قضية ورأي

الزواج المنقطع: مـا لـه ومـا عليـه (الجزء الأول)

211-212

بقلم: مرتضى السيد حيدر شرف الدين

 

خلق الله الإنسان كائناً مميزاً في توليفته بين حاجاته البيولوجية الحيوانية، وحياته العاطفية الانفعالية المتطورة والمعقدة، وعقله المدرك المبدع الخلاق، فكان حالة خاصة في الموجودات لم تُبرمَج بالتلقائية التي نجدها في غيره، بل تُرِكَت ضوابطه لنفسه، وجُعِل بينه وبين إشباع مطالبه لوازم لا بد من تحقيقها قبل أن يقدم على إشباع رغباته، وإلا كان مداناً بما لا تدان به الحيوانات.

فقد روى الصادق (ع) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): «إنّ الله (عزّ وجل) ركّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل. وركّب في بني آدم كليهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم»(1).

من هنا كانت جدلية التوفيق بين ضوابط العقل وبين إشباع الحاجات، ووقع الإنسان في دوامة الحفاظ على المسؤولية من جهة وتلبية مطالب الجسد والنفس من جهة أخرى.

وهنا بدأت المعركة بين الجهتين، والتي لا تنتهي إلا بفناء عمر الإنسان.

هذه المعركة التي جعلها علماء النفس سبب معظم المشاكل النفسية وإن اختلفوا في العامل الرئيسي فيها، فجعله فرويد الغريزة الجنسية، وجعله أدلر إرادة القوة وإثبات الذات اجتماعياً، وجعله روجرز وماسلو إرضاء الذات وتحقيقها.

والمحصل في الجميع هو معركة إرضاء حاجة دون تعارض مع العقل أو الضمير أو الأنا الأعلى على اختلاف التسميات والاصطلاحات.

ومن أهم ميادين هذا الصراع ميدان جدلية العلاقة بين الجنسين، بمختلف جوانبها الجسدية والعاطفية، فالرجل منذ كان على الأرض يتوق إلى المرأة ويأنس بها ويطلبها من عدة جهات.

هذه الحاجة الملحّة التي تجعله يلقي نفسه في أتون المسؤولية والعمل الشاق، ويتحمل تبعات إنشاء الأسرة وتلبية احتياجاتها المتزايدة، فهي العامل الأساسي الذي يدفع بالرجل إلى الزواج، وتأتي من بعده عوامل الرغبة في الاستقلال، والحاجة إلى الأبوّة وغير ذلك.

لكن بقيت هناك حلقة مفرغة يرزح الإنسان المنضبط تحت وطأتها، وهي أن الشرائع والأعراف حصرت شرعنة التواصل بين الرجل والمرأة بتكوين الأسرة عبر الزواج، مع العلم أن الحاجة إلى هذا التواصل بجانبيه العاطفي والجنسي تبدأ مع سن البلوغ (13 إلى 15 عاماً)، بينما لا يصبح الإنسان لائقاً بتأسيس أسرة وتربية أطفال وتحمل مسؤوليات إلا بعد أعوام عديدة قد تصل إلى 5 في حالة الفتاة وتمتد إلى ما بين الثمانية والعشرة في حالة الشاب.

فماذا يفعل الإنسان في هذه الفترة الطويلة؟

وكيف يشبع حاجاته المختلفة ذات الإلحاح اليومي؟

وكيف يسعه قمعها في ظل تزايد المثيرات مع تقدم الزمن؟

ثم من جهة أخرى فإن الشراكة الأسرية هي شراكة في جهات مختلفة، وبالتالي فإن اختيار الشريك يبتني على مراعاة عدة مواصفات تتعلق بإدارة المنزل، والكفاءة في التربية، والثقافة والبيئة، إضافة إلى التماهي العاطفي والجنسي.

وهذه العوامل مجتمعة قد يصعب تحصيلها بسهولة.

فبأيها ينبغي التضحية عند اختيار الشريك؟

وكيف يمكن التعويض عن الجانب المضحّى به إذا ما ألحّت حاجته؟

 الزواج المنقطع: أطروحة مدرسة أهل البيت (ع) الرائدة:

انفردت مدرسة أهل البيت (ع) بتشريع متميِّز أخرج تأسيس الأسرة والاحتياج العاطفي ـ الجنسي من التلازم الدائم والمطَّرد بينهما، حيث شرَّعت هذه المدرسة زواجاً مؤقتاً يعيش فيه الزوجان الحياة الزوجية في جميع أطرها غير المشتملة على تبعات ومسؤوليات، فلا مساكنة، ولا قيمومة للزوج، ولا نفقة عليه، ولا إرث بينهما، يستمر هذا الزواج لفترة يتفق عليها الفريقان، وينتهي بانتهائها، أو بهبة الرجل للفترة المتبقية من العقد، ويسمى فيه مهر معين يهبه الرجل للمرأة.

بعد ذلك يصبح الرجل والمرأة زوجان شرعيان بكل ما للكلمة من معنى، يحقٌّ لهما أن يتبادلا كل ما يتبادله الزوجان في شتى المجالات، دون أن يكون عليهما مسؤوليات تجاه بعضهما.

وفي حال نتوج مولود عن هذا الزواج فإنه يتمتع بجميع حقوق الولد الشرعي من النسب ووجوب النفقة واستحقاق الميراث.

بينما تشدَّدت المدارس الأخرى في تحريم هذا الزواج والتحامل عليه تبعاً لبعض الصحابة مع اعترافها بأنها كانت مسنونة في عهد رسول الله (ص)، ولكن ادّعوا أن هذا التشريع قد نُسِخ لاحقاً.

فقد روى البيهقي عن جابر عن عمر بن الخطاب: أنه خطب الناس فقال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) وأنا أنهي عنهما أو أعاقب عليهما. أحدهما: متعة النساء فلا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلا غيبته في الحجارة. والأخرى: متعة الحج أفصلوا حجكم عن عمرتكم فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم»(2).

واستمر الاحتجاج بين المدرستين من زمن التحريم إلى بقية عصور الأئمة (ع) الذين احتجوا لها بآية من كتاب الله.

فقد أخرج الكليني عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال : «سمعت أبا حنيفة يسأل أبا عبد الله (ع) عن المتعة، فقال: «عن أي المتعتين تسأل؟» فقال: سألتك عن متعة الحجّ فأنبئني عن متعة النساء أحق هي؟ فقال: «سبحان الله أما تقرأ كتاب الله: “فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ” [النساء: 24]. فقال أبو حنيفة: والله كأنّها آية لم أقرأها قط»(3).

بل صرّحوا باعتبارها الحل الأمثل لتنظيم العلاقات الجنسية في المجتمع، فقد روى الكليني بسنده عن عبد الله بن سليمان قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: كان علي (ع) يقول: «لولا ما سبقني به ابن  الخطاب ما زنى إلا شقي»(4).

 مفاعيله الإيجابية:

أوجد الزواج المنقطع مساحة واسعة لملء الفراغ العاطفي ـ الجنسي بين الرجل والمرأة بإخراجه العلاقة التبادلية بينهما من بوتقة الأسرة وإعطائها مساحة حرة تتناسب مع كثير من الوقائع التي لا تتحمل بناء أسرة بمقتضاها:

1 ـ فهو أوجد حلاً للشاب في فترة المراهقة التي يكون فيها الشاب قد بلغ مرحلة النضوج الجنسي ولكنه لا يكون قد بلغ من الرشد والاستقلالية مرتبة تخوِّله أن يكون معيلاً لأسرة ومربياً لأولاد، فيحصل على حاجاته العاطفية والجنسية في إطار يتناسب مع مرحلته من جهة عدم  ترتُّب مسؤوليات وتبعات غير متناسبة مع مستوى نضجه.

ولهذا الأمر عدة مفاعيل إيجابية في مجالات مختلفة:

أ ـ إنّ إشباع العاطفة والغريزة عند المراهق تساعده على المضي قدماً في نشاطاته الأخرى بعيداً عن ضغط الكبت الذي تسببه له المثيرات المحيطة به، ما يخفف من تشتته الذهني وتأزمه النفسي. وهو أمر نعايشه في تجارب العمل الاجتماعي، حيث نصادف الكثير من حالات التأزم عند الشباب الناتجة عن الكبت والإثارة. وهناك شاهد لطيف عن أحد مفكري مدرسة التحريم ينقله الأديب الأستاذ حسن معتوق، يقول: كنا ندرس في كلية التربية في الجامعة اللبنانية أواسط سبعينيات القرن الماضي، وكان أستاذ النظم الإسلامية الشيخ الدكتور صبحي الصالح مستشار مفتي الجمهورية، وفي إحدى الحصص استطرد الدكتور في الكلام عن ذكرياته الأزهرية فقال: كنا أيام الدراسة في الأزهر الشريف نعاني من التعب والإرهاق، وكان لنا صديق أنشط منا دراسياً، إضافة إلى راحة نفسية تبدو عليه، فسألناه عن السبب، فقال: أنا جعفري المذهب، ومتزوج بالزواج المنقطع، لذا فأنا لا أعاني من الكبت، ولا تؤثر عليَّ مثيرات الشارع في القاهرة، ومن هنا فتوجهي الذهني في الدراسة أفضل.

يعلق الدكتور صبحي الصالح فيقول: فقلت لأصدقائي: إنّ جعفر الصادق (ع) فقيه من أئمة الإسلام فلماذا لا نتبعه في هذا الفرع فنرتاح في دراستنا وعبادتنا؟

وفي هذا السياق أنقل تجربة من تجارب العمل الاجتماعي التي عايشتها: جاءني أحد الأصدقاء يوماً يستشيرني في أمر تلميذ يعطيه دروساً خصوصية، كان متفوقاً في الصف الثامن فلما بلغ الصف التاسع بدأت دراسته بالتدهور، ولما استخبره الأستاذ عن الحال أخبره بأنه يعاني من الكبت نتيجة تحرر المدرسة واختلاط الطلاب والطالبات فيها، ونتيجة مغريات شبكة الإنترنت، وأنه نتيجة ذلك لجأ إلى الإشباع الذاتي فازداد تأزمه، حتى أغراه زملاؤه بالذهاب معهم إلى دور البغاء، وهناك حصل عنده توتر أوصله إلى فشل جنسي جعله محل سخرية وغضب المرأة العاملة هناك، فتدهورت نفسيته، وعكف على الإشباع الذاتي بإفراط، مع تردٍّ في حالته النفسية.

واستخبر الصديق عن الحل المناسب برأيي، فقلت له: إن الأوان قد فات على الكلام بالحلول الوقائية كالنشاطات الرياضية والاجتماعية، فالشاب قد دخل مرحلة اللاعودة، الآن قد انحصر الحل بزواج منقطع يرمم له شخصيته المحطمة، ويشبع حاجاته مع شريكة مستقيمة الأخلاق وطالبة لعلاقة آمنة مع شاب يافع لا يظلمها ولا يفضحها فتداريه وتراعيه، حتى يصل إلى السن المناسب لتأسيس أسرة.

ب ـ قد تكون الخبرة السابقة على الزواج عند الشاب حلاً للكثير من المشاكل الزوجية التي قد تهدد كيان الأسرة، خاصة في مجتمع لا يعيش ثقافة التوعية الزوجية المسبقة من الأهل، فانعدام الخبرة عند الزوج في بداية الزواج، أو استقاء الخبرة من مصادر معلومات غير مؤتمنة قد تفاقم العديد من المشاكل التي تكون بسيطة الحل، فتتحول إلى هادم لكيان الأسرة كمشكلة رهاب  العذرية التي يعاني منها حوالي 15 بالمائة من الفتيات في لبنان، والتي تحتاج إلى علاج نفسي طبي منزلي لا يصل إلى شهرين كحد أقصى، وإذ به نتيجة عدم الخبرة والثقافة عند الطرفين يتحول إلى مشكلة متفاقمة تؤدي إلى الانفصال، بل إلى صدمة نفسية مستديمة عند الطرفين.

وكذلك في حالات أخرى كسرعة القذف النفسي المنشأ، حيث تحوِّل قلة الخبرة وسوء المواجهة المشكلة البسيطة إلى عامل هدم للاستقرار الزوجي.

2 ـ إنّ عوامل الحروب والأمراض والحوادث والمشاكل الحياتية المتكثرة جعلت نسبة الأرامل والمطلقات عالية، إضافة إلى أنها بمفاعيل الموت والهجرة قد زادت التفاوت بين عدد الذكور والإناث، مع زيادة المتطلبات العرفية للزواج نتيجة ثقافة الرفاه المادي، كل هذا أدى إلى أزمة زواج لدى الفتيات العازبات فضلاً عن الأرامل والمطلقات اللواتي صار الزواج مجدداً بالنسبة لهن ضرب من المحال في مجتمع لم تعد العزباء ذات الأولوية تجد فيه الزوج المناسب بيسر.

كل ذلك مع تزايد الضغوطات النفسية نتيجة تفشي المثيرات في وسائل الإعلام والتواصل وما يترتب عنه من تفشيها في مجتمع العمل والشارع- والشواهد أكثر من أن تحصى.

وهنا يأتي دور الزواج المنقطع، إذا جاء ضمن الشروط والأجواء المناسبة، كمشبع عاطفي وغريزي يتيسر إيجاده لعدم تعلقه بمتطلبات تشابه تلك المترتبة على الزواج الدائم، ولأولوية الأرملة والمطلَّقة فيه خلافاً لوضعهما في الزواج الدائم.

أما الفتاة العازبة فسنفرد باباً للكلام عن الموقف الشرعي والمفاعيل الاجتماعية لزواجها المنقطع إن شاء الله تعالى.

3 ـ إنّ مؤسسة الزواج الدائم مؤسسة متعددة المتطلبات، فقد يتأمن الانسجام فيها في جهة ويفقد في جهة أخرى، هذا الفراغ في الجهة المفقودة سيسبب على المدى البعيد هوة متزايدة بين الزوجين، فيؤدي إلى توترات ومشاكل قد تودي بزواجهما رغم وجود الكثير من المشترك بينهما، كما لو كان بينهما انسجام في الرؤى والتطلعات والإدارة والتربية، مع وجود تباين عاطفي مثلاً، فمن غير المعقول التخلي عن شريكة ناجحة في كل هذه المجالات من أجل نقطة الفراغ العاطفي، كما أنه ليس من الممكن دائماً التغاضي عن الفراغ العاطفي.

والتعدد في الزواج الدائم لتعويض الفراغ العاطفي يترتب عليه تبعات أكبر من حجم العاطفة لكونه تأسيساً لكيان أسرة، فلا يمكن اختيار الشريك فيه على ضوء الأزمة العاطفية فقط، فنقع في مشكلة إنشاء كيان أسري جديد فيه ثغرات قد تكون جوهرية.

هذا فضلاً عن كون الكثير من الأزواج أصحاب المشكلة المذكورة ليس في مقدورهم تحمل تبعات تأسيس أسرة جديدة.

وهنا يأتي الزواج المنقطع كحل يجد فيه الزوج امرأة باحثة عن سد نفس الثغرة التي يريدها، فيستريح ويريح، ويكمل حياته في بنيانه الأسري مستمتعاً بنجاحاته دون أن تتنغص بالنواقص.

هذا فضلاً عن حالات الطوارئ في الحياة الزوجية كالسفر والمرض والحمل والولادة والتي لا يسع كل الرجال أن يصمدوا فيها لتفاوت مستوى الإرادة والضغط العاطفي والغريزي عندهم.

من أجل كل هذه المفاعيل الإيجابية والحاجات التي ينحصر حلها بالزواج المنقطع أخذت مدارس التحريم بين المسلمين تدور حوله باختراع مصطلحات واجتهاد زواجات تشابهه في المؤدى وتغايره في التسمية في إقرار صريح بضرورة هذا التشريع، لكن مع مكابرة واضحة فاضحة في الاعتراف بنبوية التشريع وبشرية التحريم.

نعم تبقى هناك عدة إشكاليات تتعلق بمفاعيل سلبية نراها لهذا الزواج على مستوى التطبيق الاجتماعي سنعالجها في حلقات قادمة إن شاء الله تعالى.


المصادر:

(1) الصدوق؛ علل الشرائع؛ ج1؛ ص5.

(2) سنن البيهقي؛ ج5؛ ص345.

(3) الكليني؛ الكافي؛ ج5؛ ص448 ـ 449.

(4) الكليني؛ الكافي؛ ج5؛ ص448.

إغلاق