وهدوا إلى صراط الحميد

ميليسا رايتر

211-212

 

نشأتُ في أسرة مفككة للأسف. كان والدي معادياً للديانات ـ كافة الديانات ـ وأمي كانت من أتباع الكنيسة المعمدانية الجنوبية لكنها لم تكن تمارس ديانتها. من جهة عائلة والدي كان الدِّين عنده مصدر سخرية وكانت الثمالة معيار الاستقامة، أما من ناحية عائلة أمي، كان أمر الدين مفهومًا ولكن ليس موضوع الأحاديث. كان والد أمي في وقت من الأوقات كاهناً في الكنيسة المعمدانية الجنوبية، غير أن الإيمان كان يختص بعظة الأحد فقط لا غير.

منذ كنت صغيرة جداً (تسعة عشر سنة)، بدأت أشعر بالرغبة في الذهاب إلى الكنيسة وقد سُمِحَ لي بالذهاب إلى مدرسة الإنجيل في عطلة فصل الصيف طالما كان ذلك يريح أهلي من إزعاجي، كما سُمِحَ لي بالذهاب إلى الكنيسة أيام الآحاد طالما أنهم يقدمون الغداء الساخن بعد ذلك.

تعلمت أن أغني أغان «كيسوع يحبني» و«يسوع أعطاني نوراً صغيراً» …. كان ذلك جيداً ومرحاً. لكن عندما بلغت الثانية عشرة من العمر، منعني والدي من الذهاب إلى الكنيسة، فقد بدأت عظات يوم الأحد تكون جادة للغاية وبدأت أتعلم المزيد من الأخلاقيات: لا للخمر، ابتعدي عن المخدرات، لا تتكلمي أبداً عما يدور بين الزوج والزوجة. وما كان مني إلا أن أحضرت هذه المثل إلى البيت وبدأت أحاول أن أعلمهم إياها. لذا كان الحظر على الكنيسة.

لحسن الحظ كنت إلى ذلك الحين قد تعلمت ما يكفي ليحثني على طلب المزيد من العلم. افترق والداي بسبب الطلاق عندما كان عمري 12 سنة ونصف، فبقيت مع والدتي. حينها بدأ بحثي الجدي عن الدين الحقيقي. صرت أحضر عظات الأحد في الكنيسة الخمسينية ـ لا للسراويل، لا لأدوات التجميل، لا للشعر القصير. وكذلك تعلمت الغناء وكيف أقتبس من الإنجيل وكيف أعبد يسوع (ع). أستغفر الله.

لازمتني فكرة رحمة الله. كانت حقاً أول درس هام تعلمته في بحثي عن الهداية. غير أن شيئاً ما كان خاطئاً بشكل جذري. فأنا سأنجو ومهما فعلت لن أذهب إلى الجحيم. بدا لي وكأن ذلك ليس صائباً وإلا لم يكن الإنجيل ليتكلم عن العقاب لخطايانا. ما قيمة التكاليف التي علينا اتباعها؟ أين هي المحفزات؟

تركت الكنيسة وشرعت في دراسة الديانات الأخرى. التزمت بالديانات الموحدة بالفطرة الخالصة. أدركت في روحي أن الله هو الأساس وأن يسوع يجب أن يكون هناك في مكان ما.

درست اليهودية ولكن طرحها ليسوع جانباً حسم أمر هذه الديانة بسرعة.

ذهبت إلى الطوائف المسيحية الأخرى. جربت المعمدانية ولكن وجدتها فارغة من الرحمة. إن قمت بأي خطأ، فإن مصيرك الجحيم ـ لا فرصة ولا أمل. درست الكاثوليكية لكن وجدت خللاً بفكرة الصلاة للقديسين (من ضمنهم السيدة المريم (ع)). الكنيسة المنهجية والكنيسة المشيخية لم تكن أحسن حالاً.

بطبيعة الحال، عدت إلى الكنيسة الخمسينية من دون أي سبب آخر سوى أنها تعطي أملاً للخلاص. غير أن ثمة سؤالين كبيرين كانا يبقيانني مشوشة باستمرار. السؤال الأول هو إن كان يسوع ابن الرب، كيف يمكن أن يكون يسوع الرب أيضاً؟ السؤال الثاني كان كثير الشبه بالسؤال الأول: إن كان يسوع هو الرب، لمن يصلي إذاً في حديقة الجسمانية؟

سألت هذين السؤالين للقس فأجابني قائلاً: «إن سألت هكذا أسئلة مجدداً، ستذهبين إلى الجحيم بسبب عدم الإيمان». ذهلت حقاً! هنا أستشهد بغاليليو الذي يقول: «لا أشعر أني ملزماً بأن أعتقد أن نفس الرب الذي وهبنا العقل والمنطق والفكر قصد أن نمتنع عن استخدامها». وهكذا تركت الكنيسة الخمسينية إلى غير رجعة.

عندما كنت في سن التاسعة عشر، فتحت بابي لاثنين من مبشري الكنيسة المورمونية وعاودني البحث عن الديانة الحقة. دعوتهما إلى الدخول وبسرعة بدأت البحث. يا لها من ديانة قيِّمة! قالا لي أن يسوع ليس الرب وأن الذين يجاهدون ليحيوا على الدين الحق سيثابون بالجنة والذين يرتكبون خطايا الكبيرة لكنهم مؤمنون سيعاقبون لفترة صغيرة ولن يبقى المؤمنون في الجحيم إلى الأبد.

حدثاني عن الأنبياء وأن النبي موسى ليس النبي الأخير، وشرحا لي أنهم وإن كانوا يحبون يسوع وينظرون له كأخ أكبر، إلا أنهم لا يصلون إلا للرب. راق لي ما قالوا وأحسست أنه صحيح. انضممت إلى كنيستهم وبقيت عضواً فيها لمدة 16 سنة. خلال هذه السنوات، وجدت نفسي أمرُّ بأوقات عصيبة. في الكثير من الأوقات كنت أتوقف عن ممارسة ديني بشكل كلي. أدمنت على الكحول وبدأت أقوم بما يقوم به المدمنون. تطلقت من زوجي وبدأت أتواعد مع شبان آخرين، فتسافلت وانحططت.

غير أن الإيمان كان دائماً موجوداً، وكنت أؤمن بما علمني إياه تابعو الكنيسة المورمونية. خدعت نفسي بجعلها تفكر أن ما أقوم به غير ذي أهمية. فالجحيم فقط للأشخاص الذين لا يؤمنون. أما أنا فسأذهب بعد الموت إلى سجن الأرواح وأتوب وبطبيعة الحال أدخل الجنة.

في بعض الأحيان، خلال هذه السنوات كنت أغتسل وأذهب إلى الكنيسة. غير أنه كلما يتقدم الإنسان في الدروس في الكنيسة المورمونية، يبدأ بسماع أشياء تبقى سرية عن الباحثين في هذه الديانة وعن المتحولين الجدد. ففي نهاية العام 2003 أو بداية العام 2004، تبين لي أن الرب كان إنساناً عادياً على كوكب آخر وأنه كان يعبد رباً آخر. وأيضاً تبين لي أن أي إنسان سواء رجل أو امرأة من كوكب الأرض يمكن أن يصبح رباً إن قام بالأمور الصحيحة، فأزعجني هذا نوعاً ما.

غير أن الديانة المورمونية بقيت أقرب ما توصلت إلى أنه صحيح على الصعيدين الروحي والمنطقي، وكنت دائماً أبرر لنفسي أن هذه الأفكار حول الأرباب الآخرين تعني شيئا آخر من غير أن أكون متأكدة ما هو هذا الشيء.

في شهر أيار 2004 وبعد أن كنت تزوجت من جديد زوجي السابق وتطلقنا للمرة الأخيرة، سهرت لوقت متأخر وأنا أشتغل على الانترنت. دخلت إلى غرفة دردشة حيث بدا لي الحوار محترماً نوعاً ما وهناك التقيت بشاب لطيف جداً من مصر اسمه سامي.

كان سامي لطيفاً للغاية ودائماً كان يناقش مواضيع مناسبة وهذه كانت تجربة أولى من نوعها في حياتي، لذا كنت أحاول أن ألتقي به عبر الإنترنت باستمرار. كنا نتكلم عن بيته وعن بيتي وعن العائلة. كنا نتشارك آمالنا وأحلامنا حول المستقبل. وكذلك تكلمنا عن الله بشكل عام. تكلمنا عن الله كثيراً واكتشفت أن معتقداتنا الرئيسية حول الله متشابهة.

في شهر آب 2004، بدأنا نناقش الزواج. عندها قررت أن أدرس دينه ـ الإسلام. لم يكن في نيتي أبداً أن أعتنق الإسلام. في نهاية المطاف، أنا مسيحية وأنتمي إلى الكنيسة المورمونية وإن أنكرت يسوع أو الروح القدس فهذه ستكون الخطيئة المميتة. (في الواقع، كنت اعتقد أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يذهب الإنسان من أجله إلى الجحيم إلى الأبد.) كنت أنوي فقط أن أتعلم عن دينه ما يكفي كي أتجنب أن أزعجه بديني.

أحالني سامي بدراستي هذه إلى صديقه أحمد الذي كان ضليعاً جداً بعلوم الإسلام. قال أنه لا يريد لعلاقتنا أن تؤثر عليّ، فالكثير من النساء يعتنقن الإسلام فقط ليسررن أزواجهن. بدأت بدراسة الطبيعة الإلهية. الله أحد والله عليم وهو لا يحتاج إلى مخلوقاته، غير أن كل مخلوقاته بحاجة إليه، لم يلد ولم يولد، وليس كمثله شيء. هذا من السهل القبول به وتعلقت بهذه المعلومات لأنفد بروحي.

غير أني لم أقدر بعد أن أعتنق الإسلام، إذ تبقى قضية يسوع والروح القدس ولم أكن أجرؤ أن أنكر ذلك. بعدها بدأت أتعلم عن الأنبياء. تعلمت أن كل الأنبياء متساوون وأن النبي محمد (ص) خاتم الرسل. وكذلك تعلمت أن يسوع (ع) كان أيضاً نبياً وليس ابن الله. واجهت بعض المشاكل في هذه الفكرة ولكن صديق سامي دلني على بضع أماكن في الإنجيل حيث سمي أنبياء آخرين غير يسوع كابن الله وكإبنه الوحيد وابنه الأول. وكذلك دلني أين أجد يسوع نفسه يمنع حوارييه من مناداته ابن الله مشيراً إلى أن يسوع دعا نفسه ابن الإنسان.

هذا وضّح شطراً من المشكلة ولكن بقيت مشكلة الأنبياء المورمونيين. كان هذا الجزء الأصعب توضيحه وانجلى عن اختلافات وليس عن أوجه شبه. فلدى الأنبياء في القرآن رسالة للإنسانية جمعاء وهذه الرسالة هي واحدة دائماً: عبادة الله وحده دون شريك.

أما لأنبياء المورمونية رسالة واحدة خاصة بالكنيسة المورمونية وهي عادة متعلقة بحفظ الطعام والثقة بالنفس. عندما اتضحت لي هذه الفكرة تساءلت كيف أنها فاتتني. وبقينا على هذا المنوال أتعلم نقطة جديدة وأعارض على نقطة أخرى (حول الديانة المورمونية) لمدة سبعة أشهر.

وطوال هذه الفترة كنت مصرة على عدم اعتناق الإسلام وكان سامي وأحمد دائماً يقولان لي: «نعلم ذلك». كنت أطلب براهين من الإنجيل حول ما يقولان وكانا دائماً يزوداني بها ومن ضمنها بشارة مبهمة بالنبي محمد (ص). حتى أنهما بيّنا لي أين كان اسم محمد مذكوراً في القرآن يوماً ما قبل أن يحذف، حيث كان يرد اسم أحمد الذي يعني محمد كما يمكن أن نستخدم اسمي جون وجاك بشكل متبادل. فقد حذف الاسم فقط وكل شيء آخر بقي على حاله وكان النبي يسوع نفسه قد بشر به كما بشر به النبي موسى عليهم جميعا صلوات الله تعالى.

في شهر آذار 2005، تعلمت الدرس الأخير الذي خوّلني أن أزيل الخوف من الجحيم نهائياً وأُقبل على الإسلام بكل قلبي وعقلي وروحي. تعلمت درساً حول الروح القدس. كمورمونية، كنت أعتقد أنه إن أنكرت وجود الروح القدس، سيحكم عليّ مباشرة بالحياة الأبدية في الجحيم ولا مجال للتوبة أبداً. الحمد لله فلم يكن يتوجب عليّ أن أنكر ذلك وفي الواقع لا أستطيع ذلك أبداً. تعلمت أن روح القدس يعرف بالروح المقدسة كما يعرف أيضاً بروح الرب في العهد القديم والعهد الجديد، ومجدداً برهنا لي ذلك من خلال الإنجيل.

كلنا نعرف القصة عندما ظهر الروح القدس على السيدة مريم. وروح القدس وروح الرب ليسا سوى الملاك جبرئيل وكل المسلمون يعلمون بوجود الملائكة. فجبرئيل هو من أوحى القرآن من الله إلى محمد.

في اليوم التالي، تكلمت على الإنترنت مع إحدى صديقاتي وقلت لها أنني أريد أن أعتنق الإسلام. كنت أنوي أن أفاجئ سامي وأحمد. فما كان منها إلا أن تواصلت مع مسجد المحلة ورتبت أن تأتي إحدى الأخوات وأخوان إلى منزلي كي أدلي بالشهادة. كان الأمر في غاية السهولة. أرشدوني إلى النطق بها أولاً باللغة العربية ومن ثم بالانكليزية، وما كان مني إلا أن أعدت وراءهم: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله». بعد ذلك أعطتني الأخت حجابي الأول وساعدتني على ارتدائه كرمز لاعتناقي الإسلام.

تلك الليلة التقيت مع سامي وأحمد على الإنترنت حيث ندردش دائماً، وقد سعدا كثيراً باعتناقي الإسلام ولكنها لم تكن مفاجأة لهما. عندها علمت لماذا كانا يقولان لي «نعلم ذلك» عندما كنت أقول لهما أنني لن أعتنق الإسلام.

كما ترون، إن الإسلام هو تسليم المرء إرادته لإرادة الله. فكل الأطفال يولدون في حالة تسليم لله ولكنهم يبعدون عن ذلك بعوامل خارجية. غير أن أرواحنا تسعى للوصول «إلى وجه الله» والعودة لذلك التسليم. بدأت روحي ذلك البحث في العام 1978 وفي آذار 2005 عندما كنت في 34 من عمري لم أعتنق الإسلام بل ارتددت إلى ديني الأصلي. بشكل تلقائي تغيرت كل تصرفاتي لحظة اعتناقي الإسلام. فالدافع موجود، الله يسمع كل شيء ويرى كل شيء. تزوجنا أنا وسامي في تموز 2005 وقد تولى مهمة تعليمي كل شيء عن الإسلام. فهناك دائماً شيء جديد لأتعلمه.

إغلاق