أسرة ومجتمع / صحة

أسباب الطلاق : أسرار الزوجية

211-212

بقلم:  السيد علي مكي

 

إذا كان في علاقات الناس وأمورهم مقدسات، فمن المقطوع به أن من أولاها أسرار الحياة الزوجية.

كل إنسان يفضل أن يعيش خصوماته بمنأى عن الناس، وإن كانت مباحات وقيم، فكيف إذا كانت عيوباً وأحداثاً أليمة فُرضت عليه في ظروف كثيرة، أو تلقاها إيحاءات كان لا بُدَّ له من أن يحاكيها بحكم قانون [كما تنشأ تعِش].

الزوجية كما قلنا ليست سحراً لساحر، ولا طلسماً يكتبه مشعوذ، ولا ورقة صغيرة خطت عليها كتابات غريبة، وخطوط وهمية هي ترياق الحياة كما تتخيله اليوم شريحة كبيرة من النساء.

الزوجية علاقة عادية كسائر العلاقات تبدأ فجأة، ثم تسير غريبة ثم تعيش سكوناً واطمئناناً، ثم يتولد عبر هذه المراحل مزيج يمثل الوحدة الحقيقية في البناء الزوجي.

العروس تتخلى فيه عن ذاتها بحكم دافع المحبة والهوى ورؤيتها فيه تدريجياً فارسها المنشود، وقد تتخلى المرأة عن مجتمعها بما فيه من صديقة وعزيزة وأخ وقريبة… إلخ.

ولكنها لن تتخلى عن شيء واحد في أولويات حياتها، إنها الأم المدربة والمراقبة والتي هي نسخة عنها.

فهي الأنثى التي سبقتها في تجربة ذاقت فيها ألوان المرارة، كما ذاقت ألوان الحلاوة… هي اليوم تستعيد من خلال ابنتها شيئاً من كرامتها المفقودة.

هي اليوم مريدة للإمساك بزمام حياة ابنتها التي لن تكون عندها إلا فريسة طيِّعة.

فهي قليلة التجربة ضعيفة الإرادة مترددة القرار.

وشريك الحياة وبحكم الحياء من جهة، والتهيّب من جهة أخرى، لن يفرض عليها شيئاً من حاكميته العادلة وهيبته الوقورة.

فتنساق آنذاك لرغبة أمها بمبرر وحيد (مراقبة الحياة ضرورية للحياة).

ونحن وإن كنا على يقين أن دافع الأم هو سعادة ابنتها، وإن مزجته أحياناً بحبها للسيادة والتسلط وممارسة الحاكمية.

ونحن وإن كنا على يقين أيضاً أن الأحداث الزوجية الساخنة هي شبه ضرورية في مجتمع مختلف من حيث المنهج والظروف والقدرات والقابليات.

فالكلمة النابية عاصفة يمكن تجاوزها بإرشاد الأم نفسها… وإعراض الزوج في بعض حالاته يشفع له أيضاً حث الأم ابنتها على الصبر والمداراة.

ولكن المشكلة الساخنة وفي الظروف الساخنة لن تكون عاصفة نسيم لأن الفتاة قد هيأت لأمها جواً للانتفاض والانتقام، وجمع الماضي والحاضر والخلوص بنتيجة قائمة سوداء.

إنّ الحدث في حدّ نفسه لا يشكل أزمة بالضرورة ولو قيس بأزمان السعادة والرفاه.

ولكن تجميع الأحداث وفصلها عن زمانها الطويل الذي تكونت فيه سيوحي لا محالة بشبح غريب وصديق عدو هو الزوج.

وهذا الإيحاء الناتج عن تسريب أسراره سابقاً سيدفع الأسرة كلها أباً وأمَّاً وأختاً ومجتمعاً لمحاكمة الوضع الجديد من خلال أجواء البنت المعذبة.

فقد جاءتني إحدى السيدات يوماً تطلب الفرقة والطلاق مصحوبة بأحد إخوانها، وقد لفت انتباهي تحمسه المدهش لفكرة الطلاق وتمسكه بأمور هي من أبسط ما يحدث في كل حياة زوجية.

ولكنه راح يطلق آيات التحدي وبيان القدرة ورسم الزوج بأقسى الصور والصفات حتى وكأنه قاتل الحسين (ع).

ولما نقلتُ عيني إلى الزوجة وجدتها منفرجة الأسارير ولم ألمح في وجهها حماساً رغم مطالبتها بذلك.

إنَّ أسباب المشكلة هي أصغر بكثير من حجم الآثار والأحكام الصادرة.

ومن الطبيعي معه أن يُسعى طويلاً لمحاولة إعادة اللحمة ورسم الوفاق.

ولكن المحاولات العديدة وأمام إصرار ذويها باءت بالفشل فكان الطلاق…

ولكن آثار الحنين للزوجية البريئة، والتي هشمها تدخل العائلة عاد ليطل من جديد مساعٍ واتصالات ولكن من دون ثمرة… لماذا؟

نقلت إحدى صديقاتها للزوج أنها وضعت ذويها في أجواء مأساوية عن صورة الحياة السابقة. فكيف سيسهل عليها إقناعهم بتبدل ذلك بين عشية وضحاها؟

فإن الحديث بهذا الأمر سوف يكون تهاتراً عندهم بين ما أكدته هي بنفسها في الماضي وما تطرحه اليوم من حلول وأشواق.

وفعلاً اختار الزوجان خط الفراق لعجزهما عن توفير الأجواء المناسبة للعودة.

فمن يا ترى من المسؤول؟…

ولو فرضنا إمكانية إعادة الأمور إلى نصابها، فكيف سيكون موقف الزوج أمام أسرة فقدت ثقتها به، وراحت تحمل عنه صوراً سوداء جعلته ذبيح عيوبه المتكشفة لهم بأضعاف حقائقها.

وهل أن الزوجية روابط أفراد أو روابط أسر!!!

حوافز الأسرتين:

يندر جداً حصول حالة طلاق لا يكون من أسبابها الدواعي الأسروية للطرفين.

فإذا كانت والدة العروس تشكل أحياناً ناقوساً يفل عرى الزوجية، فإن والدة العريس أيضاً لن تكون الأقل خطراً في ذلك.

ففي كثير من الأصقاع المختلفة لا تزال الزوجة وحماتها… الزوجة وأخت زوجها و… أضداد لا تتلاقى… واقع يتردد على الألسن كالمسلّمات الواضحات.

ولا أريد هنا أن أسهب في بيان ذلك حيث تقدمت الإشارة إليه، ولكن أحببت أن أبيّن أسباب هذا الدافع لدى الحماة وابنتها، وحتى غدا أمرهما كالشمس في رابعة النهار.

والقول بأن ذلك طبيعيٌّ حيث الاختلاط الجديد الذي يوفّر عادة نوعاً من أنواع الصراع خطأ محض.

وذلك لأن علاقة العروس الجديدة أوسع من دائرة الحماة فلماذا اختصت هي من بين الجميع بالمشكلة، والملحوظ وجود عاملين اثنين:

أ ـ النظرة الخاطئة للعروس في بلادنا ـ وإن بدأت اليوم بالاضمحلال ـ فهي كيان تابع لا استقلالية له، إنها كيان مستهلك في خدمة أغراض الآخرين.

بل لا تزال في كثير من أصقاعنا عادة مؤلمة، فالعروس في فترة خطوبتها تتردد على حماتها بدافع الخدمة لها لتثبت جدّيتها وأنها زوجة حقيقية تستحق منها المدح والثناء.

وتحت وطأة هذه النظرة تقوم بأعمال لا تقوم بها في منزل والديها عادة… كل ذلك لإحراز رضى السيدة المصون والحصول على شهادة حسن سلوك منها تؤهلها لموقع متميز عند الخاطب الإبن، فالعلاقة بينهما علاقة السيدة ووصيفتها والسلطان وجواريه.

والعروس كثيراً ما توفق في إحراز هذا الأمر، لأنها تنطلق في ذلك من قناعات مسبقة، وأجواء مفروضة حيث تُعتبر الطرف الأضعف والمحتاج إلى شهادة الآخرين.

بل إنّ الفتاة اليوم وبحكم قسوة هذه المجتمعات التي تسود فيها هذه العادات لا تَعْتَبِر ذلك ضيماً لها أو اقتطاعاً من حقوقها، مع أنه يثقل كاهلها نفسياً أكثر منه جسدياً، فهي زوجة أسرة لا زوجة فرد.

ولا أريد تسجيل ممارستها لخطيئة مفروضة في عونها لحماتها بقدر ما أريد دفع هذه الممارسة لجعلها قيمة خلقية، وذلك حيث نحركها بمنطلق الإحسان والتعاون لا بمنطلق الرهبة والهيبة والخوف.

وحيث نحركها كإنسان له حقوقه الخاصة، وعلى رأسها أن تكون حرة في مورد لم يلزمها الله به وحيث نُشعرها وهي الضعيفة أنها تتكامل في وجودها مع آخرين لا أن تُستغل من قبل آخرين.

ب ـ الإحساس بالإقتطاع:

إنّ الإبن هو ثروة الحياة والأمل المنشود فهو بوجوده الكلي متعاون مع أهله وذويه… ومطيع لهم ومنفذ لرغباتهم.

ولطالما كان الفارس مكان أبيه سواء في نزهة… أو زيارة… أو بذل مال… أو في سهر على صحة مريض… وهو اليوم بحكم الوضع الجديد على خلاف الأمس فلا بليله معهم ولا بصباحه ولا ماله بين أيديهم ولا خدماته. هذا الاقتطاع الجديد من حياتهم لا تفسير له إلَّا من خلال عروسه حتى لو لم تتحمل في ذلك أية مسؤولية. إتهامات… إفتراءات… فهي بنظر الحماة وابنتها تأسره بأساليبها… تحركه كيفما شاءت… هو ينفق بلا هوادة… هي تدفعه نحو أجله… إلى آخر ما هنالك من تصورات يائسة.

ولن يدوم الوضع مراقبة وتسجيلاً ليتفجر مناقشة واستجواباً حاداً مِن قبل الحماة ومَن حولها.

ولن تفلح في بداية الأمر بجذب ابنها لصالحها، حيث لن يتخلى بسهولة عن عواطفه وأحاسيسه، ولا بجر العروس إلى الصراع حيث تعي جيداً أثر ذلك على حياتها.

ولكن هذا الفلاح في مواجهة المشكلة سوف يتصدع إذا برزت أمارات التناقض الزوجي يحكم طبيعة كل علاقة بين ثنائيين في طول الزمن.

فالموقف غدا أكثر حساسية، فالأم الظالمة بالأمس هي المحقة اليوم والمشكلة الصغيرة بالأمس هي المعقدة جداً في الغد.

تبدأ رياح الأزمة بتحطيم مفردات الحياة حيث تستغل الحماة الفرصة المؤاتية لإشباع ذاتها من الخاطف الجديد لأغلى قطعة من الحياة.

كيف ستسير وكيف ستنتهي؟

عُرض عليَّ ذات يوم مشكلة زوجية، وراح والد الزوج يسهب في بيان محاولاته للتهدئة، ورأب الصدع وأنه لا يريد إلَّا الخير لولده ولعروسه.

ولما حاولت مناقشة الفكرة وذلك عبر استدعاء الطرف الآخر لدراسة الأسباب وعلاجها، فوجئت به مصراً على قطع علائق الزوجية التي لا زالت في مرحلة العقد.

وحجته أنها وصلت إلى حد لا يُرجى الصلاح معه.

مع أن طبيعة المشكل لم تتعدَّ الخلاف على شراء متاع بطريقة لم تنل إعجاب الزوج حيث تفردت عروسه بذلك. وعلى أي حال أظهرت له الاستجابة، وأرسلت بطلب العروس التي جاءت مصحوبة بأبيها.

وبعد نقاش حاد وتقاذف بالعبارات النارية تارة والباردة تارة أخرى حتى شملت جميع من في المجلس… تدخلتُ وبإصرار وجدية طالباً إفساح المجال للعروسين ليحددا خيارهما طلاقاً أو وفاقاً.

وطلبي هذا لم يكن اعتباطياً، وإنما لم ألمس في وجه العريس تعاطفاً كبيراً لحسم القضية كما لمستها عند ذويه، ولم يستطع أي من الطرفين الاعتراض على الاقتراح لأنه سيظهر ساعتئذٍ في موقع المحرض.

وكنت أرغب في ذلك بإبعاد التأثير الأسري عنهما وإدخال حافز المودة والعاطفة كعامل مساعد لطي المشكلة، فيما لو وفرنا لهما فرصة اللقاء المنفردة وتواعدنا بعد يوم أو أيام للعودة ودراسة النتائج، والتي غلب على ظن المجتمعين أنها محسومة سلفاً بالفراق.

وانتظرت أياماً طويلة من دون مراجعة فحسبت أنهما أنجزا الطلاق بطريقة أخرى.

وإذا بي أُفاجأ بالدعوات للحفل الميمون بزفافهما… مع أن الطلاق كان منهما قاب قوسين أو أدنى.

ولو حصل حينها فمن المسؤول يا تُرى؟

العريس. أم العروس؟

أم من يقف وراءهما؟…

إغلاق