أسرة ومجتمع / صحة

الجائحة الجديدة … ملامحها وآثارها ونتائجها (ج2)

253-254

الدكتور حسن يوسف حطيط*
مقدمة:

حلّت الجائحة الجديدة على عالمنا الحالي بشكل مفاجئ وصاعق وضربت أسس وفروع أنظمتنا و أجهزتنا وشبكاتنا الصحية والإجتماعية والإقتصادية بشكل مباغت وهدّام وأجبرت معاهد الأبحاث والدراسات ومراكز العلوم والرصد العلمي ومؤسسات الوقاية الصحية على تغيير سياساتها وأساليبها البحثية وميزانياتها وشغلت الدنيا بآثارها الأليمة وعواقبها الوخيمة. ولم يستطع أحد, إلى الآن, من كبار الباحثين الموسوعيين والخبراء المنظّرين والعلماء المفكرين من أصحاب العقول المتخصصة والمستنبطة والمستقرئة أن يحيط بتفاصيل الجائحة الجديدة كلّها ويرصد كلّ ملامحها وجميع آثارها ويحصي نتائجها الحاصلة والمتوقعة على جميع الصعد والجوانب من حياتنا الحالية والمستقبلية. سنحاول في هذه السلسلة من المقالات أن نسبر عوالم هذه الجائحة قدر المستطاع ونستكشف آثارها ونبحث في نتائجها ونسعى في فهم ما يصعب فهمه منها ومن عواقبها المتعددة والمخيفة!

ملامح الجائحة الجديدة:

لم تثبت إلى الآن اللائحة النهائية والمؤكدة للملامح العامة والخاصة للجائحة فما كان مثبتاُ بالوقائع في أول ظهور الجائحة تغيّر نسبياً أو تطور ليصبح شيئاً مغايراً أو تبدلت آثاره انعكاساته لتصيب مواقع وجبهات أخرى وما كان حقيقياً في البداية صار مشكوكاً فيه وما كان مشكوكاً فيه أصبح جدّياً الآن وتغيرت الملامح بين مكان وآخر وبين مرحلة أولى وثانية وثالثة وتعددت الإختلافات بين الموجات والهجمات التي توالت في أمكنة وتباعدت في أمكنة أخرى ولوحظ أن تلك الإختلافات مرتبطة بطفرات جينية وتحولات بنيوية و”تحورات” مرحلية في العائلة الفيروسية المسبّبة للجائحة.

في البداية تبيّن للجميع أنّ فيروسات كورونا هي سلالة واسعة من الفيروسات التي قد تسبّب المرض للحيوان والإنسان وأنّ عدداً من فيروسات كورونا تسبّب لدى البشر أمراض تنفسية تتراوح حدتها من نزلات البرد الشائعة إلى الأمراض الأشد وخامة مثل متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس) والمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس). ويسبّب فيروس كورونا أيضاً مرض “كوفيد-19” الذي لم يكن هناك أي علم بوجوده قبل بدء تفشيه في مدينة ووهان الصينية في كانون الأول/ ديسمبر 2019 وقد تحول الآن إلى جائحة تؤثر على معظم بلدان العالم.

تتمثل الأعراض الأكثر شيوعاً لمرض كوفيد-19 في ‏الحمى والإرهاق والسعال الجاف. وتشمل الأعراض ‏الأخرى الأقل شيوعاً والتي قد يُصاب بها بعض ‏المرضى بالآلام والأوجاع، واحتقان الأنف، ‏والصداع، والتهاب الملتحمة، وألم الحلق، والإسهال، ‏وفقدان حاسة الذوق أو الشم، وظهور طفح جلدي ‏أو تغير لون أصابع اليدين أو القدمين وعادة ما ‏تكون هذه الأعراض خفيفة وتبدأ بشكل تدريجي. ‏

يتعافى معظم الناس من المرض دون ‏الحاجة إلى علاج خاص. ولكن الأعراض تشتد ‏لدى شخص واحد تقريباً من بين كل 5 أشخاص ‏مصابين بمرض كوفيد-19 فيعاني من صعوبة في ‏التنفس وتزداد مخاطر الإصابة بمضاعفات وخيمة ‏بين المسنين والأشخاص المصابين بمشاكل صحية ‏أخرى مثل ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب والرئة ‏أو السكري أو السرطان. وينبغي لجميع الأشخاص، ‏أيا كانت أعمارهم، التماس العناية الطبية فوراً إذا ‏أصيبوا بالحمى و/أو السعال المصحوبين بصعوبة في ‏التنفس/ضيق النفس وألم أو ضغط في الصدر أو ‏فقدان القدرة على النطق أو الحركة. ‏

ينتشر المرض بشكل أساسي من شخص إلى شخص عن طريق القُطيرات الصغيرة التي يفرزها الشخص المصاب بكوفيد-19 من أنفه أو فمه عندما يسعل أو يعطس أو يتكلم. وهذه القطيرات وزنها ثقيل نسبياً، فهي لا تنتقل إلى مكان بعيد وإنّما تسقط سريعاً على الأرض. ويمكن أن يلتقط الأشخاص مرض كوفيد-19 إذا تنفسوا هذه القُطيرات من شخص مصاب بعدوى الفيروس. لذلك من المهم الحفاظ على مسافة متر واحد على الأقل (3 أقدام) من الآخرين. وقد تحط هذه القطيرات على الأشياء والأسطح المحيطة بالشخص، مثل الطاولات ومقابض الأبواب ودرابزين السلالم. ويمكن حينها أن يصاب الناس بالعدوى  عند ملامستهم هذه الأشياء أو الأسطح ثم لمس أعينهم أو أنوفهم أو أفواههم. وقد أظهرت الدراسات أن بمقدور الفيروس المسبب لكوفيد-19 أن يبقى على البلاستيك والفولاذ المقاوم للصدأ لمدة 72 ساعة وعلى النحاس أقل من 4 ساعات وعلى الورق المقوى (الكرتون) أقل من24 ساعة..

تشير البحوث إلى أنَّ احتمالات إصابة الأطفال والمراهقين بعدوى كوفيد-19 وإمكانية نشرهم للعدوى لا تختلف عن الفئات العمرية الأخرى وتشير الأدلة المتاحة حتى اليوم إلى أنّ الأطفال واليافعين أقلّ عرضة للإصابة بمضاعفات المرض الوخيمة، ولكن لا يزال حدوث ذلك ممكناً وسط هذه الفئة العمرية وينبغي أن يتبع الأطفال والمراهقون نفس الإرشادات عن الحجر الصحي الذاتي والعزل الذاتي إذا تعرضوا لخطر الإصابة بالعدوى أو إذا ظهرت عليهم أعراضها. ومن المهم بشكل خاص أن يتجنّب الأطفال مخالطة كبار السن والآخرين الأكثر عرضة للإصابة بمضاعفات المرض الوخيمة.

أظهرت الاختبارات التشخيصية نتائج إيجابية تؤكّد إصابة العديد من الكلاب والقطط (القطط المنزلية والنمور) بعدوى كوفيد-19 بعد مخالطتها أشخاصاً مصابين بالعدوى. إضافة إلى ذلك، يبدو أنّ سنانير الزباد أيضاً معرّضة للإصابة بالعدوى. وتبيّن في ظروف مختبرية أن كلاً من القطط والزباد لديها القدرة على نقل العدوى إلى حيوانات أخرى من نفس الفصيلة, غير أنّه لا توجد بيّنات تدل على قدرة هذه الحيوانات على نقل مرض كوفيد-19 إلى البشر والتسبب في انتشاره. واكتُشف الفيروس كذلك لدى النموس المدّجنة في المزارع، حيث يُرجح أنّها أصيبت بالعدوى من عمال المزارع. وفي حالات قليلة، تبيّن أن النموس المصابة بالعدوى من البشر قد نقلت الفيروس إلى أشخاص آخرين. وتعدّ هذه أولى حالات يبلغ فيها عن انتقال الفيروس من الحيوان إلى الإنسان.

لا تقضي المضادات الحيوية على الفيروسات، وإنّما تكافح العدوى البكتيرية فقط. وبما أنّ مرض كوفيد-19 منشؤه فيروسي، فإنّ المضادات الحيوية لا تنفع في مكافحته. ولا ينبغي استعمال المضادات الحيوية كوسيلة للوقاية من مرض كوفيد-19 أو علاجه. ولكن قد يصف الأطباء في المستشفى المضادات الحيوية للمرضى المصابين بمضاعفات كوفيد-19 الوخيمة لمعالجة عدوى بكتيرية ثانوية أو الوقاية منها.

في حين تشير الاستقصاءات الأولية إلى احتمال وجود أثر للفيروس في البراز في بعض الحالات، فلم ترد أي تقارير عن حدوث انتقال لعدوى كوفيد-19 من البراز إلى الفم. بالإضافة إلى ذلك، لا توجد حتى الآن بيّنات على قدرة الفيروس على البقاء في الماء أو مياه الصرف الصحي.

أظهرت الدراسات مؤخراً أنّ فيروس كورونا الذي تمّ رشّه بشكل مصطنع يمكن أن يبقى على قيد الحياة في الهواء لمدة ثلاث ساعات على الأقل لكن العلماء يشيرون إلى أنّ التجربة أُجريت في مختبر، وهو أمر يختلف عن ظروف الحياة الحقيقية حيث قد تختلف النتائج. من ناحية أخرى, عزّزت حالات الإصابة بفيروس كورونا، التي يُطلق عليها اسم “الإصابات ذات الانتشار الواسع”، الشكوك في أنّ تلوث الهواء بالفيروس أمر محتمل. واعترفت منظمة الصحة العالمية مؤخرا بوجود أدلة تشير إلى أنّه يمكن حدوث ذلك في الأماكن المغلقة والمزدحمة. وهذا يعني أن فيروس كورونا يمكن أن ينتشر أيضاً من خلال الجسيمات الدقيقة التي تصدر أثناء التحدث أو التنفس ويمكن أن تنتشر هذه القطرات الصغيرة جداً في مساحة كبيرة.

أسئلة من دون جواب:

في النهاية, لا يمكننا القول أنّ لائحة الملامح العامة والخاصة للجائحة الجديدة صارت نهائية ولا يمكننا التأكيد على أن الصورة الخارجية لكوفيد 19 وأعراضه ومظاهره باتت مكتملة بل ينقصنا الكثير من الأجوبة على أسئلة كبيرة وعديدة وهناك الكثير من “الثقوب السوداء” المبهمة والعوالم المجهولة التي تكتنف الجائحة الجديدة  وتحيط بها وهناك الكثير من غيوم الخيبة والشكّ والخوف والترقب يرزح تحتها الباحثون والمتابعون والعاملون على ترصد الجائحة وآثارها.

ومن أهم الأسئلة التي بقيت من دون جواب إلى الآن هي:

– لماذا يُصاب البعض بالجائحة ولا تظهر عليهم أيّة أعراض؟

– لماذا تكون الإصابة بالأعراض خفيفة عند البعض وعند الآخرين شديدة؟

– هل للجائحة علاقة بالتلوث البيئي؟

– هل تتأثر الجائحة بالأحوال المناخية أو بالأنظمة الغذائية أو بالسلوكيات الفردية أو الجماعية؟

– هل هناك أعراق أو شعوب أو دول أو مناطق جغرافية محميّة أكثر من أخرى و لماذا؟

– لماذا تكون العوارض عند الأطفال خفيفة أو حتى معدومة في حال الإصابة؟

– ما هو السرّ الكامن وراء الطفرات الجينية لكوفيد 19 وكيف يحصل ذلك ولماذا؟

– ما هو العلاج الشافي والنهائي وهل هو موجود حالياً ومتى يظهر للعلن؟

– متى تنتهي الجائحة وكيف ستختفي وبأيّة وسيلة ولماذا؟!


للبحث صلة

سنعالج في المقالات القادمة الآثار الحالية للجائحة الجديدة على جميع الأصعدة وعواقبها المستقبلية.

* طبيب إستشاري ورئيس شعبة أمراض الأنسجة في هيئة الصحة, حكومة دبي.

إغلاق