عقيدة

الرجعة ضرورة إعتقادية (الجزء الثاني)

211-212

بقلم: السيد حسان الحسيني

 

لقد أشرنا فيما سبق أن الكلام حول الرجعة طويل الذيل ونحتاج إلى تتبع واسع، ولكن هذا لا يعني أن نترك الكتابة عن هذه العقيدة المهمة التي تعتبر من ضروريات مذهب أهل البيت (ع).

وفي هذا المقام المتواضع سوف نلقي الضوء على حقيقة الرجعة وتفسيراتها، ثم إيراد بعض الإشكالات على الرجعة والرد عليهم وتوضيحها. أما المحور الآخر فهو بيان أن الرجعة ليست محصورة بالإمام المهدي (عج) بل تشمل كل أئمة أهل البيت (ع) والنبي (ص). أي أن هناك ثلاثة محاور سنبحث الرجعة من خلالها بالتفصيل.

المحور الأول:

حقيقة الرجعة:

بداية لا بدّ من تعريف معنى الرجعة «لغة واصطلاحاً» حيث يتبيّن الفرق بينهما وبالتالي تنجلي الصورة عند القارئ الكريم.

فالرجعة لغة كما قال الجوهري في الصحاح: «فلانٌ يؤمن بالرجعة، أي بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت»(1). وقال الفيروزآبادي في القاموس: «يؤمن بالرجعة، أي بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت»(2) وكذلك في مجمع البحرين للطريحي(3)، فنلاحظ أن التفسير اللغوي واحد بلا خلاف ظاهر بين اللغويين، وبالتالي لا يبدو هناك أي فارق بين المعنى اللغوي والاصطلاحي.

أما اصطلاحاً: فالرجعة هي عودة أو رجوع بعض الناس إلى الدنيا وذلك بعد ظهور الإمام المهدي (عج) وقيل قيام الساعة (القيامة) أي أن قوماً من الأموات سيعودون إلى الدنيا على نفس صورهم التي كانوا عليها، فيعزّ فريقاً ويذلّ آخر، ولا يعود إلّا من محض الإيمان محضاً، ومن محض الكفر محضاً، وهذا ما وردت به الأخبار عن أئمة أهل البيت (ع) ونذكر منها:

1 ـ صحيحة محمد بن مسلم قال: «سمعت حمران بن أعين وأبا الخطاب يحدّثان جمعاً قبل أن يُحدث أبو الخطاب ما أحدث أنهما سمعا أبو عبد الله (ع) يقول: «أوّل ما ننشق عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي (ع)، وأن الرجعة ليست بعامة، وهي خاصة، لا يرجع إلّا من محض الإيمان محضاً أو محض الشرك محضاً»(4).

وقد روى علي بن إبراهيم القمي في تفسيره قال: «حدّثني أبي عن ابن عمير عن المفضَّل عن أبي عبد الله (ع) في قوله تعالى:“وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا“[النمل: 83] قال: ليس أحدٌ من المؤمنين قُتل إلّا يرجع حتى يموت، ولا يموت إلّا من محض الإيمان محضاً، ومن محض الكفر محضاً»(5).

هذا نموذج من الأخبار التي تفيد هذا المعنى، كما صرّح أيضاً كثير من العلماء بذلك من خلال فهم هذه الروايات، ويقول الشيخ المفيد (قده): «والرجعة عندنا تختص بمن محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً…»(6).

ولكن بعدما قدمنا المعنى اللغوي والاصطلاحي لا بدّ من الإشارة إلى أن هناك عدة تفاسير أطلقت على الرجعة فمنها ما هو صائب ومنها ما هو خاطئ وسنشير إلى بعضها بشكل سريع. فمنهم من فسَّر الرجعة بالتناسخ وأن الرجعة هي إنكار للآخرة كما ذهب إلى ذلك بعض الفرق الباطنية والغلاة والحلّاجية، بينما التناسخ هو رجوع الروح ببدن جديد دنيوي وهذا بخلاف الرجعة التي هي رجوع البدن الأصلي للإنسان كما في المعاد الجسماني.

ومنهم من توهم الرجعة أنها عدم الموت والبقاء حياً وهذا ما ذهب إليه العامة حيث فسّروا الرجعة أنها تأليه لعلي (ع)، هذا نظير ما توهمته النصارى من حياة النبي عيسى (ع) ورجوعه(7). وقد نسبت العامة هذا التوهم إلى عبد الله بن سبأ ومنشأ ذلك عدم فهمهم لبعض المفاهيم نظير تخيلهم أن كل اتصال بالغيب نبوة ثم نسبوا إلى الإمامية القول بالنبوة في أهل البيت (ع).

ومنهم من فسَّر الرجعة بالظهور أي ظهور الإمام المهدي (عج) ورجوع الملك إلى أهل البيت (ع) ولكن هذا قول شاذ، قال الإمام الصادق (ع): «أحسنت يا مفضّل فمن أين قلت برجعتنا ومقصّرة شيعتنا [يقولون] إن معنى الرجعة أن يرد الله إلينا ملك الدنيا فيجعلهُ للمهدي (عج)، ويحهم متى سُلبنا الملك حتى يرد إلينا؟!!»(8). وقد ذهب بعض الأعلام إلى تفسير الرجعة بأنها نوع مصغّر من المعاد الجسماني ومعجزة من المعجزات وذلك كإحياء عيسى (ع) للموتى، هذا ما ذكره العلّامة الشيخ المظفر (قده) في كتابه «عقائد الإمامية» حيث قال: «أمّا الرجعة مستحيلة فقد قلنا: إنها نوع من أنواع البعث والمعاد الجسماني غير أنها بعث موقوت في الدنيا». وذهب إلى هذا القول جملة من علماء الطائفة. بالإضافة إلى بعض التفسيرات التي قيلت في تفسير الرجعة ولكن اقتصرنا على بعض معانيها من باب الاختصار.

المحور الثاني:
الإشكالات على الرجعة:

لقد ذكر العلماء في طيات كتبهم عدة إشكالات على الرجعة وثم الرد عليها، ولكن سوف نذكر أبرز هذه الإشكالات التي ترفع الوهم عن حقيقة الاعتقاد بالرجعة، وهي إشكالات أو شبهات ثلاث:

1 ـ الشبهة الأولى: لقد ذكر هذه الشبهة الشيخ المفيد (قده) في العيون والمحاسن أن بعض المعتزلة سأل شيخاً من أصحابنا الإمامية بحضور الشيخ المفيد (قده): أنه إذا كان الشيعة يقولون أن الله تعالى يرد الإموات إلى دار الدنيا قبل الآخرة عند قيام القائم (عج)، فما الذي يمنع من أن يتوب يزيد وشمر وعبد الرحمن بن ملجم ويرجعوا عن كفرهم وضلالهم، ويصيروا في تلك الحال إلى طاعة الإمام (عج)، فيجب على الشيعة حينئذ ولايتهم والقطع بالثواب لهم؟؟ وهذا نقض لمذهب الشيعة(9).

وقد أجاب الشيخ المفيد (قده) عن هذه الشبهة بجوابين:

أ ـ أن العقل لا يمنع من وقوع الإيمان من المذكورين لقدرتهم عليه آنذاك، لكنَّ السمع قد ورد من الأئمة (ع) بالقطع عليهم بالخلود في النار، والتديّن بلعنهم والبراءة منهم إلى آخر الزمان منع من الشك في حالهم، فجروا في هذا الباب مجرى فرعون وقارون.

ب ـ إنّ الله تعالى إذا ردّ الكافرين في الرجعة لينتقم منهم لم يقبل لهم توبة، حالهم حال فرعون لما أدركه الغرق “قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ” [يونس: 90 ـ 91].

فردّ الله عليه إيمانه ولم ينفعه ندمه في تلك الحال، ويدل عليه ما روي عن آل محمد (ع) في قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ” [الأنعام: 158].

فقالوا: إنّ هذه الآية هو القائم (عج)، فإذا ظهر لم تقبل توبة المخالف(10).

2 ـ الشبهة الثانية: وهي أن الذين ماتوا في الدنيا إنما ماتوا وفنيت آجالهم وأرزاقهم وإلا لم يموتوا وبالتالي يستحيل أن يرجعوا بلا آجالهم وأرزاقهم.

الجواب على هذه الشبهة: صحيح أنهم ماتوا بعد فناء آجالهم وأرزاقهم المكتوبة لهم في الدنيا، ولكن إذا رجعوا عاشوا بآجال وأرزاق مكتوبة لهم في الرجعة كما حدث لعزير، والذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحباهم، وفي السبعين الذين سألوا موسى (ع) أن يريهم الله جهرة فأخذتهم الصاعقة. ودليل الإمكان هو الوقوع، وقد حدث هذا الأمر من قبل وبالتالي ليس مستحيلاً.

ولكن لا بد من التنبيه على وجود فارق بين الحالتين وهو أن رجعة من سبق من الأمم التي خلت لم تكن لغرض الاقتصاص من العاصين كما هو صريح الأخبار، هذا بخلاف رجعة الكافرين ممّن محض الكفر محضاً عن قيام القائم (عج).

3 ـ الشبهة الثالثة: إن القول بالرجعة يستلزم القول بالتناسخ وهو عين الكفر ـ التناسخ هو حلول الروح بغير بدنها الأول ـ وبيان الملازمة هو أن الذين يرجعون إلى الدنيا بعد الموت لن يرجعوا إلى أجسادهم الأولى التي فنيت في قبورهم بحيث لم يبق منها إلا الطينة الأصلية، وهي لطيفة مثل عالم الآخرة، وبالتالي إذا رجعوا إلى الدنيا سيرجعون في غير تلك الأجساد وهذا هو عين التناسخ.

لقد تقدم أن الرجعة هي نوع من المعاد الجسماني ـ هو إحياء الأموات بأعيانهم وأجسامهم يوم القيامة للحساب أي رجوع نفس البدن الفاني ـ وهذا ما ذهب إليه معظم علماء الإمامية، وبالتالي يرتفع هذا الإشكال فلا يكون تناسخاً حيث تنتقل الروح من بدن إلى بدن آخر، كما في التناسخ.

أما بقاء الطينة الأصلية وأنها لطيفة كما في عالم الآخرة، فإن الطينة الأصلية للخلق تلبس في كل عالم من أعراض مكانه وزمانه فيخرجها في كل عالم بما هو فيه، ففي الدنيا تمزج بما فيها من الكثائف، وفي البرزخ بما فيه من الأمور البرزخية، وفي الآخرة بما فيها من اللطائف(11).

هذا رد الشيخ الإحساني على هذا الإشكال لكنه مبني على عدم عود الجسم الأول الذي كان عليه الإنسان في عالم الدنيا، ولكن ما أجمع عليه المسلمون هو عود البدن الأول عند البعث. وما يؤيد ذلك هو موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: «سُئل عن الميت يبلى جسده؟؟ قال: نعم، حتى لا يبقى لحم ولا عظم إلّا طينته التي خلق منها، فإنها لا تبلى، تبقى في القبر مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة»(12).

المحور الثالث:

هل الرجعة مختصة بالإمام المهدي (عج) أم أنها تشمل سائر المعصومين وعلى رأسهم النبي الأعظم محمد بن عبد الله (ص):

يبدو بحسب ما يظهر من الأخبار الواردة عن أهل بيت العصمة (ع) أن الرجعة تشمل المعصومين كافة من أهل البيت (ع) وذلك إذا تتبعنا بعض الزيارات الواردة عنهم (ع) التي بعموماتها تشملهم جميعهم بالإضافة إلى بعض الأخبار الصريحة بذلك.

فقد روى العلاّمة المجلسي (قده) هذا الدعاء الذي رواه ابن طاووس ضمن أدعية يوم الجمعة «اللهمَّ كن لوليك القائم بأمرك الحجة محمد بن الحسن المهدي عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً ومؤيداً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طولاً وعرضاً وتجعله وذريته من الأئمة الوارثين».

ولكن العلّامة المجلسي يروي في وسط هذا الدعاء قوله (ع): «اللهمَّ احفظ محمداً وآل محمد وأتباعهم وأولياءهم بالليل والنهار من أهل الجهد والإنكار… اللهمَّ كن لوليّك في خلقك ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً ومؤيداً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طولاً وعرضاً وتجعله وذريته من الأئمة الوارثين…».

فإن الضمير في «ذريته» يعود بوضوح إلى النبي (ص)، هذا بالإضافة إلى عدم تخصيص دعاء الفرج بالحجة بن الحسن صلوات الله عليه بل لكل إمام من الأئمة (ع) عند كونه الولي الفعلي. ويؤيد ذلك  روايات مستفيضة برجعة النبي (ص) في أواخر الرجعة.

ويمكن فهم ذلك أيضاً من بعض ما ورد في زيارة عاشوراء حيث قال (ع): «أن يرزقني طلب ثارك مع إمام منصور من أهل بيت محمد صلوات الله عليهم أجمعين» حيث نلاحظ أن الطالب بالثأر لم يُحصر بمعية الإمام الثاني عشر (عج) ولم يقصر عليه، بل عُمم إلى كل إمام من الأئمة الاثني عشر (ع). وما يؤيد ذلك أنه قد ورد بأن علياً (ع) هو المهدي الأكبر، فقد روي في مختصر بصائر الدرجات عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب (ع)، فقالك «ألا أحدثك ـ ثلاثاً ـ قبل أن يدخل عليَّ وعليك داخل؟؟ قلت: بلى، فقال: «أنا عبد الله، أنا دابة الأرض صدقها وعدلها وأخو نبيّها وأنا عبد الله، ألا أخبرك بأنف المهدي وعينه؟، قال: قلت: نعم، فضرب بيده إلى صدره فقال: أنا»(13).

وكذلك ما روي في بصائر الدرجات عن عبد الله، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: أخبرنا إسماعيل بن سيار، حدّثني علي بن جعفر الحضرمي، عن سليم الشامي أنه سمع علياً (ع) يقول: «إني وأوصيائي من ولدي مهديّون كلنا محدثون»(14).

وغير ذلك من الأخبار التي تفيد رجعة النبي (ص) والأئمة (ع)، فالرجعة من أهم المعتقدات التي تبرز مقام أهل البيت (ع) الحقيقي الذي قد غفل عنه الناس، والحمد لله رب العالمين.


المصادر:

(1) الصحاح، ج3، ص1216.

(2) القاموس المحيط، ج3، ص39.

(3) مجمع البحرين، ج4، ص334 مادة رجع.

(4) بحار الأنوار، ج53، ص39.

(5) تفسير القمي، ج2، ص107.

(6) المسائل السروية، ص35، ج7 من سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد.

(7) فرق الشيعة للنوبختي، ص19.

(8) بحار الأنوار، ج53، ص26.

(9) الفصول المختارة، ص153، ج2 من سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد (قده).

(10) الفصول المختارة، ص154، 155، ج2 من سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد (قده).

(11) الرجعة للشيخ الإحسائي ص26.

(12) بحار الأنوار، ج7، ص42 عن الكافي الشريف.

(13) مختصر بصائر الدرجات، ج539/28، ص569.

(14) بصائر الدرجات، ص392، ح15.

إغلاق