الافتتاحية

النهضة الحسينية المباركة: إلهام ومدد لا ينضب

213-214

 

حسب معايير الإسلام الإلهية الدقيقة والشديدة الوضوح ورجوعاً إلى ما أعلنه النّبي الأكرم محمد (ص) تكراراً، عن إخبار الوحي إيّاه بأن أُمّته ستخذل ولده الحسين (ع) وتقتله مظلوماً، فإن نهضة سيد الشهداء (ع) في منطلقاتها ودوافعها وأهدافها، ومن ثم نتائجها المدوية، ومآلاتها على صعيد الأمة، قد قُدِّر لها وحتى قبل أن يَشرع بها الإمام الحسين (ع) ويعلنها صرخةً موجعةً في وجوه الطغاة والمنحرفين، أن تكون المقياس والفيصل المائز بين الحق وأتباعه وبين الباطل ومناصريه. بين الأبرار الذين جاهدوا عن بصيرة وبصبر، لتكون كلمة الله تعالى هي العليا، وليكون كتابه المُعظَّم وسُنَّة نبيّه الأكرم هما المنطلق والطريق الوحيد لإقامة حكم الله في الأرض ولِبَسط العدل وإعاقة الجور ورفعة المستضعفين، بينهم وبين أهل البغي والغيّ الذين سلكوا طريق الخداع والنّفاق وشراء الذّمم والإرهاب الأسود، ليتمكّنوا من إغتصاب السلطة بالقهر من أجل التحكم برقاب المسلمين وبلادهم بموجب أحكام الجاهلية وعاداتها النَّتنة، جاعلين أنفسهم شركاء لله تعالى بما أحدثوه من ضلالات وبدع، وبما ولغوا فيه من دماء محرّمة وهتك حرمات خصوصاً ما إرتكبوه من جرائم فظيعة بحق آل الرسول الأطهار (ع) وأصحابهم الخُلَّص. وهذا المشهد الإنحرافي الخطير الذي تصدَّره الأمويون الطُّلقاء وأتباعهم وكل من جاراهم في خذلان الحق ونصرة الباطل، ما كان له أن يهتزَّ أو أن تُكشف حقيقته أمام الملأ في ظلِّ القهر وتكميم الأفواه إلا بالمواقف البطولية الرسالية لأبيِّ الضّيم، ثقل آل محمد (ع)، وفلذة كبد الرسول (ص) الإمام الحسين (ع). فكان حدث الشهادة المدوّي على صعيد كربلاء، وما زال صداه يتردّد في أُذن الزمان، فتسمعه القلوب التي تصدع للحق وتخفق بحب آل البيت النبوي الأطهار (ع)، وتعشق نهجهم الرباني الأقوم. هذا النهج الذي جلّاه سيد الشهداء (ع)، وأنار معالمه بفيض دمه الزاكي، كان وما يزال هو الدليل الأبرز والمُرشد لمن يبحث عن طريق الهدى الموصل إلى مرضاة الله سبحانه، وإلى العزّة والكرامة والحياة الانسانية الفُضلى.

ومن البداية فإنّ رسول الله (ص) هو نفسه من وجَّه الأُمة لنصرةِ حفيده الحسين (ع) ونهضته المباركة حتى قبل حدوثها في الزمان والمكان، وجعل نصرة قضيته مهمة الأجيال اللاحقة، وأمانةً في أعناقهم، مُستنِزلاً لعائن الله على قاتليه وخاذليه، من المتثاقلين عن نصرة الحق، أو الواقفين على الحياد بينه وبين الباطل. فقد روت الأخبار الصحيحة أن رسول الله (ص) وقف خطيباً في مسجده الشريف فقال: «أخبَرني جبرائيل (ع) بِأن أُمَّتي تَقتُلُ ولدي الحسين بأرضِ كربلاء، فلعنةُ الله على قاتله وخاذله إلى آخر الدهر». وعندما ضجَّت ساحة المسجد بالبكاء والعويل حزناً.

قال لهم النبي (ص): «تبكونه ولا تنصروه؟ اللّهمَّ فَكُن أنت ولياً وناصراً».

غير أنّ النبي (ص) أكَّد من موقع المستشرفِ والعالِمِ بمستقبلِ الأُمَّة وأحوالها، أنَّ تضحيات الحسين (ع) وشهادته العظيمة ستبقى متوهِّجةً في القلوب والضمائر الحيّة، قائلاً: «إنَّ لِقتلِ الحسين (ع) حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً».

وكم أثمرت هذه الحرارة الحسينية المتَّقدة في محطات ومواقع كثيرة في تاريخنا الإسلامي، من تضحيات جمّة ومواجهات الطُّغاة والمنحرفين، إنتصاراً للحق وللقيم التي ارساها سيد الشهداء (ع). وها هي اليوم ما زالت تُلهِمُ السائرين على نهجه الرباني وتمنحهم المدد والعزيمة والبصيرة، لمواجهة وكسر جحافل الأشرار، أصحاب القلوب السوداء والعقول المظلمة من البُغاة التكفيريين ومَن وراءهم أو في صفِّهم. هؤلاء الذين أوغلوا في تشويه صورة إسلامنا الحبيب في توحشهم وجرائمهم غير المسبوقة بحق المسلمين والأبرياء من غيرهم.

وإذا كانت نهضة الإمام الحسين (ع) وثورته العظيمة بمبادئها وحميمية وقائعها وامثولاتها، هي في الأصل من تفرض نفسها في تحريك عواطف المؤمنين الأحرار ومشاعرهم من أجل التماهي معها وإحياء شعائرها ومناسباتها بما يليق بها حضوراً متنامياً في الكمّ والكيف في المجالس والمنتديات والساحات، فإن هناك ولاشك دوراً رائداً لكل من يسهمون مشكورين في إبقاء شعلتها في النفوس والعقول. من العلماء والكُتّاب والخطباء والشعراء والمبلِّغين والإعلاميين والمبدعين في المجالات الفنية المختلفة، الذين يستوحون أعمالهم من مَعين الثورة الحسينية المباركة وقيمها ويعكسونه في أساليب وقوالب وميادين فنية مستحدثة ومعاصرة.

وهنا علينا أن نلفت النظر من موقع الحرص على نقاء ومصداقية هذه الأعمال والإبداعات، على أنَّه من واجب الجميع وهم يبذلون الجهود المشكورة والمقدَّرة في سبيل نشر قيم ومفاهيم ثورة الإمام الحسين (ع) الخالدة. من خلال مساهماتهم المختلفة، أن يلتزموا دائماً بما يليق برسالتها وصفائها وروعتها بعيداً عن أي شائبةٍ أو منفرٍ في مضمون هذه المساهماات وأشكالها أو مستواها، كما بتحرّي الدِّقة في نقل الوقائع وكيفية تصويرها وإظهارها أمام الملأ. فهناك الكثير ممن يترصَّد الأخطاء حيث وجدت ليركِّز عليها، وهناك من يريد الكيد بالتدخل المباشر للتشويه إذا إستطاع حسداً أو تخوفاً من تنامي التأثير المتعاظم لإشعاعات نهضة أبي الأحرار (ع) في زمننا الحاضر. والمأمول دائماً من السّادة العلماء وأصحاب الشأن المهتمين بالمنبر الحسيني المُطهّر وبمظاهر وطُرُق إحياء شعائر مناسبات عاشوراء، وما يتعلّق بها من وقائع، أن يقوموا بدورٍ توجيهي ورقابي أكبر لمساعدة من ينشطون ويساهمون مأجورين في هذه المجالات والشعائر المباركة.

نور الإسلام

إغلاق