آفاق معرفية

هل الصحة النفسية إرادية؟(2)

213-214

بقلم: حسن العاملي (*)

 

للطبيعة أيضاً مزاج يشبه مزاج الانسان:

في إحدى صور الطبيعة، أنهار تجري بماء عذب من ينابيع عالية، وعلى ضفافها بساتين يلاعبها النسيم. تحيطها غابات خضراء، تعانق نور الشمس. ومن حولها أزهار تتلألأ تحت سماء زرقاء. وفي الوديان، تجرف السيول الطين والرمال والفضلات، فلا تترك بركة آسنة، ولا مستنقعات كريهة. وفي تقلبات الطقس وتبدل المناخ، صورة أخرى لمزاج الطبيعة. الأصل في ماء المطر أن يكون نظيفا طاهرا. وحينما يسقط على الأرض يتلوث، وربما يحمل جراثيم. وهكذا حال الإنسان، عندما  يصرف أمور حياته في أوانها وفي مجاريها، فلا مشكلة تنشأ. ولا مزاج  يتعكر. أما تأجيل الأمور واختلاطها، فيؤدي إلى تراكمها وتعقيدها. كثير من المشاكل يمكن تفتيتها وتذويبها على مراحل، حتى لا تترسب داخل النفس. المشكلة حينما تواجهنا لأول مرة، تكون في أشد عزمها، ما يتوجب اليقظة والحذر.

مفردات الصحة النفسية: 

هناك واقع خارج عن إرادة الإنسان وقدراته. مثلما يحصل عند التعرض لحادث مفاجيء، أو الى مرض طارىء. أو أن يجد الإنسان نفسه مهجراً أثناء الحروب والنزاعات. أو أن يولد بميزة كما شاءها الله. تلك حالات خاصة يتكيف الإنسان معها ويتأقلم مع متطلباتها. إذا إستثنينا أمثال تلك الظروف وذلك الواقع، يصبح التحكم بالمزعجات والمضايقات والمشاكل أمراً لابد منه.

المزعج هو كل ما يولّد في النفس قلقاً وتوتراً، أو يقظةً مفاجئةً. هذه المزعجات، إن لم يكن ممكناً الابتعاد عنها وتجنبها سلفاً، فهي تزول بزوال أسبابها الآنيّة، وتصبح من الماضي. وفي العلاقات الاجتماعية والروابط الإنسانية، تنشأ كثير من المضايقات. بعضها يكون عابراً  أو غير مقصوداً. لكن أكثرها يكون مقصوداً بمظهره السلبي. يمكن تجنب الكثير من مصادر المضايقات. بالابتعاد عن النقاش والجدال، وبناء سياج من الورد، بين الفرد والآخرين. وفي حالات أخرى، يصبح الردع الحاسم، ضرورة لإيقاف المضايق.

المشاكل والاشكالات التي يتعرض لها الإنسان، كثيرة لا تحصى. والمشكلة هي الحالة الطارئة أو الموقف المستجد الذي يؤثر أو يغير من تصرف الإنسان وسلوكه. وحتى بعد زوال المشكلة، يبقى لها في الذاكرة مدى، وفي  النفس صدى. وبقدر ما نتأقلم مع متغيرات الحياة، نحافظ على صحة نفسية متوازنة ونشاط روحي. الإشكالات التي نواجهها يومياً، هي صنفان: أحدهما حار والآخر بارد. فالمشاكل الحارة تتطلب حلولاً فورية وعناية خاصة، ولا تقبل التأجيل. مثل: حادث سير، أو جريح ينزف، أو سقوط طفل في حفرة. أما المشاكل الباردة فيمكن تأجيل حلولها إلى زمن لاحق. مثل: معالجة مرض او دفع دين، أو شراء مسكن. هذه المشاكل يمكن تجزئة حلولها على مراحل حتى تزول أسبابها. في بعض الأحيان يمكن إيجاد بديل عنها أو إلغائها. وربما يتجاوز الزمن بعضها. أما أصعب المشاكل، فهي التي تقع في الماضي وتصبح أسبابها خارج السيطرة. لكن آثارها تبقى ملازمة للإنسان وتضغط على صحته النفسية دائما. مثل: فقد عزيز أو خسارة مالية أوتهجير وتشتت أسرة. في مثل تلك الحالات، يصبح التعايش مع آثاراها هو المشكلة.

بعض الناس يمارس هوايات أو يستعين بنشاطات لتخفيف ذكراها. ومن الناس من يتوقع السلبية والاشكال في كل نشاط يقوم به. فاذا حصل النجاح، فذلك هو المطلوب. وإذا حصل الفشل، فهو المتوقع. وفي كلتا الحالتين، هو في أمان من المشكلة. هذا الطرح يؤكده الحديث بقوله « موتوا قبل أن تموتوا «. وفي أغلب الأحيان، يظل هناك هامش من التفاؤل والتفاعل الايجابي مع المحيط، لطرد التردد والقلق وتجنب ما يدعو للحزن واليأس والاستسلام. إذا كان للإرادة القدرة على إبعاد مسببات الإزعاج والمشاكل الطارئة، فالحكمة واليقظة الروحية لها القدرة للتعامل مع رواسب الماضي. ومما يزيد الأمور تعقيدا، الحشرية وتدخُّل الآخرين في شؤوننا الشخصية.

“يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا”[النساء: 28]

قانون الصحة النفسية:

إذا أكل الجائع طعاماً، وإذا شرب العطشان ماءاً، وإذا نام النعسان في فراشه، وإذا ارتاح المتعب بعد جهد، فهل هناك مشكلة؟ هكذا حال الصحة النفسية. فهي بخير إذا كان كل مزعج  يجد له مخرجاً، وكل إشكال له حل. لكن الصحة النفسية تصبح مريضة، إذا تراكمت عليها إشكالات متوالية، ليس لها حلول. إذا لم يؤجل عمل اليوم إلى غد، فغدنا يصبح يوم جديد. وفي جميع الحالات، لا يبقى المشكل قائماً إلى الأبد. فإما أن ينتهي إلى حل أو يتلاشى في النهاية. وإذا لم يستطع الإنسان تغيير معطيات الواقع، أو تعذر عليه التحكم بمجريات الأمور، يبقى السلام الداخلي هو الملجأ والبلسم للصحة النفسية.

لا يعرف أكثر الناس أن في داخلهم طاقة روحية هائلة تظهر في المواقف الصعبة واللحظات الحرجة، فتصنع المعجزات. الجزء الضئيل القليل من ينبوع تلك الطاقة، يشفي الإنسان صحياً ونفسياً وروحياً ويتخطى الإشكالات والمزعجات والمضايقات. من الناس من يشعر بتلك الطاقة، وهو في حضيض اليأس، فيخرج من دوامة التوتر والقلق، ويمارس الهوايات والرياضة والنشاط الاجتماعي،

وكأنه خلق من جديد.

وآخر ينتفض ويتحدى ويعلن الحرب على دوامة الحزن والندم، ويغرف من تلك الطاقة أكواباً من الفرح والبهجة والسعادة.

وثالث، يهرب إلى لذّة التسوق والمشتريات.

ورابع، يتبع رغباته الدفينة لينسى مشاكله. لكن أول وآخر كلمة في الصحة النفسية، إنها نسبية حسب الشعور الداخلي للشخص ذاته. فرب كلمة جارحة، تشعل حرباً هنا، وأخرى هناك تطفيء ناراً. وثالثة يسخر منها حليم.

“وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ” [الفرقان: 63].

الأمان مدخل إلى السعادة:

إذا طرق سمعنا أن شخصاً ما، لا يحتاج ما دام عنده مال، ولا يجوع لأن عنده طعام، ولا يمرض لأن صحته جيدة، عنده أسرة وبنون وبنات، لديه علم وحكمة، تبعد عنه الجهل والتوتر. فوق ذلك، فهو غير مكبّل بقيد، ولديه الكثير من عوامل الإنتماء التي تؤمّن له الاستقرار. فمن أين يتسرّب الخوف إلى نفسه؟ وأي شيء يزعزع الأمان الذي يعيش فيه؟  فلا إعتلال نفسي يلحق به، ولا شكوى لديه.

هذه الصورة المثالية لا تتوفر أبدا لأي إنسان. وإذا توفرت، تكون آنية أو مرحلية. وفي الغالب، يتعرض كل إنسان، وفي أوقات مختلفة وظروف طارئة، إلى إختلال في عوامل الأمان، فتنشأ في النفوس أزمات وأعراض سلبية، كالحزن والقلق أو الانهيار النفسي. رغم ذلك، يمكن للمتأمل في مجريات الحياة، أن يستنبط حلولاً مناسبة لكثير من الشكاوى والاشكالات.

من هم السعداء؟

رغم أن غالبية البشر تمر باشكالات ومواقف متأزمة تعكر صحتهم النفسية، إلا أن هناك أشخاصاً لا تقربهم المشاكل. هم أسعد الناس على الأرض. يعيشون بيننا، لكن عالمهم هو عالم الصفاء والفرح والسعادة.

أولهم، لا تطاله مشاكل ولا إشكالات:

هو شخص يعطي الآخرين ويطعمهم. يلبسهم ويحميهم من البرد، ويغذي أطفالهم بالحليب. ليس عنده أعداء، ولا حساد. أصدقاؤه ليسوا من البشر. يفهم لغات غير لغاتهم. لا يوجد في قاموسه مصطلح للطمع، ولا للكذب أو الغيبة. لا يتباهى ولا يتكبر. صبور متواضع، لا يغضب. يمشي مرفوع الرأس، ولا يتعب. صحيح البدن، ولا يمرض. لا يخاف من الناس، والناس لا يخافونه. يسلّم على الناس من بعيد ويسلّمون عليه من بعيد. لا يفكر بالأمس، وغده يشرق بنور الشمس. يعيش خارج دائرة مشاكل البشر. إنه فيلسوف يعشق الطبيعة ويتآخى مع الفطرة. يلبس نعالاً ويحمل عصاً، يهش بها على غنمه. إنه راعي الغنم. هو مثال الإنسان الذي يخلق السعادة بإلغاء نقيضها. ومن رعاة  الغنم  من كانوا قديسين.

الثاني: يسبح في الماء ولا يتبلل:  

هو يعيش مع كل الناس، ويعرف كل الناس، ويفهم كل الناس. يعرف المدينة من جميع أطرافها، يجول بين الناس، يعرف أسرارهم  وأعيادهم، ومتى يفرحون ومتى يحزنون. لا يحمل هماً في يومه، ولا خوفاً من غده. لافرق عنده إذا كان الجو ماطراً أو صحواً، بارداً او حاراً. لا يخبىء عيباً فيه، ولا يهتم لمظهره. طعامه متوفر في كل آن، وطلباته مستجابة في كل حين. يعمل ما شاء دون أن يخاف. لا يمسه مرض ولا يدنو منه حزن. هو حر طليق، لا يملك شيئاً، ولا يدفع ضريبة، وليس عليه ديون. إنه دائرة معارف في وسط المدينة. يغني ويضحك ويرقص في كل مكان. هو سعيد وفرح دائماً وأبداً. إنه ليس فقيراً يستعطي، بل هو درويش مُعدم، يسبح في بركة من الطين، ولا يتلطخ. لا يلبس الا قميصاً وسروالاً، لايخاف من اللصوص.

الآخر، يطل على نافذة من الجنة:

هو شخص، حياته نقيض لحياة الراعي. شخص حطمته المعاناة القاسية. ذاق مرارة الألم والظلم من البشر أنفسهم. شخص فقد جميع مقومات الحياة، كأنه فقير ويتيم وأمي، أصبح غريباً وبلا معين. ينظر إلى نفسه فيجدها محبوسة داخل قوقعة مغلقة من الحزن والوحدة والألم، ولا يجد أمامه فسحة من الامل.

فجأة، وفي لحظة من النفحة الروحية، تنفتح له نافذة مشرقة تنير ظلامه الداخلي، فيصبح حراً طليقاً. يشعركأنه  طائر شفاف خفيف الوزن. يشاهد تألقاً جديداً في نور الشمس، ورائحة زكية في كل نسمة هواء. يرى في الزهرة أعجوبة الخالق، وفي الطير معجزة الخلق، وفي الماء الشفاف ما يروي العطش، وفي الفاكهة المعلقة على الشجر، ما يشبع جوعه. جسمه يصبح من الهيولى، ونفسه تجردت من الهموم. ليس لديه مشاكل كما يعرفها البشر. عند ذلك، تنطلق في نفسه طاقة روحية، وتنفتح له أبواب من السعادة وبهجة الحياة. فليس بعد شدة المآسي والمعاناة، غير نافذة تطل على جنات تجري من تحتها الأنهار. إنَّه خُلق من جديد، ومن حوله تشع الكرامات. صحته النفسية تصبح هي المعيار، وهي المثال.

“وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ” [لقمان: 22]


(*) مهندس، عضو في معاهد الهندسة البريطانية، مدرِّب تقني، كاتب ومترجم.

إغلاق