً، وراقه استدرار الربح باستمرار الإتجار بها.

فبدأ باستدامة إنتاجها عبر صنع البيئات المصطنعة لها لتصبح متوفرة في كل زمان ومكان، دون تأمل في مناسبتها لمزاج الزمان والمكان فتغيّرت خصائصها ونكهاتها، وفسدت أمزجة الأجساد.

ولم يقف الإنسان عند هذا التغيير الزماني، بل عمد إلى  استعجال نمو الثمر وتكبير حجمه لمضاعفة المواسم وربحها، فتوجه لاستعمال السماد الكيميائي، الذي أمّن له ناتجاً كثيراً، ولكنه  خالٍ من لذة الطعم، بل ومن الفائدة الصحية، فضلاً عن كونه مشحوناً بقابليات المرض.

ولم يقف النهم البشري عند هذا الحد، بل دفعه التوق إلى التخليط في الطعم والنوع إلى استخدام العلم في التعديل الجيني الذي وصل بآثاره  إلى حد سرطنة الغذاء.

هذا على صعيد الثروة النباتية، فماذا عن الثروة الحيوانية؟

في نفس السياق الاستكثاري والاستهلاكي الساري في النباتات، عمد الإنسان إلى تطبيق نفس السياسة مع الحيوانات. عن طريق اصطناع وجود الدواجن وتكثيرها كمّاً وحجماً بالعلف الكيميائي، وبمادة الكورتيزون فحوّلها إلى كائنات اسفنجية مشحونة بالأمراض.

الثروات الطبيعيّة والجشع المدمّر:

سبر الإنسان غور الأرض، فاكتشف ما في جوفها من ثروات، وعرف قيمتها ومجالات الاستفادة منها وما يترتب عليها من فتح آفاق في الاسترباح. وكانت الصدارة في هذا السعي لقارة أوروبا التي لم يكن نصيبها من هذه الخيرات وفيراً، ولكن لم يكن ينقصها أي حافز يدعو إلى البحث عن هذه الثروات في كلّ مكان، والحصول عليها بأيّ طريقة.

فكانت حركة الاكتشافات الجغرافية التي وصلت إلى زوايا مسكونة من الأرض لم يكن الأوروبيون يعرفونها قبلاً، ولا كانت شعوبها تعرف بوجودهم أيضاً، ولسوء طالع هذه الشعوب فقد كانت أرضهم مليئةً بالثروات الطبيعية، فسال لعاب شعوب عصر النهضة وأبادوا السكان الأصليين واستباحوا الأرض.

ولم يكن حال جارتهم السمراء القريبة أوفر حظاً، فسطوا عليها، ونهبوا خيراتها، لكنهم لم يبيدوا شعوبها، بل قتلوا منهم من تطلّبت ضرورة الإرهاب قتله، ثم استحيوا الباقين ليستخدموهم في عملية استخراج الثروات حول العالم بطريقة لا يتحملها كائن حي، فضلاً عن الإنسان بالخصوص.

ثم لما اقتضت المرحلة لبس قناع الحضارة، توقفت حملات الإتجار بالرقيق والسطو على الأرض، وحلّت محلها تقنية تلفيق الحكومات التي تبقي على امتيازات للشركات الأجنبية تؤمن لها نهب الثروات والاستفادة القصوى منها ورمي أقل من فتات إلى أصحاب الأرض. وغابت الإبادات المكشوفة، ليأتي عصر اصطناع الحروب بذرائع مختلفة في سبيل الإبقاء على مصادر الثروة تحت السيطرة.

وفي كلا الحالين كان الثمن إزهاق عشرات آلاف الأرواح من البشر. فضلاً عن الجرحى والمعوقين جسدياً ونفسياً، والمشرّدين.
والمضحك المبكي أنّهم وبفضل النهضة العمرانية والتأمينات الاجتماعية التي أسبغوها على شعوبهم ببركة ثروات الشعوب المقهورة الرازحة تحت نير الاستعباد المقنّع، والحكومات المتواطئة، وسياسة الحرمان والتجهيل، والإبقاء على الاضطراب الاجتماعي، والتخلف الثقافي، قد أقنعوا هذه الشعوب بجلد الذات وشيطنتها، والتوق إلى الآخر المتقدّم المتحضر الذي يستحق التنعم بخيرات الأرض، لأنه يمثل رقي الإنسانية، في مقابل الشعوب الهمجية المتخلفة التي لا تستحق أن تعيش، في تشويه للذات وتمويه للآخر شارك فيه لاعبون أجانب ومحلّيون، من وسائل إعلام موجّه، وكتاّب وأساتذة ومثقفين مستلَبين، في ظلّ ضياع للمنطق السببي العلائقي الذي يعطي الإنسان مهارة النقد، وموهبة رسم علامات الاستفهام.
فكان حالها كحال أخوين شريكين في العمل مات أحدهما وترك زوجةً وأطفالاً، فاستولى الآخر على الشركة والأملاك والدور، ورمى أسرة أخيه في الشارع بلا مالٍ ولا مأوى، مستأثراً بالمال الذي خوّله أن يرفع مستوى أسرته المعيشي، فعلّم أولاده في أرقى المدارس، واستقدم لهم مدربي فنون اللياقات الاجتماعية، فضلاً عن الرفاه في الملبس والمأكل والمسكن والارتياض .
وكان أولاد أخيه في ذلك الوقت يطوفون الشوارع بين لعب بالتراب، وبحث في النفايات عن بقية قد يستفاد منها لمأكل أو ملبس، وعمل مهما كان وضيعاً.

وإذا بأرملة الأخ الميت، وبدل أن ترثي لحال أولادها، وتحنق على العم الغاصب، وإذ بها توبّخ أولادها على مظهرهم القذر، ولغتهم السوقيّة، وجهلهم بالقراءة والكتابة، وتعيّرهم ببني عمّهم المهذبين الأنيقين المثقفين.

سباق التسلّح:

فرضت عملية التنافس المرير بين أقطاب العالم على الثروات ومصادر الطاقة، وما ترتب عليها من صراعات دموية بينهم أو مفتعلة منهم بين شعوب المناطق الغنية، النزوع إلى سباق التسلّح.

سباق لم يكن ليقف عند حد طالما أنه محدوٌّ بهدفين:

١- خوف من تفوّق الآخر وتغلّبه، خاصة وأن أبناء القيَم الواحدة يعرفون حجم التوحش المستتر خلف هذا الوجه الجميل، وأن الشريك- الخصم إذا تفوّق فإنه لن يرقبَ فيهم إلّاً ولا ذمة.

٢- توسّم ربح وفير من تجارة بالموت، تغذي فيها هذه الدول أسواق المتناحرين بالأسلحة المختلفة بأثمان باهظة، بل تخلق أسواقاً جديدة عبر العمل الأمني الذي يفتعل المشكلات هنا وهناك .

فتحولت الصناعة العسكرية من وسيلة دفع المخاطر عن الإنسان إلى مصدر خطر شامل على وجوده، بلغ ذروته في الحرب العالميّة الثانية التي حسمتها الولايات المتحدة لصالح معسكر الحلفاء باستعمال القنبلة النووية في اليابان عام ١٩٤٥، الذي منع الزرع وأنتج التشوهات في مواليد البشر والحيوانات في البقعة المستهدَفة مدة نصف قرن.
فانتهت الحرب بهزيمة دول المحور عسكرياً، وزوال أنظمتهم سياسياً، وتطويب قادتهم كرموز للشر والاستبداد والإجرام، دون خصومهم رواد الضربة النووية، الذين أصبحو صانعي سلام ورموز حضارة، مع أن الميدان واحد، والسباق في الإبادة والتوحش سجالٌ بين المعسكرَين، إن لم يكن قصب السبق للمعسكر المنتصر.

هذه العاقبة الوخيمة للاستعمال النووي لم توقف سباق التسلّح النووي بين الدول الكبرى، بل تابعت سباقها في تطوير هذه الطاقة، والذي أصبح خطره يهدّد حتى الدول المنتجة، حيث أن خطأً بسيطاً قد يؤدي إلى كارثة عظمى، هو ما حدث فعلاً في تشيرنوبل في أوكرانيا عام ١٩٨٦ حيث أدى تسرّب إشعاعي من مفاعل نووي إلى آثارعلى نتاج تلك المنطقة من الأحياء لم تنتهِ حتى اليوم، فضلاً عما خلّفته المتفرقات اليومية من آثار الحروب ، ومخلفات أسلحتها في مختلف أنحاء العالم.

تجارة الطب:

وليت الجشع وقف عند حدود الغذاء ومصادر الثروة، بل تعدّى ليشمل الطب الذي كان علم إنقاذ لحياة الإنسان، وإذ به يتحول إلى بورصة تجارية متوحّشة لا تتورع عن اجتراح العلاجات غير الفعّالة لتطويل أمد المراجعة الطبية، بل حتى صناعة موجات المرض ثم التصدّي لعلاجها، ناهيك عن الأسلحة البيولوجية، التي تنتجها المختبرات لا المصانع، وعلى أيدي عباقرة مجال كان يفترض أن يكون المجال الأول في الإنسانية، وإذ به يصبح شريكاً فاعلاً في لعبة الموت.
فصار المريض في موقع المضطر المتحيّر الذي لا خيار له سوى الخضوع لرحمة يد غير أمينة على أمل شفاءٍ، إن كان، فغالباً ما لا يكون تاماً.

نحن ونظرية المؤامرة:

قد يحسِب البعض كلامنا هذا على نظريّة المؤامرة التي باتت وصمةً تُخرج الكلام عن حد المعقول والمصغيّ إليه. والواقع أنّ كلامنا بعيد كل البعد عن مدلول هذا المصطلح في أذهان المعترضين المستلَبين، فنظرية المؤامرة تذهب إلى وجود أبعاد سياسية لهذا العبث تستهدف شعوبنا لتقضي عليها، فيأتي المعترض ويقول إن هذه السياسات العلاجية والتقنية تُسخدَم مع شعوب الدول الكبرى قبل شعوبنا فتنتقض النظرية.

أمّا نحن فنتحدث عن أبعاد اقتصادية استرباحية تهدف إلى تحويل الناس إلى مستهلِكين ثم استهلاكهم على جميع الصُعد، ولا يرد علينا اعتراضهم، لأن مصطلح الناس هنا يشمل حتى شعوب هذه الدول لصالح الشركات العملاقة، والسياسة العالمية بكلّ أبهتها وغطرستها ما هي إلا وسيلة صغيرة تخدم هذه الأهداف، وترسم مساراتها بما يتطلّبه الاسترباح.

التوحّش الصناعي:

كلّ ذلك في ظلّ نهضة صناعية نوّعت مشاهد الحياة بمستحضراتها وسرّعت إيقاعها بوسائل النقل، واستدامت حركتها بوسائل الطاقة والتسلية، لكنها أفسدت الماء والهواء، فملأتها بمئات الأنواع من السموم الفتاكة، التي ابتدعت في جسد الإنسان تلاوين من الأمراض وفي ذهنه أفانين من الاضطرابات، فتحوّل السرطان إلى مرض شائع مألوف، وصار التوحد ظاهرة متفشية بين الأطفال، وهنا جاءت نفس المنظومة لتعلن عن أبحاثها الجبارة في مواجهة هذه الأمراض وتحسين حياة المريض، فصفّق إعلامها إعجاباً بإنسانيتها وحرصها على سلامة الجنس البشري، كما يصفق الجمهور لرحمة الجزار وهو يسقي الذبيحة قبل ذبحها.

وبعد تلويث الأرض وفضائها، بنى الإنسان صرح فساده فبلغ إلى طبقات الغلاف الجوي، ليعبث بفلترة شعاع الشمس، ويثقب طبقة الأوزون.

كل ذلك في ظلّ سرور المستهلك الغافل، المسرور بما يستهلك من وسائل رفاهية عبثت بساعة جسمه البيولوجية التي فقدت النوم والراحة والتأمل، وكلّ ما يغذّي الجهاز العصبي المركزي ويريح الجهاز النفسي.

وأغرته بوسائل النقل السريع المريح، وآلات العمل غير المجهِد، فشكى جسده من قلة الحركة، وعانى من آثارها عليه، فبادرت لتبيعه خدمة الحركة المدفوعة الأجر في النوادي وآلات الارتياض، في تطبيق أمين لنظرية المنشار في الربح على الاتجاهين.

العبث بالطفولة:

ومن الجسد، انتقل التسريع العبثي إلى العقل تحت عنوان التبكير المعرفي للطفل، فتم إخراج الطفل من أحضان الفطرة في وقت مبكر من عمره ليخضع لفوضى معرفية أخلّت بتوازنه الروحي غير المشبع، والنفسي غير المستقر، والعقلي الذي خضع لحشو نفّره من المعرفة ومصادرها. فتحوّل إلى كائن سببي مادي منافس في هدف لا يعرف مغزاه، وجارٍ في حلبة لا يعرف غايتها.

فإذا ما عاد إلى البيت وجد أسرة أغريت بسراب رفاهٍ رفع مستوى متطلبات حياته فتحولت إلى لهاثٍ غير منقطع خلف لقمة عيشٍ متعددة الشروط والأشكال، فصار الأب آلة إنتاج مغلوبة في زمانها ومكانها، وتحوّل إلى مجرد حصّالة نقود ليس لها أدنى مدخليّة في تشكيل الوعي المعرفي والنضج العاطفي والمهارات الحسية الحركية لدى الطفل.

ثم استدعت الأم لتتبعه في هذا السباق لتغدو شلواً ممزقاً بين متطلبات الأمومة وضرورات العمل. ولا يبعد أن تكون بدعة الحضانة ورياض الأطفال، التي لم يحبذها حتى علماء التربية من أبناء هذا الاتجاه، إنما هدفت لإراحة الأم من الطفل بهدف الاستفادة من يدها العاملة الزهيدة التكلفة نسبياً.

وكانت الأزمة تتطلب نزع الصاعق لتنفجر، فجاءت الثورة الإلكترونية لتصرف كيان الطفل عن التتبّع الحسي، والتمرّن الحركي، وتلقيه في أحضان جهازٍ يشلّ حركته، ويحتكر انتباهه إلى وجهةٍ  واحدة، ليعيش وعيه وكيانه تحت رحمتها، لتتفنّن في تشكيل شخصيته المعرفية والانفعالية، وتتلاعب بميزان القيم لديه، فيتحوّل إلى فرد مغترب داخل الأسرة، يعاني من نقص التواصل، والانكفاء على الذات، وتغلّب الخيال على العقل.

وهنا يُفتح الباب على مصراعيه لاضطرابات الشخصية، والصعوبات التعلّمية، والأمراض المرتبطة بها، فيدخل الطفل إلى عالم العلاج بشقّيه الدوائي والنفسي المعرفي، وتستمر دوّامة الربح للكيانات الاقتصادية العالمية العملاقة على حساب هذا الكائن الذي يدفع لجناح منها ثمن الداء، وللآخَر ثمن الدواء.

ماذا عن المجتمع ؟

لقد تمكّنت هذه المنظومة من اكتساح المجتمعات بجميع محاورها، وتفكيك عراه عروةً بعد عروة، وتحويل أفراده تدريجياً إلى مخلوقات جديدة لا تشبه ما كانت عليه إلا شكلاً. وكان لا بد للوصول إلى هذا الهدف من فرض تغييرات على مختلف الصعُد.

إلغاء الخصوصيّة:

إنّ تعدّدية المشهد الثقافي لسكان العالم وتنوّع الخصائص المجتمعية من بلد لآخر تجعل مهمة تطويع الجميع لإرادة الاسترباح مهمةً صعبة تتطلّب جهداً مضاعفاً عبر رسم خطط متعددة بتعدد الحضارات، وقد تبقى بعض الحضارة منيعةً أمام هذا الغزو لقوة منظومتها وتأصل قيمها، لذا كانت المهمة الأمثل هي تعميم ثقافة واحدة على العالم كله تتناسب مع الاسترباح غير المحدود، وتخدم غاياته إلى أبعد الحدود، فكانت فكرة العولمة التي جنّدت في سبيلها السياسة والعسكر  والعلم والتطور التقني والإعلام والفكر، فكل هذه وسائل لا هدف لها سوى خدمة الهدف الأعلى: الربح المتزايد. فلم يعد هناك  فرق شاسع بين الشرق الأقصى والأوسط  وإفريقيا وأوروبا وقارات العالم الجديد في الاجتماع حول  مائدة الاستهلاك، بعد أن شحن العقل الجمعي بقيمها، وسُكِن اللاوعي العام بأحلامها .

الإنسان المستهلِك:

لا يوجد عاقل يقبل أن يوقع نفسه في دوامة من الالتزامات التي تحتاج تغطيتها إلى استهلاك عمره في انشغال نفسي بالتفكير والتخطيط والجدولة، وجسدي بالبحث عن سلسلة أعمال إنتاجية إلا إذا كان لذلك هدف مسيطر على وعيه يدفعه إلى الانغماس في هذه الدوامة على حساب أي شيءٍ آخَر.

وهنا بدأت الكماشة تطبِق على المجتمعات من كل الجهات: شركات إنتاج تتفنّن في تطوير أشكال وخيارات السلع الكمالية، من سيارات وأجهزة كهربائية وإلكترونية، وأزياء، وأطعمة، ومستحضرات. ووسائل تسويق تحيط بالإنسان من كلّ جانب، يتفنن في تصميمها محترفون، يأخذون معطياتهم من علماء نفسٍ يعطونهم وصفة وضع الإنسان في حالة انتباه تعقبها إثارة تؤدي إلى استجابة حتمية، ويسلمونهم كلمة السر لتعطيل الإرادة لحساب الرغبة، إغراق الإنسان في مستنقع الشهوانية بكل أبعادها، مستخدمين المرأة كرقيق أبيض يربطونه بكلّ منتَج ليؤدي إلى قرنٍ أكيد بينه وبين الإثارة الجنسية، فيساهم في ضمان الاستجابة وتحويل الفرد إلى مدمن استهلاك.

وهنا تشكّلت الحلقة المفرغة: إثارة فاقتراض فشراء فاجتهاد في العمل للتسديد. ليسيطر هذا المربّع على حياة الإنسان، مطيحاً بأي شيء آخر.

ولتكن مطمئناً -عزيزي القارئ- بأنّ كلّ ما تراه من سعي حثيث للتطوير والتحديث في تقنيات وسائل النقل والاتصال والأجهزة الأخرى الذي تعمل عليه ليل نهار عقول جبارة، لا يهدف لرخائك ولا لتأمين راحتك، ولا لتسهيل حياتك، بل يهدف إلى أمر واحد لا شريك له: أن تبقى في حالة شراءٍ دائم .

هذا بالنسبة إلى الأولاد المطيعين للأب الداعي للاستهلاك. أمّا الممانعين الذي رضوا بالقناعة وتخلفوا عن ركب مواكبة الجديد، فكان الحلّ جاهزاً لإلحاقهم قسراً: عمر افتراضي للسلع يجعلها تموت بين يدي صاحبها فيضطر إلى اقتناء غيرها مكرهاً إذ لم يفعل ذلك طائعاً.

الحلقة الأضعف: كلّ شيء آخَر.

لا يشعر الكائن المستهلِك بما خسره في غمرة خضوعه لهذا المربّع السحري، فالضجيج الذي تحيطه به الإعلانات ووسائل الإعلام، وأخيراً وسائل التواصل الملازمة لليله ونهاره، وضغط العمل المتسارع لمواكبة متطلبات الحياة المتزايدة على ضوء هذا النمط لم تترك له مجالاً للنظر إلى الخلف واكتشاف حجم الخسائر التي مُنيَ بها.

لكن ذلك لا ينفي حقيقة أنه خسر تقريباً كلّ شيء كان يتنعم به، ما عدا السلع المتعاقبة التي يقضي عمره في طريق شرائها. وفيما يلي سنستعرض أهم هذه العناصر التي زالت مع تحوّل الإنسان من كائن اجتماعي عاطفي باحث عن المعرفة، إلى كائن استهلاكي.

١-أما الترابط الاجتماعي بين الأرحام والجيران وأبناء المجتمع الواحد فقد بات في خبر كان، فلا مجال له سوى أوقات فراغ متقلصة المساحة يوماً بعد يوم، وهذا التراجع العملي في التواصل ترافق مع تراجع عاطفي، فالاهتمام بالآخر وعيش حالة الجماعة لم يعد له وجود في ظل معادلة المثير/الاستجابة التي أغرقت الإنسان في فردانية لا مكان فيها لهمٍّ خارج نطاق الذات.

٢- وأما الثقافة والأدب والهوايات النافعة فصارت ترفاً لا يفكّر فيه الفرد المثقل بالأعباء المتزايدة. فتراجع مستوى الذكاء عند الإنسان إلا في المجال المهني الخاص به، والذي لا بد من بقاء الذكاء فيه حتى يبقى هذا الإنسان منتجاً لصالح المنظومة الكبرى وعاملاً في سبيل زيادة ربحها، ومن جهة أخرى ليبقى قادراً على الاستهلاك المستمر الذي يصب في خانة ربحها أيضاً.

٣-ثم جاءت الضربة القاضية لهذا الكيان الإنساني مع سلب أوقات الفراغ حتى من الأسرة -فضلاً عن المجتمع- عبر أسلحة متعددة الأسنّة، بدأت مع وسائل إعلامٍ تستولي على وقت الفراغ، موهمة الأسرة بأنّها حافظت على اجتماعها، ولو دون تواصل إلا مع هذه الآلات التي باتت مرشداً موجّهاً يشحن النفوس بشحنات الانفعال المضاعفة عما هو في الطبيعة. ويضغط الأعصاب بتوترات ما كانت لتتحمّلها لو عاشت نفسها ومحيطها.

ويشوّش الذهن بكميات هائلة من المشاهد والمعلومات تذهله عما يلزمه معرفته مما يحيط به. فجهاز الإنسان العصبي مخلوق بمرونة تسمح له بمواجهة انفعالات الحياة الطبيعية بتوالي أحداثها. وإذ به يعايش كمّاً هائلاً من المواقف والأحداث والانفعالات ويتفاعل معها، لتعطيه في ساعة ما يشهده في حياته في شهر أو أكثر.

وعلاوة على ذلك فإنّها ترفد الناشئة بمعطيات معرفيّة وقيم أخلاقية أقل ما يُقال فيها أنّها غريبة عن واقعه، لتتولى عملية التربية نيابة عن الأهل.

ثورة المعلوماتية: نهضة أم كارثة؟

حتى إذا أقرّت المجامع المقررة للمسار الفكري للعالم منهجية ما بعد ما بعد الحداثة في تسعينيات القرن الماضي، والتي أعلنت كل إنسان كعالَم منفصل يعيش فردانيّته بمعزل عن العالم فكراً وقيماً ونمط حياة، بعد أن حمت له خياراته بنظرية نسبية الحقيقة التي تجعله منزّهاً عن أيّ رمي بخطأ أو شذوذ، حيث لا معيار يقيّمه إلا معياره الشخصي المطلق الحرية.
وجهّزت لها آلاتها الكبرى: الشبكة العنكبوتية بوسائل تواصلها الاجتماعي التي أخذت مكان المجتمع ،بل والأسرة، ليصبح الإنسان أسيراً لها، عاكفاً عليها في تمام أوقات فراغه، بل حتى في أوقات عمله، حيث يجد سلوته في عالمها الافتراضي الذي صار مصدر المعرفة، بل موضع الأنس، بل محل تفريغ الشهوة.

فارتهن فكره وشعوره وغريزته لمعطياتها المحدّدة بدقة والمدروسة لتعطي ثمرتها المنشودة التي أعلنها شون باركر الرئيس الأول لفايسبوك عام ٢٠١٧ حيث قال:” إنّ العملية الفكرية التي بنت هذه التطبيقات، أولها فايسبوك، كانت كلّها عبارة عن أنّه: كيف نستطيع أن نستهلك وقتك وانتباهك لأطول مدة ممكنة، وهذا يعني أنّنا نحتاج أن نعطيك جرعة من الدوبامين من حين إلى حين لأنّ شخصاً ما أبدى إعجاباً أو علّق على صورتك أو على منشورك”.

إدمان لا يقلّ قوةً وخطورة عن إدمان القمار فكك البنية الاجتماعية، وخلق الفوضى المعرفية، وأتاح مواد العنف والإباحية حتى للأطفال، وسهّل بناء فوضى العلاقات المتداخلة خارج إطار الروابط الزوجية، وأتاح دخول الغرباء إلى المنازل والمخادع واختطاف الأطفال والأزواج على غفلة من الجميع.

واقتصرت علاقة الإنسان بمحيطه، على استهلاك وقت اللقاء بهم بتوثيقه بصور ينشرها ليحصد إعجاباتها، ويحصد معها حسداً على سعادة افتراضية مع أسرة ومجتمع فاقدين للحد الأدنى من الخصوصية.

بعد أن جرّد الإنسان من أيّ وعي وحسٍّ نقدي في عبودية هي أخطر عبودية، لأنّها عبودية رغبة لا قهر، فلا أمل للإنسان في النجاة منها، لأن العبد هنا هو المؤتمن على استمرارها.

ولله درّ صادق العترة حيث يقول:”ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذلّه.”

هو طريق لا نهاية له إلا ما افترضه المفكر الغربي ألكسيس كاريل في كتابه (الإنسان ذلك المجهول) حيث اعتبر أن البشرية تسير في طريق، إن لم يتحول مساره ،فهو ذاهب نحو الدمار والفناء.

ولا سبيل لنا لحماية ما تبقّى لنا كمجتمعات شرقية إلا أن نضيف جرعة ارتياب حضاري وثقافي مما نستورده من الغرب تضاهي ارتيابنا السياسي والعسكري منه. هذا الارتياب المعدوم الذي أثار عجب المفكر السويسري فريثشوف شون حتى قال:” إنّ الشرقيين يظهرون نقصاً مذهلاً في استشعار الريبة تجاه ما يصل إليهم من الغرب”.

إغلاق