عقيدة

القرآن عالم آمِنٌ تسوده القِيَم والعدالة (الجزء الأول)

213-214

بقلم: د. زهير بيطار

 

أمنيةُ البشريّة عبر الأزمان أن يعيش البشر في عالم يسوده العدل والأمان والعلاقات القائمة على القِيَم الإنسانيّة الكبرى، كالمساواة والحرية والرحمة والإحسان والأمانة والصدق، التي كلّها مفاهيم مرتبطة بالإنسان والطبيعة الإنسانيّة للمجتمعيّة الإنسانيّة، وقد تبنّتها الحركات الإصلاحيّة وعلى الأخص الرسالات السماويّة.

انتهاك القِيَم:

والذي يلفتُ الانتباه أنّ بعض المجتمعات بالرّغم من تبنّيها هذه القِيم وتقديسها، لكنّ ممارساتها تبطل قيمة ذينك التبنّي والتقديس، حين تخالف مقتضياتهما، سواء في العلاقات ضمن المجتمع الواحد، أو في العلاقة بالمجتمعات الأخرى في غالب الأحيان.

مثل هذه الممارسة ليست غريبة على تاريخ المجتمعيّة البشريّة، والأمثلة على ذلك في التاريخ الإنساني كثيرة لا حاجة للتفصيل فيها، ومع ذلك، وكنتيجة لحقيقة، إنّ هذا الإنسان مهما بلغ من الوحشيّة والسوء لا يستطيع أن يتجاهل بعض الحضور للقيَم الإنسانيّة في الضمير الفردي والجماعي بعد أن تكوّنت المجتمعيّة البشريّة واستشعر قيمتها في منحه الأمان، لذلك كان كثيراً من الأحيان، وفي محاولة للتخلّص من الإحساس بالذنب، فإنّه ينتحل المبررات التي يقنع بها نفسه كفرد أو أمةٍ أن ما يفعله مشروع.

لقد وجدنا أمماً في التاريخ القديم والحديث والمعاصر تطغى على أخرى بدوافع مختلفة من المصالح الماديّة لا علاقة لها بالقيم، ويبرر الملوك والقادة ذلك بمبررات مزيّفة، بهدف إيجاد الحافز لدى شعوبهم لأجل القتال والقبول بآثاره من القتل أو الإعاقة، وبهدف تقديم تغطية أخلاقية تحول دون مصادمةِ الضمير.

هذه التبريرات كثيراً ما كانت تأخذ طابع التفوّق العنصري أو النوع الأفضل الذي يدّعي الحقّ في التسلّط على الآخرين وإخضاعهم لنفوذه، كالعقيدة النازية، والتي يَتّفق معها في المضمون عقيدة الشعب المختار، بل هذه تتفوّق عليها في خطورتها لأنّ أصحابها يرجعونها إلى الدين، فالبرغم من أنها تحريف في الرسالة الموسوية، لكن مجرد إلباسها جلباب الدين يغلق باب النقاش حول مشروعية دعواها في نظر الناس الذين يعتنقون ذلك الدين، الأمر الذي جعل العقيدة الصهيونية الحركة الأكثر ظلماً وطغياناً في تاريخ الأمم، وفي مطلق الأحوال فإنّ عقيدة الشعب المختار التي تختزلها فلسفة العنصر المتفوّق، ما برحت تطبع سلوك الغرب الاستعماري ضد شعوب الأرض منذ القدم، وتحت شعاره ارتكبت أبشع الجرائم ضد بني البشر، وليس أقلّها إبادة أمم بكاملها مثل شعوب أمريكا وأستراليا الأصليّين.

والحركات التكفيريّة المتلبّسة باسم الإسلام هي نسخة أخرى لاستعمالِ الدين لغايات خبيثة خارجة بل ومناقضة لأهداف الدين السماوي الأصيل، لكن في هذه الحالة فالإسلام هو موضع التحريف والاستهداف والمسلمون هم المستهدفون، والنكهة التلمودية ليست خافية، والخبث الغربيّ في اصطناعها ليس من العسير اكتشافه. والسلوك المريض الغريب والوحشية المنقطعة النظير في سلوك هذه الجماعات من ثقلِ إحراق الأطفال أحياءً والقتل الذريع الذي يستهدف مختلف الجماعات التي لا تقرّ بأفكارهم الظلاميّة، والتفنّن في القتل بالذبح وقطع الرؤوس، وتقطيع الأوصال والقتل البطيء بالإغراق أو الإحراق وتدمير العمران واستئصال آثار تاريخ الأمم، كلّه يعبّر عن خلل نفسي خطير وعن الحقد ضد الآخر والمتأصل في النفوس والذي ينتج مثل هذه المناهج التكفيرية الإقصائيّة التي تستبيح حريات الآخرين حيث لا فرصة عندها للتفاهم مع الآخر، ولا سبيل في التعامل إلّا الإبادة والاستئتصال.

إنّ الصورة التي تقدّمها الأديان المحرّفة للوجود الإلهي الأسمى لأتباعها، وهو تعالى عمّا يصفون، بصفات بشريّة مغالية في البشريّة، لجهة المحدوديّة والمكانية والجوارحية والعوارض البشرية، من نوم وضحك وبكاء وانتقال من مكان إلى مكان، التي تعبّر عن إضفاء خصائص الضعف البشري على الذات الإلهية، تستتبع بالضرورة ظهور عوارض الضعف البشري في التعاليم المرتبطة بذلك الدين المزعوم، من حقدٍ على الآخرين، وكراهية، واستعلاء، ومن استحلال إيقاع الظلم بهم، بل وإفسادهم لإضعافهم وإخضاعهم، ذلك لأنّ هذه المنظومة المحرفة عن الدين الأصيل، هي في مجملها منظومة بشريّة تعبّر عن غايات واضعيها في قهر الآخرين والسيطرة عليهم والاستئثار بخيرات الأرض دونهم، في نهجٍ معارض لغايات الدين الإلهي الهادفة إلى إصلاح بني البشر وإشاعة السلم والصلاح بينهم.

هذه الصورة العقيديّة والمفاهيميّة ابتداءً من التصوّر المغلوط للوجود الإلهي الأسمى إلى المفاهيم المؤدية إلى انفلات السلوك الشرير، هي جامع مشترك بين التكفيرية التلموديّة، وتكفيريّة الصهيونية المسيحيّة، والتكفيريّة الإسلاميّة، مما يعني وحدة المصدر، المصدر البشري الشرير الذي يخطط إلى إفساد شعوب الأرض وتجريدها من عناصر الخير المتبقّية فيها لأجل السيطرة عليها.

إنّ القيم في الدين المحرّف كنتيجة لبشريّته، تصبح قِيَماً عنصرية خاصّة بأتباعه، والآخرون خارجون عنها، بل يغدو الظلم وإيقاع الشر بهم من تعاليم ذلك الدين، وذلك أكبر خطر على الوجود البشري والحضارة البشريّة.

ضمانة القِيم:

إنّ ما نراه في الواقع العملي، كمثل ما ذكرنا أعلاه من قابليّة القِيَم للانتهاك على نطاقٍ واسع في التعامل بين الأفراد أو الجماعات يستدعي أن نجعل ضمانات فاعلة لها تحميها من الانتهاك.

إنّ ربط القِيَم بسلطة المجتمع المعنوية والتشريعيّة، كذلك ربطها على الصعيد الأممي بجهة عليا متفق عليها بين الدّول مثل مجلس الأمن والأمم المتحدة ومنحها سلطات معنوية وتشريعيّة، له تأثير جزئيّ على الموضوع لأنّ هذه الجهات المفترض بها أن تكون حامية للقيَم والقوانين الضامنة للعدالة بين الناس وبين الأمم وحامية لحقوقهم، هي سلطات بشريّة، بمعنى أنّها تحمل كل حالات الضعف البشري التي تعتري الإنسان من كلّ المستويات، وتجعله قابلاً للخروج عن السلوك السّويّ، فينحاز ويخضع للمغريات والمؤثّرات الضارّة من خوفٍ أو طمعٍ تجعله يقدم على أفعال بوحي هذه المؤثّرات، حتى لو كانت مؤذية وفاسدة وتخلّ بمقتضيات العدالة وتنتهك حقوق الإنسان.

على أنّ العقل والوجدان الجمعيّين، كما يعبّر عنهما أحياناً بالرأي العام، هو في الواقع محصّلة لقناعات الأفراد ومكنونات ضمائرهم، وخاضع لتقلّباتها مع تبدّل الأهواء والمصالح، ولا تمتلك مناعة أمام التضليل، بفعل فئاتٍ ضمن المجتمع تمتلك النفوذ المالي والإعلامي والسلطوي، فتوجّه الرأي العام بما تقتضيه مصالحها بمعزلٍ عن مصالح الجماعة، ومقتضيات القيم الإنسانيّة تحت ستار ما تنتحله من المبرّرات التي تروّج لها.

من هذا المنطلق نستطيع أن نفهم السّلبيّة التي تتعامل بها المجتمعات الغربيّة مع العالم الثالث، فما تعتبره ظلماً مثلاً في إطارها الخاص تجدها تستسيغُه في التعامل مع الآخرين.

هنا علينا أن نميّز بين أخلاقٍ عابرة متبدّلة، خاضعة للإنسان وتطور مصالحه على ما يستتبعها من العلائق البينيّة في المجتمع، وبين القِيَم الإنسانيّة الكبرى كالعدل والمساواة والإحسان والرّحمة.. إلخ التي لا يجوز جعلها خاضعة للإنسان يُكيّفها حسب ميوله ومصالحه، بل لا بدّ أن تكون حاكمة عليه، لأنها أساسٌ في أمنه وطبيعته الإنسانية التي تميّزه عن المجموعات الأدنى منه مرتبة لذلك لا بدّ لها من ضمانة مختلفة تحميها من عوامل الضعف البشري التي هي الأساس في انتهاكها، وذلك يحتاج إلى ربطها بقوّة خارجة عنه أقدس منه وأعظم، لها السلطة عليه، وغير قابلة للانحياز والخضوع إلى المصالح الجهويّة.

إنّ ربط القيَم بالله عزّ وجل وإرادته السامية الأقدس يُكسبها من القداسة والحصانة ما لا يمكن تحصيله بتوقيفها على أيّ جهة أخرى، لأنّ أي جهة غير الخالق الأعظم ستكون من طبيعة الإنسان وغير خارجة عنه.

إنّ حصانة القيَم بربطها بإرادة الله جلّ جلاله في المنظومة العقائدية المفاهيميّة القرآنية هي نتيجة لطبيعة التوحيد الإسلامي الأصيل كما نفهمه من القرآن الكريم وبيانات الرسول الأعظم (ص) وبيانات الأئمة الطاهرين من آله (ع)، ابتداءً من أمير المؤمنين علي (ع) ومروراً بأبنائه الذين رسّخوا مفاهيم الإسلام ابتداءً من التوحيد الصحيح، الذي يقرّر أن الله (عزّ وجلّ) هو الوجود الخالق غير المخلوق، اللامحدود الأزلي الأبدي، المطلق الكمال والقوّةِ والربّ الذي وضع كل المخلوقات في عنايته وربوبيّته، الدائم الحضور مع مخلوقاته الذي لا يغيب، المطّلع على كلّ شيء وعلى حقيقة النّفوس، المنزّه عن العوارض البشريّة والذي ليس كمثله شيء، مما يجعله الوجود الأكمل والأقدس والأقوى مطلقاً والأشمل اطلاعاً على سرّ الإنسان.

إنّ هذا النمط الإلهي المصدر من التوحيد يستتبعُ أنّ ما يرتبط به من مفاهيم هي على هذا النحو من السموّ، لأنّ هذه المنظومة العقائدية المفاهيمية هي ربّانية المصدر، فما يرتبط بها ربّاني، فمن الطبيعي أن تكون القِيَم الإنسانيّة حينئذٍ أساسيّة فيها، وعالميّة لا عنصريّة فئويّة فتتجلّى فيها المساواة والعدالة والرحمة الشاملة لكل البشر وحبّ الخير وإفشاء الصلاح والنفع بين كلّ الناس، فالأهداف الرّبانيّة هي في إصلاح بني البشر عموماً، وإفشاء العدل والسلام على الأرض، خلافاً للمناهج التكفيرية ذات المنشأ البشري الطابع والأهداف.

إنّ ربط القيم بإرادة الله عزّ وجلّ في منظور التوحيد الإسلامي الأصيل يُكسبها،

أولاً: ضمانة عالية في قدسيّتها وهيمنتها على الوجدان تفوق ما تمنحه لها ضمانة المجتمع، لاكتسابها درجة عالية من القدسيّة المستمدّة من قدسية الإرادة الإلهية.

ثانياً: ثباتاً بثبات الذات الإلهية يحصّنها ضدّ التقلُّب مع أهواء البشر.

ثالثاً: طبيعةً عالمية شاملة لجميع البشر تحول دون تحرفيها إلى قِيَم عنصرية، وذلك لأنّ الله تعالى في التوحيد الإسلامي الأصيل هو ربّ العالمين، لا ربّا فئوياً وأن عنايته ورحمته شاملة لكل البشر وغير البشر.

رابعاً: عقيدة البعث والحساب المرتبطة بالله تعالى، تجعل عمل الإنسان محفوظاً ومدى التزامه بالقِيم محفوظ يحاسب عليه في الدنيا والآخرة، فيكون حافزاً مهماً على الالتزام بها وحياطتها.

تجذير القيَم وضمانتها المذكورة في الوجدان:

إنّ مستوى التزام الإنسان بالقيَم لا يعتمد على القناعة وحدها، بل يحتاج إلى تقبّل وجداني ورقابة، فالقناعة وحدها يمكن اختراقها بمبرّرات عقلية مزيّفة، ينتحلها الإنسان بدافعٍ من تبدّل مصالحه وأهوائه، لذلك كان لا بدّ من جعل هذه القِيَم تستقرّ في الوجدان الإنساني.

إنّ ربط القيَم بالذات الإلهية من خلال ربطها بإرادة الله السامية، تهدف إلى تحقيق ذلك، لكنّه يستلزم تعميق إحساس الإنسان بالحضور الإلهي في حياته وفي أعماق نفسه مما يستدعي قوّة شعوره بحضور ما يرتبط به من القِيَم ومنظومة العقائد.

إنّ المنهج الرّباني الأصيل متمثّلاً بالقرآن والسنّة يحمل في شرائعه الرّبانيّة الأسباب والوسائط الناجعة التي تربي المؤمن على التفاعل مع مبادئه ومفاهيمه والإحساس العميق بالحضور الإلهي مع الوجدان في أعماق النفس، وذلك بالعبادات لا سيما الصلاة والأدعية المأثورة عن أهل بيت النبوّة، والتي تعتبر بحقّ مدرسة فريدة تربوية عقائدية وأخلاقيّة فردية وجماعية تحقق الهدف المذكور.

إنّ أيّ تربية أخرى قائمة على الوعظ والإرشاد والتوعية، التي تتعامل مع العقل ولا تستطيع ملامسة الوجدان إلّا سطحياً، بينما العبادة تتغلغل بقيَمها ومفاهيمها إلى الوجدان والعقل العميقين معاً، وبفعالية، لأنّ المؤمن الذي يعتقد أنّ الله مطلع على سرّه، ويقبل بإرادته ورغبته على الوقوف بين يديه في الصلاة والدعاء ولو بالحدّ الأدنى من حضور القلب (بما يستشعر معنى الأذكار والأفعال)، فتكون نفسه أمام الله في أحسن حالاتِ الإقبال والتفاعل، مما يرسّخ شعور الإنسان بالحضور الإلهي مع ما يرتبط به من قِيَم إنسانيّة، وما يرتبط به من عقيدة البعث والحساب ولذلك جعلت الشريعة الصلاة عمود الدين، ووصفتها بمعراج المؤمن إلى الله، وهكذا فإنّ المنهج الرباني يحقق حصانة للقِيَم تنطلق من داخل الإنسان تجعله حريصاً على الالتزام بها وحياطتها على مستوى الفرد والمجتمع حيث غدت مرتبطة بالوجدان الفردي والجمعي، ومع أنّ درجة الحضور القلبي أثناء الصلاة والدّعاء تتفاوت من شخص إلى آخر وفي الشخص نفسه، إلّا أنّ التكرار والاستدامة المفروض بالشرعية، لا شكّ أنها تترك في نفس الإنسان الدرجة المطلوبة من الشعور بالحضور الإلهي في الوجدان.

ثمّ إنّ تعميق شعور الإنسان بالحضور الإلهي في واقع حياته وفي أعماق قلبِه يشغلُ قلبه، ويفرغُه من المؤثّرات الضارة، التي يتعرّض لها في تقلّبات أحواله، من رغبات نابعة من داخله، أو مؤثّرات تقع عليه من خارجه، كالخوف من المجتمع الضال أو السلطان الظالم، هذه المؤثرات، التي في العادة تدفعه إلى أفعال تخرجه عن فطرته السوية، فيقوم بالشرور والظلم، انسياقاً مع ما تستدعيه تلك المؤثرات، إذ الحضور الإلهي في القلب والوجدان هو رقيب إضافي قوي، يقوّم الوجدان إذا كبَا، فالله لا يمكن مخادعته، فيكون المؤمن هكذا محصّناً في ذاته ضد المؤثرات الضارة، فيلتزم في سلوكه بالقِيَم وبمندرجات العقيدة والشريعة بدافع ذاتي، دون خوفٍ من سلطة القانون أو المجتمع، ومثل هذا الإنسان يمتلك الأهلية لرفض الخطأ الجماعي، وهو الإنسان الحرّ بذاته، وهو هبة الله إلى البشرية بالوحي للأنبياء.

إنّ معادلة تعميق الشعور بالحضور الإلهي في وجدان البشر، لها وجه آخر شديد الأهمية في صيانة القيَم الإنسانية وانضباطيّة السلوك ضمن مندرجات الحق والصواب والخير، وذلك أنّ الله عزّ وجل هو الجهة الوحيدة التي لها الاطلاع المطلق على وجدان الإنسان وسرّه وخفية نفسه وحياته الخاصة، تلك المساحة من حياة الإنسان الخافية على المجتمع أو السلطات القانونية، أو أي جهة أخرى قد تُناط بها الرقابة على الإنسان، ما عدا الخالق الأقدس. هذه  المساحة التي ينشأ فيها العزم على انتهاك القِيَم والغشّ والخيانة وحياكة المؤامرات والتواطؤ ومعظم الشرور، هذه المساحة من حياة البشر التي هي الأشدّ حاجة إلى الرقابة الفاعلة. إنّ إحساس الإنسان بالحضور الإلهي وعلمه بانكشاف نفسه ونواياه لله تعالى هو ضمانة أخرى كبيرة تخدم في تحصين القِيَم وفي انضباطيّة السلوك على المنهج الحقّ، وفي المحصّلة فإنّ الإيمان بالله (عزّ وجلّ) بالتوحيد الصحيح، وعمق الشعور بالحضور الإلهي في حياة ووجدان البشر، هو رقابة عليا مقدّسة فوق رقابة الحكومات والقوانين والمجتمع وأي رقابة أخرى قد ينصّبها الإنسان على نفسه لحياطة القِيَم، هذه الرّقابة معزّزة بتعلقِ الوجدان الفردي والجمعي بقداستها، وبانكشاف أي خفيّة في نفس الإنسان لله، فكلّما عمّدت البشرية تعزيز الإيمان بالله في العقل والوجدان وما يرتبط به من قيَم ومفاهيم على النحو السابق، وما يرتبط به من عقيدة البعث والحساب، كلّما اقترب البشر من آمالهم في حياة تسودها العدالة والقِيَم والأمن، في معادلة عظيمة، قوامها الإنسان الصالح والقيَم المتأصلة في الوجدان الفردي والجمعي، وسلطة القانون العادل، وما يصحّ على صعيد المجتمع الضيّق … أيضاً على النطاق الأوسع أي المجتمع العالمي. إنّ صورة المنهج الرّباني الأصيل كما فهمناه من القرآن وسنّة المعصوم والذي أوضح وجه التوحيد الصحيح وقدّم الضمانات لحصانة القِيَم على النحو المذكور، من الطبيعي أن يقدم كذلك للبشرية الوجه الناصع للمفاهيم الإنسانية المرتبطة بالتوحيد الأصيل التي يحتاجها البشر لتستقيم حياتُهم في عالم تسوده القِيَم والأمان.

أظهرنا في هذا الجزء من البحث كيف أن القيم الإنسانية تُنتهك على مرّ التاريخ وخطورة العقائد العنصرية والدينيّة المُحرّفة التي تُنتِج مفاهيم خطيرة تَنتهك القيم بعيداً عن محاسبة الضمير الإنساني.

وأظهرنا الضمانات العالية التي قدّمها الإسلام الصحيح لتلك القيم، ضمانات ترتكز لا على سلطة النص فقط بل على ترسيخها في الضمير الإنساني والفردي والجماعي والتي تُشكل ضمانة فوق سلطة القانون والمجتمع والسلطة الدولية. وفي الجزء الثاني في العدد القادم سنبيِّن الأسس القرآنية والنبوية للقيم.

إغلاق