أحيوا أمرنا

علي (ع) نموذج الإسلام(1)

211-212

بقلم: الأديب الراحل السيد صدر الدين شرف الدين

 

في انطلاقات التاريخ، لا يغيب وجهُ عليٍّ (ع) إلَّا ليشرقَ أسطع نوراً وأشدّ تألُّقاً ولمعاناً، وتغيب في المنعطفات الصراعيَّة أكثر الوجوه، ويبقى أقلّها، ولكن لا يلمع ومضها إلَّا إذا أدير نحو الماضي.

عليٌّ (ع) في مواكبته لحركة التاريخ المتطوِّرة إنسانٌ فريدٌ لا نجد له نظيراً بالاتصال بحقائق الحياة، ومبادئ الاجتماع والسياسة الأساسية في مداها الرحب البعيد، وقديماً وقف الفكرُ من حقيقته هذه مبهوراً حائراً يختلف بتقديره على أساسها اختلافاً يخضع إلى الزمن وإلى تقدُّم العلم، وإلى ما يظهره هذا ويكشفان عنه منها، ولكن أحداً من المفكِّرين منذ يوم عليٍّ (ع) حتَّى الآن ما كفَّ عن إكباره والإعجاب بما يبدو من اتّحاده بالفضائل الإنسانية اتحاداً أعجز القادة قبل غيرهم من الناس، وأوقف الجميع من تركيبه المبدع بين دَهِشٍ لا يدركه إلَّا إدراكاً غامضاً مبهماً، وبين مأخوذ يضع إصبعه على نواح من عظمته في تحديد ومعرفة.

نحن لا نتجنَّى على أحد من أبطال التاريخ، ولا نغضُّ شيئاً من أقدار منشئية على مرِّ العصور، كما لا يستهوينا السبك العباري مجرَّداً من المضمون المُعيَّن، ولكنَّنا نوضح مكان علي (ع) من القادة الخالدين استناداً إلى واقع التاريخ المعلل.

من لحظتنا هذه حتى ما قبل خمسة آلاف سنة صعداً زمانٌ أحاطت به معرفة اليوم إحاطة علمية تترابط فيها أحداثُه وأخباره ورجاله وآثاره وأدواره وعلومه وفلسفاته وفنونه ومذاهبه، وهو مدى ذو أبعاد تضجُّ فلواتُها بما لا يُحصى من البشر، وتحل تحوُّلاتُها بكثير كثير من القادة، كثير منهم يستحق إعجابَنَا ومحبَّتنا، غير أنَّا نقول جازمين: «إنَّ أحداً منهم لا يداني علياً في ارتباطه المستمر بقلوب الناس وعقولهم خلال مراحلهم الصاعدة على اختلاف عقائدهم وفلسفاتهم وألوانهم ولغاتهم، فأيَّةُ جاذبيَّة فيه تُحطِّم بينه وبين الناس أبداً حواجز الزمن وحدود المعتقدات وأسوار المناخات؟؟

وأيُّ سرٍّ يمدُّه بهذا التفوُّق المتصل؟

أهو إلهٌ حقّاً كما زعم بعض المحترقين بنار عظمته من صغار العقول؟
يبدو أولاً: أنَّ علياً يجمع من خصائص العظمة الذاتية المُحبَّبة إلى الناس، ما تفّرق في غيره من القادة، فمن يفقد مثلاً للقدوة في علم أو سلوك فإنَّ عليّاً كتلةٌ من قمم الفضائل المتفق عليها متضامنة متحدة تتحرَّك ولا تتفكك… ولا يجد الناسُ، مختلفُ الناسِ، غيره (ع) كذلك.

ويبدو ثانياً: أنَّ صبره في سبيل استكمال ذاته على معاناة الشدائد الهائلة وبذل التضحيات الكبار، بإنسانيَّةٍ صافيةٍ شدَّته إلى القِيَم الاجتماعية فكشفت له عن حقائقها الثابتة ومزجته بها من جهة، وشدَّته إلى قلوب الناس وعقولهم من جهة أُخرى شدّاً مترابطاً لم يوجد في غيره من الأبطال.

ويبدو ثالثاً: أنَّ بإمكاناته المجنّدة لتحقيق ما يتوق إليه الناسُ من عدل وحقّ ومساواة وحرّية وخير وسلم، جعلته التعبير الأسمى من آمال الناس وآلامهم في مختلف الظروف والأوضاع والشروط، ورسَّخت منه مصيراً تنتزع منه الثورات الإنسانية المتنكِّرة للأنظمة الجائرة بسائر أشكالها ودرجاتها العدوانيَّة المستبدَّة…

ويبدو رابعاً: أنَّ اتحاده البطولي بالفضائل الإنسانيَّة العليا لم يأت عفو الفطرة فقط، وإنَّما جاء نتيجة تربية ورياضة ووراثة وثقافة أنتجت عبقريَّة تنطلق بعمق مبكر من الحقائق التي لا تتبدَّل فتضع أُسساً لمخطط إنساني حضاريّ متكامل يساير عالَماً متغيِّراً نحو أهدافه الحتميَّة من الارتقاء إلى الحقائق العليا مسايرة لا تخاصم شيئاً من صراعاته وتطوُّراته بل تصالحها على توجيه التطوُّر وإخضاعه لمثله الأعلى.

يؤخذ هذا من قاعدة أساسية لعليّ (ع) أصَّلها في هذا الصدد فقال: ـ لا يمكن أن يتمّ انقلاب فكري دون تمزيق ـ، ومن أساسه التربوي إذ يقول: ـ لا تؤدِّبوا أبناءكم بأخلاقكم فإنَّهم خُلقوا لزمان غير زمانكم ـ.

حَسْبُنا من أسباب تفوُّق عليّ (ع) وارتباطه بقلوب الناس وعقولهم هذا القدر فقد وصلنا إلى أصلها وأقربها إلى القبول.

إنَّ تفكيره الموضوعي في مشكلات الزمن والمجتمعات يستقيم ويستقصي وينظر إلى المستقبل ويصيب… إنَّه يجمع هذه الشروط لأول مرَّة، وبه اكتسب التفوَّق على القادة في الماضي وكسب الأصدقاء من تلاميذه في منعطفات المستقبل.

نعم إنَّ هذا العامل أقوى العوامل في تفوُّق عليّ (ع) وخلوده وإكساب شخصيته هذه الجاذبيَّة الساحرة، ويجب النص على أنَّه مدين بهذا العامل للإسلام، فالحق أنَّ ثوريَّته رغم أصالتها في ذاته، ليست سوى عكس صادق لثورة الإسلام الممتدَّة بتركيبها الفكري امتداداً جذرياً في سمت التطوُّر مع الانقلابات أبداً حتى تبلغ بالإنسان حلمه المنشود.

فالإسلام نظر في الكون والحيـاة والمجتمع نظرة علمية مبناها تغيُّر العالم وتفاعل العناصر وصراع التناقضات، وقيادة الإنسان، ثـم صـاغ ـ وهنا البقاء القائـد ـ نصوصـه وفـق هذه النظرة مرنـة طيّعــة لا تصطـدم بشيء من التطوُّرات الثوريـــة، ولا تضيق بشيء من المشكــلات التي تواجهه في حركة الحياة الدائبة.


(1) هذه المقالة مقتطعة من دراسة باسم: «معنى الذكرى ومشكلة التاريخ» عالج المؤلف فيها العنوانين المذكورين وألقيت في احتفال نادي الإمام الصادق في صور بمناسبة الذكرى السنوية الخالدة «لعيد الغدير».

إغلاق