قراءة في كتاب

(فهرسة ما رواه عن شيوخه) في طبعته الأولى

253-254

 

بقلم د. محمّد نوري الموسوي

 

أحتفظُ في مكتبتي الخاصّة بنسخةٍ من كتابِ فهرسة ابنِ خيرٍ الأشبيليّ الطبعة الثانية، وقد أثار فضولي في التعريف بهذا الكتابِ ما نشرَه أحدُ الفضلاءِ وهو أخونا الفاضل حسن بن علي الرستم، من أنّ هذا الكتابَ مهمٌ جدًا للمحققينَ، فتناولتُ الكتابَ من مكانِه وقرأتُه، وطالعتُ بعضَ المصادرِ، وكتبتُ هذه الوُريقاتِ عنه.

كتابُ (فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدّواوين المصنَّفةِ في ضروبِ العلمِ وأنواعِ المعارفِ) لمؤلِّفه ابن خيرٍ الأشبيليّ (ت575هـ)، طُبعَ أوّلَ مرّةٍ سنة 1893م في سرقسطة باهتمام المستشرق الإسباني (كوديرا) وتلميذه (ريبيرا)، اعتمدا في نشره على نسخة الاسكوريال المرقمة (1672)، والنسخة مكوّنة من (155) ورقة في كل ورقة (23) سطراً.

موضوعُ الكتابِ أنّ المؤلِّف جمع فيه كل الكتب التي سمعها من شيوخه، فذكر المصنّفات التي سمعها على شيوخه أو أجازوه بها، فابتدأ بعلوم القرآن والقراءات، ثم ذكر الموطآت وما يتصل بها، ثم المصنّفات والمسانيد وسائر كتب الحديث وعلومه، من شرح لغريبه وبيان علله والمصنفات المؤلفة في معرفة رجاله، ثم كتب السّير والأنساب والتواريخ ونحوها. وتناول بعدها كتب الفقه وأصوله، وأصول الدين والزّهد والرّقائق لا سيما كتب ابن أبي الدنيا وأبي سعيد ابن الأعرابي وأبي بكر الآجري وأبي ذر الهروي. وتناول بعد ذلك كتب اللّغة والأدب والشعر، والعناية بما حمله أبو عليّ البغدادي منها إلى بلاد الأندلس. ثم ذكر بعض مؤلفات المشهورين. وتناول في آخر الكتاب: تفسير الإجازة العامة، وختم الكتاب بذكر أسماء شيوخه الذين روى عنهم أو أجازوا له مرتّبين حسب المدن .

ومحقّق الكتاب (كوديرا) وهو مستشرق وباحث ومؤرّخ إسباني توفي سنة 1917م، بعد عمر ناهز الثمانين، وصفه بعضُ الباحثين بأنّه (من أكثر الباحثين تجردا ونزاهة في الحكم على الحقبة الإسلامية في تاريخ إسبانيا)، ويقال إنّ أصله عربي، وقيل: إنّه بلغ عشقه للحضارة الإسلامية والعربية حدّ المطالبة بتعريب الحضارة الأوربية، وقد شكّل مدرسة ضمّت مجموعة من المستشرقين المنصفين الذين يدافعون عن أثر العصر الإسلامي في إسبانيا أُطلق عليها (مدرسة كوديرا)، ومن حبّهم للعربية أطلقوا على أنفسهم لفظ (بني) فأصبح اسم المدرسة (بني كوديرا).

ومن أهم آرائهم (أنّ إسبانيا من دون احتساب المرحلة الإسلامية تُعدّ دولة عاطلة من الأمجاد التاريخية) وأنّ (إسبانيا ما كان لها أن تدخل التاريخ الحضاري لولا القرون الثمانية التي عاشتها في ظلّ الإسلام وحضارته، وكانت بذلك باعثة النور والثقافة إلى الأقطار الأوربية المجاورة المتخبطة آنذاك في ظلمات الجهل والأمية والتخلّف).

ويلاحظ على طبعة كوديرا :

1/ أنّ المحققَّينِ لم يكتبا على صفحة العنوان (تحقيق) كما هو السائد في عصرنا بل وسما عملهما بـ (وقفا على نسخها وطبعها ومقابلتها على أصل يبقى في خزانة الاسكوريال) وهذا يدلّ على بداءة فن التحقيق في زمنهما .

2/ قام المحققان بتعريب اسميهما: أ/ فرنسيسكو كوديرا …… فرنسشكه قداره ب/ ريبيرا تراكوا ….. رباره طرغو .

3/ وصف كوديرا نفسه بــ الشيخ، وفي هذا دلالة على تأثره بالألقاب الإسلامية.

4/ لم نر في الكتاب صورة للمخطوط المعتمد في التحقيق.

5/ قُدِّم للتحقيق بمقدمة مفيدة باللغة اللاتينية تُرجمت في الطبعة الثانية إلى العربية .

6/ أبقى المحققان الإملاء كما ورد في النسخة الخطية وكذلك فعل ناشر الطبعة الثانية، والظاهر أنّ الذي دفع كوديرا إلى ذلك احتمالات عدَّة منها الأمانة العلمية والنقل الأمين، أو الجهل بقواعد الإملاء العربية، أو بداءة فن التحقيق في زمنه. فنجد الكلمات مثل: عثمن، معوية، بغداذ بالذال، وغيرها، وجاءت كلمات خالية من التنقيط كما وردت في المخطوطة ولكن قراءتها معروفة للعربي.

7/ ومن الطريف أن كوديرا عندما وصف النسخة المعتمدة قال:(الورق سميك لونها كلون الحمص القاتم)، وهذا وصف للمخطوط غريب ونادر نحتاج في التعرف على اللون الاطلاع على ألوان الحمص.

وذكر أنّ للمخطوطة أكثر من نسخة ولكن يتطلّب الحصول عليها وقتاً وجهداً لا يتناسب مع قدراتهما وظروفهما في ذلك الوقت فاكتفيا بالاعتماد على نسخة الاسكوريال .

وقد قامت مكتبة المثنى ببغداد سنة 1968م بإعادة طباعة الكتاب بتحقيق كوديرا من دون تغيير إلا ما ندر فجاءت الطبعة الثانية نسخة طبق الأصل عن طبعة كوديرا ولم يغير الناشر فيها شيئاً إلا أنّه زاد هوامش مختومة بـ (المشرف) لتمييزها عن هوامش كوديرا، وتميزت الطبعة الثانية بترجمة المقدمة التي كتبت باللغة اللاتينية التي وضعها كوديرا للحديث عن الكتاب، والتُزِم في الطبعة الثانية الترقيم نفسه لأجل الحفاظ على  دقة الفهارس التي صنعها كوديرا.

وفي الختام فإنّ هذا الكتاب مهم وقيِّم ومفيد للباحثين والمحققين ولا سيما المتخصصون في الفهرسة والتراث والإجازات.

والحمد لله أولاً وآخراً، وكتب السيد محمد نوري الموسوي يوم الاثنين الموافق 16/12/2019م الساعة الثالثة ظهراً.

إغلاق