أسرة ومجتمع / صحة

أسباب الطلاق: الحقيقة الزوجية

213-214

بقلم:  السيد علي مكي

 

رغم أن العلاقة الزوجية هي الأوسع إنتشاراً في حركة العلاقات بين الأمم، إذ عاشها كلّ الناس عملياً، إمّا بدخولهم المباشر كأزواج أو كمراقبين في ضمن علاقة أسرهم  وأصدقائهم.

ولكنَّها بقيت حقيقة خفية على مساحة كبيرة من أفراد أمتنا.

فيا ترى ما هي إلزامات الزوجيّة في الحدود الشّرعية؟

نستطيع القول أن هناك إلزامين اثنين لا ثالث لهما واحدهما مرتبط بالآخر.

١ ـ إلزام الزوج بالنّفقة المادّية على مستوى المأكل والمشرب والمسكن ولوازم العلاقة الإجتماعية المتعارفة ويلحق بذلك الطبابة في حدود خاصة أو عامة.

وهذا الحق دلَّت عليه روايات عدة، منها: صحيحة جميل بن دراج قال:

لا يجبر الرجل إلّا على نفقة الأبوين والولد قال ابن أبي عمير قُلت لجميل والمرأة؟ قال: قد روى عنبسه عن أبي عبدلله (ع) قال: إذا كساها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها اقامت معه وإلّا طلقها(1).

٢ ـ إلزام المرأة بالطّاعة فيما يتعلق بحقّ الفراش والجانب الجسدي.

والظاهر من الأخبار وجود تقابل بين هذا الحق للزوج وسابقه بحيث تُحرم الزوجة من حقِّها بمجرّد امتناعها عن تنفيذ هذا الإلزام الخاص بها.

وقد روي في لزوم طاعة الزوج بالمعنى المذكور روايات عدة:

ما رواه أبو بصير عن الصادق (ع)  قال: «أتت امرأة إلى رسول الله (ص) فقالت: ما حق الزوج على المرأة؟ قال: أن تجيبه إلى حاجته وإن كانت على قتب(2). أي وإن كانت على ظهر الناقة.

وورد أيضاً ما يدل على ضرورة رفع الموانع التي تقف دون تنفيذها لهذا الحق ولو كان المانع عبادياً.

فقد روى أبو بصير عن الصادق (ع) في الخبر الصحيح، قال: «قال رسول الله (ص): لا تطولنَّ صلاتكنَّ لتمنعن أزواجكنّ»(3).

كما ورد ما يدلُّ على سقوط النّفقة  بالنشوز ومنع الرجل حقه فعن الصادق (ع) قال:

قال رسول الله (ص): «أيُّما امرأة خرجت من بيتها بغير إذن زوجها فلا نفقة لها حتى ترجع»(4).

هذا هو المقدار الثابت والمتيقن والمعمول به فقهياً من الحقوق اللّازمة على الزوجين… النّفقة من جهة، والطاعة في الفراش من جهة أخرى. وأمّا ما تعارف اليوم عملياً من خليطٍ للحقوق واعتبار المندوب واجباً أو الحرام مستحباً فهو مما لم يدل عليه دليل ولم يقل به فقيه من:

ـ طاعة الزوجة مطلقاً لزوجها وفي كل طلباته ولو بغير المعروف.

ـ تربية الذُّرية وتعليمهم.

ـ حاجات الضيوف.

ـ النظافة البيتية. . . . إلخ.

ولا يقصد من إثارة ذلك بيان تحريمه في الإسلام بقدر ما يُراد بيان أن محاسبة الأزواج بعضهم في مشاكلهم كثيراً ما تنطلق من حقائق مغلوطة حيث يحسبون ما ليس بحق لهم حقاً لازماً.

بل يمكنني القول أن غالب أو أكثر مشاكل الطلاق تنطلق من هذه الحسابات الخاطئة…

ولأهمية هذا الموضوع لا بأس بإدراج البحث في أمور قد يتراءى دخولها في الحق الإلزامي.

أولاً ـ العِشرة بالمعروف:

قال تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا” [النساء: 19] فإنّ الأمر في قوله تعالى وَعَاشِرُوهُنَّ ظاهر في الإلزام وهذا يدلُّ على حقٍّ زائد على ما تقدم بيانه.

والجواب أن العِشرة بالمعروف لا يخلو أن يُراد منها:

أ ـ المعروف بالمعنى اللغوي وهو الخير والإحسان وما عد ضداً للمنكر والشر.

وهذا المعنى لا يمكن إثباته لأن البر والخير والإحسان كل ذلك يقع في دائرة المستحبات لا الواجبات ولا يظهر وجود القائل من الفقهاء بوجوب المعروف بهذا المعنى على الزوج.

ب ـ المعروف بالمعنى العدمي من ترك الإساءة إليها بإهانتها وتقبيحها وضربها وممارسة ألوان العذاب النفسي والجسدي.

وهذا المعنى وإن كان لازماً ولكنه ليس خاصاً به بما هو زوج فإن المحرمات المذكورة شاملة لغير الزوج أيضاً.

والروايات أوضح وأجلى من أن نستفيض بذكرها.

ثانياً ـ ترك الزوجية جسدياً:

لقد نصَّ الفقهاء على حرمة ترك الزوجية جسدياً بمعنى (الدخول) فترة تزيد على الأربعة أشهر.

ونصَّ البعض على حرمة تركها (إحتياطاً) بمعنى المضاجعة فترة تزيد على أربعة ليالٍ ولو كانت واحدة.

وفسّرت المضاجعة بالبيات معها ليلاً أو بإضافة البقاء معها صبيحة الليلة كما هو مَروي.

وهذا الحق وإن كان إلزامياً ولكنه أقرب إلى الإجراء الوقائي خصوصاً بمعناه الأول.

ومن هنا دلَّت الأخبار على تحمّل الرجل إثم المرأة في الحالة الشاذة التي يتسبب هو بحصولها.

ويؤكد كونه أقرب إلى الإجراء الوقائي خلو جميع الروايات المبينة لواجب الزوج من ذكر هذا الإلزام وخصوصاً ورود النص بالمنع في خصوص الشابة.

فقد روى صفوان بن يحيى في الخبر الصحيح عن أبي الحسن الرضا (ع) أنه سأله عن الرجل تكون عنده المرأة الشابة فيمسك عنها الأشهر أو السنة ولا يقربها ليس يريد إلا ضراراً بها يكون لهم مصيبة يكون في ذلك إثماً؟ قال: إذا ترك أربعة أشهر كان آثماً بعد ذلك(5).

وإن أبيت عن تصوّر ذلك فليكن هذا الحق ملحقاً بالحق الأول وإن اختلف معه في إثارته للمشكلة والفرقة كما هو واضح.

ثالثاَّ ـ مغقرة ذنبها:

وهذا الحق ورد في عدة روايات مقروناً بالحقوق الواجبة كالنّفقة وهذا يوحي بظهوره الأوليّ بوجوب أن يغفر الزوج لزوجته أخطاءها وعثراتها.

فقد روى إسحاق بن عمار أنه سأل الصادق (ع) عن حق المرأة في زوجها فقال (ع):

«يشبع بطنها ويكسو جثتها وإن جهلت غفر لها»(6).

وهذا المضمون بما يوحي من وجوب ذلك على الزوج مما لم يَقُل به فقيه وإن قالوا به في القسمين الأولين في الرواية… وعليه لا يمكن العمل بهذا الحق كأمر لازم وإن كان من راجحات الأخلاق.

ومن هنا لا تتعرض له الروايات الباقية مع ذكرها لحق النّفقة.

فقد روى روح بن عبد الرحيم: «إذا أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة وإلا فرق بينهما».

وفي رواية أدرج غفران الذنب من ضمن الإحسان.

فقد روى يونس بن عمار عن الصادق (ع) أنه زوَّجه جارية كانت لولده إسماعيل وطلب منه الإحسان إليها وفسّرَها له بقوله: «…أشبع بطنها واكسُ جثتها واغفر ذنبها»(7).

رابعاً ـ الخروج من المنزل: ولهذا الحق صيغتان:

أ ـ حرمة خروجها في كل ظرف يتنافى مع حقه (الفراش) المتقدم بحيث يرتقب إعماله لهذا الحق.

ولا تشمل هذه الصيغة مورد سفره أو مرضه أو ما شابه ذلك لعدم منافاة خروجها مع حقه لعدم قابليته لذلك.

ب ـ حرمة خروجها من منزلها مطلقاً إلا بإذنه ولو لم يتنافَ مع السفر أو غيبة أو عمل أو مرض وغير ذلك.

ويظهر أن كلا القولين مطروحان فقهياً، فقد ذهب جمع إلى الثاني وبعض إلى الأول.

والقول به ضمن الصيغة الأولى وإن كان إلزاماً إلا أنه من مقدّمات حق الفراش لا أنه حقّ آخر وإلزام آخر غير ما تقدم.

والذي يبدو من خلال التأمل في الروايات هو الاتجاه الثاني لعدم تقييد حرمة الخروج بالمنافاة مع حقه بل هي ظاهرة في المنع المطلق بغير إذنه فقد روى محمد بن مسلم في الصحيح عن الباقر (ع) قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله (ص) فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة. فقال لها: تطيعه ولا تعصيه ولا تصدق من بيتها شيئاً إلا بإذنه ولا تصوم تطوعاً إلا بإذنه ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه فإن خرجت بغير إذنه لعنتها ملائكة السماء وملائكة الأرض…».

بل ورد في خبر ابن ابي عمير بن عبد الله بن سنان ما فيه غرابة.

وروى الصادق (ع) قال: «أن رجلاً من الأنصار على عهد رسول الله (ص) خرج في بعض حوائجه وعهد إلى امرأته عهداً ألّا تخرج من بيتها حتى يقدم قال: وإنَّ أباها مرض فبعثت المرأة إلى رسول الله (ص) فقالت: إن زوجي خرج وعهد إليّ أن لا أخرج من بيتي حتى يقدم وإن أبي مريض فتأمرني أن أعوده؟ فقال: لا، إجلسي في بيتك وأطيعي زوجك قال: فمات فبعثت إليه فقالت: يا رسول الله إن أبي قد مات فتأمرني أن أصلي عليه؟ فقال: لا إجلسي في بيتك وأطيعي زوجك قال: فدفن الرجل فبعث إليها رسول الله (ص) أن الله قد غفر لك ولأبيك بطاعتك لزوجك»(8).

والحديث من حيث السند صحيح لصحة سند الصدوق (قده) إلى ابن أبي عمير.

ولكن الالتزام بمضمونه وإن لاح من بعض الأعاظم مشكل جداً لمنافاته لروح التشريعات الكثيرة خصوصاً ما تعلّق بالوالدين وحقهما… فجعل حق للزوج بهذا النحو المذكور في الرواية لا يعقل كونه من الإسلام كما أفاده بعض مراجع العصر.

كما أن هناك حقوقاً أخرى تعرَّضت لها الروايات، ولا يظهر الالتزام بها من أحد.

كالتطيّب والتزيّن الدائم.

ولزوم عرض نفسها عليه ليلاً…

وغير ذلك… مما لا يندرج تحت المعاشرة بالمعروف.

وبعد هذه المقدمات الموضّحة لحدود الحقوق الزوجية يكون واضحاً أن كثيراً من حالات الفرقة منشؤها الخلط بين الواجب وبين غيره… وجعل هذا الخط ولو بحكم العدة والسيرة أساساً لمحاكمة ومحاسبة الطرفين بعضهما بعضاً.

فالأساس الزوجي وإن قام على الشركة والتعاون وتوزيع الأدوار، ولكنه محكوم بمنطلق إحساني وأخلاقي.

ولا بد من المحافظة على طبيعة هذا الأساس بمعناه الصحيح لئلا تختلط الأمور على الزوجين الشريكين فينغصان عليهما العيش الرغيد.

وما أكثر ما جاءني الزوجان المختلفان في مشاكل من هذا النوع.

ـ خلاف على ترتيب أثاث المنزل.

ـ خلاف على كيفية البناء .

ـ خلاف على طبيعة بعض الزيارات.

ـ خلاف على نوم الزوج خارج داره في بعض لياليه.

ـ خلاف على فقدان الزوج لوجبة طعام.

ـ خلاف على لون أو شكل بعض المشتريات.

وغير ذلك مما مرجعه إلى الجهل بالحقيقة الزوجية ولزومها الصحيحة.


المصادر:

(1) الوسائل ج ١٥ باب ١٥ من أبواب النفقات حديث ٧.

(2)  الوسائل ج ١٤ مقدمات النكاح باب ٧٩ حديث ٢.

(3)  الوسائل ج ١٤ مقدمات النكاح باب ٨٣ حديث ٤.

(4) الوسائل ج ١٥ أبواب النفقات باب ٦ حديث ٦.

(5)  الوسائل ج ١٤ مقدمات النكاح باب ٧١ حديث ١.

(6)  الوسائل ج ١٥ النفقات باب ٢ حديث ١.

(7)  الوسائل ج ١٥ باب ١٥ حديث ٦ و٨.

(8) من لا يحضره الفقيه حديث ١٣٣٣.

إغلاق