من سير الأطهار/ أدب ملتزم

“ملكة المدينة”[1]

253-254

بقلم: رجاء محمد بيطار

 

.. أنظر في الفضاء المتوهّج حولي، ..

أتنبّه إلى المدة التي قضيتها في المكان، وألاحظ أنّها طالت، ولكنني لا أشعر بمرورها، ولو أنّها كانت زمناً دُنيوياً لكنتُ الآن خائرة القوى أفتش عن مأوى لأستجمع أشتاتي المرهقة، ولكنتُ بلا شكٍّ قد احتجت لطعام وشراب ونوم، ولكنّه زمن آخر لبُعدٍ آخر، وقد قُيّض لي أن أدخله لأقوم برحلةٍ في عالمٍ تمتزج فيه آلام الدنيا بأحلام الآخرة..

هو عالمٌ دون ملكوت السماء وفوق حضيض الأرض، وقد شرّفني هذا القلم المتقطّر بعشق آل محمدٍ أن أصل إليه، لأسجّل هذه النفحات..

وما أسعدني رغم حزني وشجني بهذه المكرمات .. ما أشدّ شكري لربي، وما أشدّ ما يتناثر للوجد قلبي، فإنّني طوال عمري الفاني لم أواجه حباً كهذا، حاؤه حزنٌ وباؤه بوحٌ، وما بين الحزن والبوح صرحٌ وجرح، ونحيبٌ ونوح..

لا عجب أن بكاك الأنبياء يا سيد الشهداء، حتى قبل أن تولد، ولا عجب أن توسّل آدم بدمك حتى تاب الله عليه، وناح نوحٌ عليك حتى سمّي نوحا، وجزع إبراهيم عليك عندما أتاه الأمر بالذبح، وفُدي ولده بذبحٍ عظيم، وقد قال الله (عزَّوجلَّ) له: “يا إبراهيم، فديتُ جزعك على ابنك اسماعيل لو ذبحتَه بيدك، بجزعك على الحسين عليه السلام وقتله..”

وبكاك موسى وعيسى وجدك المصطفى وأبوك المرتضى وأخوك المجتبى..

كلّ ذلك قبل أن يكون ما كان، فكيف لا نبكيك نحن مدى الأزمان بعدما جرى عليك الذي جرى، وسُقِيَتْ من دمائك الظامئة أوردة الثرى، وارتفع رأسك على القناة يطاول  الذرى؟!

وأغرق في نجواي حيناً، ثم أتنبّه لأصوات تراتيل تتهامس حولي، تبدأ خافتةً خفية، ثم تتعالى شيئاً فشيئاً، حتى أفهمها بوضوح: (( أم حسِبت أنَّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ))

وأسجد ملء جوارحي؛ أهو رأسك يا مولاي لم يزل يرتّل هذه الآيات منذ ذلك الحين، فيطبق بها آفاق السنين، ويخاطب وجدان البشر التائهين والعارفين؟!

وأيّ آية أبلغ من قرآنك المبين، يا كتاب الله المنشورةِ آياتُه على الملأ الأعلى والأدنى، ويا ذكر الله المتواتر بين طوبى وسدرة المنتهى، ويا عشق الله المتجذّر في أعماق كل نجوى!

أيّ آيةٍ أبلغ من دماء خرقت نواميس الطبيعة، وصعدت إلى السماء فلم تصل منها إلى الأرض قطرة!

وأيّ آيةٍ أبلغ من نحرٍ لم تتجرأ السيوف على قطعه فتجرأ عليه قلبٌ أقسى من صخرة، ولسانٌ أنجس من عذرة، وشخصٌ بلغ شره أن إبليس لا يساوي ظفره، فهو في نسبته إليه أقل من واحد إلى عشرة!

.. ويلاه، وما العشرة؟!

.. هم الخيالة الذين رضّوا صدر الحسين وظهره، ونظر العرب في أنسابهم فوجدوهم أولاد زنا، ليس فيهم واحدٌ يملك من الخير ذرّة، لا في نسبٍ ولا حسبٍ ولا عمل، وهم في الشرف والخير نكِرة..

***************

وترفعني من سجودي رائحة عطرة، وسنىً ملأ المكان حولي فلا أتمكن من أن أرى عبره..

وأنظر، وإذا شخوص نورانيةٌ تطلّ عليّ، وهي قريبةٌ إليّ، حتى أخالها تتداخل فيّ، فأتراجع قليلاً عن موقفي، ثم أندم..

نعم، إنّني ما عشت لن أفهم هذه الكائنات، فهي كاملة الصفات، ولن يتمكن نقصي من أن يرفعني إليها ولو جهدت..

على أنهنّ يفهمنني، وذاك ما يريحني..

وهنّ يقدّرن جهلي، وذاك ما يخجلني..

ولكنّه يشعرني بالانتماء إلى مدرسةٍ هن فيها يعلّمنني.. وأيّ مدرسةٍ أرقى من مدرسةٍ منهاجها الحسين؟!

حينما يخطر الاسم في ذهني تتّضح الرؤية ..

ربما لطول وجودي ها هنا بين الأنوار فإن باصرتي قد غدت أكثر دقةً وقدرةً على تحمل الأضواء الباهرة، بل لعلها ليست باصرتي، بل بصيرتي التي بها أرى..

وأيُّ عينٍ تقوى على تحمّل كلّ هذا النور، سوى عين القلب الذي أُترع بعشق مصدر النور؟!

ويتهامسن حولي؛ هنَّ يقرأن ما يدور بخلدي، وتنبري إحداهن تخاطبني بلكنةٍ أعجمية:

– وهل أنّ ما ترينه يُدرك بالبصر؟!.. بلى أيّتها العزيزة، لقد انكشفتْ أمامك آفاق الفِكَر، وها أنتِ تعبّين من كوثرٍ قد انتشر..

يغمرني فرحٌ لم أستشعر مثله قط، فأن أبلغ مرتبة كهذه، معناه أنني قد تصاغرت أمام علاهن بما فيه الكفاية..

ولكن حذار، فالفرح يفسد الغاية،  مثلما الغرور..

فالزمي الحدّ يا نفس، واعلمي أنّك مهما تساميتِ لستِ إلا شعاعاً ضئيلاً من أشعة ذلك القدس، .. ولعمري فإنَّ هذا عندي أكثر من الكفاية..

والآن.. كفى انشغالاً بنفسي عن بقيّة الحكاية، وفي البقيّة زبدة البداية والنهاية، والخطوات الباقيات المتواليات عبر لحظات العشق السامقات، نحو سدرة الحسين..

وتضيف السيدة الأعجمية:

– بلى، إنَّ في البقية كما قلتِ زبدة البداية والنهاية، ولكن عليك أن تتروّي، فلا زال لديك بضع خطوات حاسمات، تفصلك عن سيدة الرواية، وعن اللحظة الأخيرة..

وتتركني لتنتحي زاوية قصية، فيتركّز اهتمامي عليها، وأشعر بأنّها تجذبني إليها، فألحق بها، رغم أنّ الشخوص النورانية الأخرى تحدّق فيّ، ولكني أستدلّ بحدسي أنّها هي صاحبة الحكاية الآن..

ولا يخيب فألي، فهي تحدّج عمق الفضاء بنظرةٍ ثاقبة، فيها حزنٌ عميق وجرحٌ أعمق، وتتنفّس ثم تنطق:

– “الحسين”، نبراس حياتي.. ليس تعبيراً مجازياً، بل إنّه كذلك.. ومنذ أن أشرقت عليّ شمس فارس والتهبت حولي نيرانها، علمتُ أني لم أولد لأكون هناك.. وأنّ مستقرّي ومستودعي في مكانٍ آخر، أرشدني إليه ذاك الملاك..

لا تسأليني أي ملاك، وهل أنّني كنت أرى الملائكة في صغري، فلا أظن أنّ الجواب هو ذاك، ولكن ملاكاً ما ألهمني، وخيراً ما جُبل في طينتي أرشدني، فرغم الأوثان المصطفّة حولي، والنار المشتعلة منذ ألفي عامٍ لم تُطفئها إلا ولادة جدّه، ثم أطفأتها بعد ذلك ولادة حبي، فقد اهتديت إلى حقيقة كان الفلاسفة يرصدون لإدراكها كلّ علومهم وبحوثهم وفهمهم الجزئي والكلي، .. أدركتها مذ نظرت بقلبي إليه ونظر بقلبه إليّ، بعدما أتتني أمه سيدة نساء العالمين في رؤياي لتدلّني عليه، وتخبرني أنه هو، نصيبي في هذه الحياة ومأواي من كلّ هذا الشتات، ورأيت وجه الله في وجهه، فعشقته وارتجيته، ثم انتظرته وانتظرته..

وبرّحني الهوى، حتى قدم المسلمون إلى بلادنا فاتحين، وأخرجونا من قصورنا أسرى مقيّدين.. نظرتُ في وجوههم، علمتُ أنّ الفرج يقترب، ولكنّه فرجٌ مشوبٌ بعجب، فكيف أجد معشوقي في كلّ هذا الصخب والنصب؟!

وأين يا ترى سأذهب؟!

وهل سيكون هو حيث أذهب؟!

أسئلةٌ لم أكن أعرف جوابها، سوى أن تلك السيدة العظيمة أخبرتني أنني محفوظة بأمر الله، وأنه لن يمسَّني شرٌّ أو أحد، حتى أصل إلى ذلك البلد!

ووصلنا،.. وساقونا عبيداً وإماء بعدما كُنّا في قومنا أمراء، فصبرت.. ذلك أنّني كنت أعلم أنّني سألاقي بعد صبري محبوبي الأوحد..

وتشرق بدمعها فجأة، وتزيح ناظرها جانباً عن السيدات اللواتي رحن ينظرن إلينا من موقفهن المتباعد عنا، وتهمس خجلةً وقد غلب عليها حزنٌ مباغت:

– كلما وصلت في ذاكرتي إلى هذه النقطة أذوب حياءً من سيدتي فاطمة، إذ أتذكر ما عرفته في عالمي هنا من سبي فتاتها الكبرى وبناتها، وأراني أقارن سبيي أميرةً أرتجي أميري، مع سبيها أميرةً قد فقدت كلّ أمرائها إلى الأبد، فلم تعد ترتجي منهم أحد..

لهفي عليها..لهفي على أسرها وذلّها، ومن أنا أمامها؟! ولست إلا أميرةً في بني قومي، قد أمّرني عليهم حسبي ونسبي، فأسرني قومٌ آخرون، وكان أسري بعد ذلك مدعاةً لسعدي وفخري، إذ وصلت إلى ما أروم، أمّا هي.. فأميرةٌ في الدنيا والآخرة، أمّرها أصلها وفصلها وقولها وفعلها، أسرها قومٌ غلاظٌ شداد، وأرادوا أن يدنّسوا برجسهم أذيالها الطاهرة، فارتدّوا على أعقابهم وقد أخسأهم ذنبهم، فخسروا الدنيا والآخرة.. وهاهي قد ارتقت إلى عليين، حيث سطع نورها المبين، رغم كل تلك الحظوظ العاثرة، والبسمات الساخرة، والأنياب الكاسرة، التي مزّقت حماتها وأشبالها، فغدت من بعد عزّها يراد بها ذلّا، ولكنهم لم يستطيعوا إذلالها، فقد مكروا ومكر الله والله خير الماكرين.

****************

.. وتصمت هنيهات، فأجد أن لا بد من قول شيء، فأهمس بأناة:

– سيدتي، مهما قلتِ في حقها فذاك قليلٌ، ولكنني أستميحك عذراً في المتابعة، فالحكاية تبدأ بالحسين، وهي له أبداً مضارعة، فأنتِ لن تبتعدي عنه طالما حديثنا يدور في فلك الواقعة..

لا أظنّها كانت تحتاج كلامي لتعود إلى حديثها الأول، فها هي تتململ وتقول:

– يومها، أدخلونا إلى مسجد المدينة، الذي خلا من سيده قبل حين، وأتوا بنا أسرى على الملأ مقيّدين، وقد أرادوا استعبادنا، فخرج علينا سيدٌ عظيم، أزهريُّ الوجه برّاقُ النظرة شديدُ النبرة، لم أرَ قبله ولا بعده مثله، وقد علمتُ لاحقاً أنّهم اغتصبوا حقّه جهرة، وأنه وصي المختار وصهره، وهتف بهم بجرأة:

– سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: “أكرموا كريم كلّ قوم..”

أكرمه الله وكرّمه من كريم، فلقد وقف في وجه ما أريد بنا من استرقاقٍ لئيم، واضطرّهم بعد أخذٍ وردّ إلى وهب حقوقهم فينا له، فأعتقنا جميعاً قربة إلى الله تعالى..

لعمري فلقد أعتقنا من الرق، ولكنه استعبدنا بالعشق، فما أحيلاه من رقٍ وعتق..

وخُيّرت النساء منا، بناءً على رأي السيد الأعظم ذاك، في الزواج..

كان قلبي يخفق بشدّة.. خشيت أن لا أراه، وما كنت لأختار إلاه، ولكنّي، وعلى وهج نور وجه ذاك الشريف الأشرف، رأيته، وعلمتُ أنّه ولده الحسين.. علمتُ أنّه حبيبي الحسين..

وتكرّر تلك العبارة بِوَلَه، حتى أراني أذوب فيها معها فلا أنتبه.. ثم تضيف:

– واخترتُه زوجاً، وقد علمتُ أنني ما اخترت إلا الجنة، وسألني أبوه سيد الأوصياء عن اسمي فأجبته:

“شاهزنان بنت يزدجرد بن كسرى”

.. فتبسّم وأجاب:

” فلتكوني شهربانويه، ملكة المدينة، فشاهزنان ملكة النساء، ولا ملكة للنساء إلا فاطمة..”

ورضيت بأن أكون ملكة المدينة.. وكيف لا أكون ملكتها وقد غدوت لسبط المصطفى الطهر قرينة، وعشت في كنفه هانئة قريرة أمينة، قد عرفت ربي، وأسلمت له وجهي وقلبي، ولحبيبه وأهله سبيلي ودربي، وغدوت في بنات المرتضى كإحداهن، فقد رفع الحسين روحي فداه شأني بعزّه، وعلمتُ حق العلم أنّ العزّ هو عزّ آل محمد، فإنّ كل عزّ آبائي وجاههم وملكهم ليس في جانب هذه الأنوار غير صرحٍ ممرّد، يحسبه الرّائي لجّةً فيكشف له عن قلبه ويتودّد، أما اللجّة الصافية التي يغرق فيها الجاهلون، ويعوم فيها العارفون، وينجو في فلكها الناجون، فهي كوثر آل محمد.

وشكرت الخالق، وقد علمت أن لا شكر يفي بالغرض، ولكنني لم أكن أعلم أنّ عليّ أن زداد شكراً وذكراً، ربما إلى ما لا نهاية، إذ كان مقدّراً لي أيضاً أن أفوز بوسامٍ آخر، غير وصال المحبوب، وغير الهداية إلى صراط القلوب، فلقد أثمر ذاك الحب المقدس الذي مهّدت له سيدة نساء العالمين، وباركته يد أمير المؤمنين، مولوداً لا يشبهه مولود، أخبرني مولاي أنه الوليد الموعود، وأنه سيكون أبا الأئمة من ولده بعده!

ولقد ولدته رقيق المحيا وسيم الطلعة عذب المبسم، فأذهب عن فؤادي كل همٍّ وغمٍّ وعن جسمي كل ألم..

ولكن.. أسفي على نفسي وعليه، فلقد رحلتُ عن دنياه إلى غير رجعة، دون أن أتنعّم بأمومته وأترعه، وتركته بعدي يتيماً لم أكد أرضعه!..

رباه، على أن أسفي على أنّني لم أعش لأربيه وأراه بين يدي شاباً وأباً للأئمة التسعة، ليس شيئاً أمام أسفي على أنّني لم أبقَ لأعيش الواقعة، ولم أفجع في معشوق الفؤاد تلك الفاجعة، ولم أواسِ بنات الزهراء بأسري ولم أساندهن بصبري، بعدما كان أبوهن هو من أعتق قومي وصان خدري..

إنَّ أشدّ ما يؤذيني أنّني وفي الوقت الذي كنَّ فيه يتعرّضن للضرب والهوان، والقيد يتّصل من أعناقهن إلى عنق ولدي العليل الذي أكلت لحم عنقه الجامعة، كنت أنا أرتع في جنتي الوادعة.. على أنّني عرفت بما جرى، إذ راحت الملائكة تنتحب، والسماوات والأرضون ترتعد، والأنبياء والصدّيقون يقبلون من كلّ جنةٍ وهم والهون باكون، يواسون خاتم الأنبياء ووصيَّه وبضعتَه بولدهم.. وزادني كرباً أنني رأيته يزفّ إلى جنته قطيع الرأس مفريّ الكبد موذّر الأعضاء، فلم أدرِ كيف أواجهه، ولم أعرف عمّ أسأله، فلقد كان الأمر أصعب من أن أتصورّه وأعقله.. وعلمتُ أنّني قد فاتني خيرٌ جليل وأجرٌ جزيل، وأن البلاء الذي جرى في كربلاء لم يوجد مثله في أي بقعةٍ أخرى، ولن يوجد ..

لقد كان قدري أن يفوتني سبي الحرائر،  ورؤية ولدي السجّاد وهو يؤسر ويُحمل على بعيرٍ ضامر، ويُبتلى برؤية عمّاته وأخواته وهن يسبين وتهتك خدورهن، وينظر إليهن كل ناظر، ويحملن من بلدٍ إلى بلدٍ ويبتلين بمخاطبة كل جائر، وهو مع هذا عاجزٌ عن الدفاع عنهن أو رد البلاء الحاضر، بل هو غير مكلّفٍ بذلك، فما أشبهه بجده المرتضى حينما ابتلي بالاعتداء على بتوله وهو صابر، وغصب حقها وحقه فلم يكن بوسعه أن يجاهر، فحينما يكون الدين في كفة، واسترداد الحق في كفة، يكون الصبر على البلاء هو النصر، والصابر هو المنتصر والناصر، إذ لو تصدّى على من تعدّى حينها، لكان قد وارى دين الحق في المقابر.

يتيماً تركته بين يدي والده الرؤوم، وبكت عيناي رحمةً له وأنا أغادر هذه الدنيا، ولكني علمت أنني ما تركته إلا في يد ربه العليا، ويد الحسين متّصلة بها، ولعل الله شاء أن يبدله عن أمه بأبٍ يكون له أباً وأما، وأما مربيته العظمى، فكانت عقيلة الطالبيين، وأكرم بها من مربيةٍ لأبي الأئمة وأما..

وتصمت، ويطول بها الصمت..

لكنني لا زلت بانتظار التتمة.. والوصية الملهمة، للخطوة واللحظة القادمة..

وتجيبني ببسمة متألّمةٍ وكلمة:

– أخيتي.. لا تبتئسوا حينما تضيق المضائق، ويحدق بكم كلّ بلاء وطارق، فقد جعل الله من بعد عسرٍ يُسرا.. ولكن العبرة في العمل بما يرضي الرب، وتهذيب النفس وتنقية القلب، لكي لا تبقى شائبةٌ تعيق المرور على ذلك الدرب.. وليكون الانتظار خالصاً لوجه الله، مثمراً بمحبته ونجواه، والناصر لذلك الصابر الأبدي هو إنسانٌ جاهد نفسه قبل أن يجاهد غيره، واتّقى الله فيها قبل أن يتّقيَه في سواه، واستطاع أن يكسر عزة هواه بالاعتزاز بالمضيّ في تقواه، فلا عدو أعتى على الإنسان من نفسه، فإن قهرَها هان عليه غيرها، وكما قال إمام المتقين روحي فداه:

” أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك.”

وأبقى مطأطئة الرأس أفكر، وقد أذهلني ردّها عن نفسي، ثم إنني أتنبّه إلى أنّها أنهت ما بدأت، ولم يعد لديها ما تريد أن تتمه، فأنسحب من جوارها بعدما أشكرها، إن كان للشكر سبيل، وأحييها بكلّ ما في فؤادي من شوقٍ أثيل..

أما هي، فتبقى على مجلسها تتأمل، وأعلم أنها ستبقى حاضرةً ريثما تسكب بقية النجمات أنوارهن، فأنهل من فيضهن ما أنهل..

وألتفتُ إليهن، وأنتظر المدّ المقبل.


[1] (مقتطفة من كتاب “قاب قوسين أو أدنى من الحسين” بقلم رجاء محمد بيطار)

إغلاق