الاستطلاع

المسلمون في أذربيجان

211-212

إعداد: السيد حسان الحسيني

الموقع:

تقع جمهورية آذربيجان على شاطىء بحر قزوين في القسم الشرقي لمنطقة ما وراء جبال القوقاز، تحدها من الشمال جمهورية «داغستان»، ومن الشمال الغربي جمهورية «جورجيا»، ومن الجنوب الغربي جمهورية «أرمينيا»، ومن الجنوب جمهورية «إيران» الإسلاميَّة والجمهورية التركية، كما يحدها منَ الشَّرق سواحل بحر «قزوين». وتشمل أذربيجان جمهورية أخرى مستقلة استقلالاً إدارياً هي جمهورية نخشوان.

المساحة والسكان

تبلغ مساحتها حوالي 86.600 كلم مربعاً وعاصمتها باكو. يبلغ عدد السكان حسب احصاءات عام 2007 حوالي 9.823.667 نسمة.

يعتبر «الآذريون» القوميَّة الأولى ويشكلون 85%، و2.2% من الليزيغيين كما تعيش في «أذربيجان» قوميَّات أخرى مثل: الآفار، الفرس، وتعيش فيها جاليات من أصول غير أذربيجانية؛ كالروس، الأوكرانيين، الجورجيين، البولنديين، والآشوريين وغيرهم.

تبلغ نسبة المسلمين فيها 93%، والباقي هم منَ المسيحيين الأرمن، والأرثوذوكس، والمذهب الصغير كريسنا ذات الأصول الهندية.

أما اللغة الرسمية فهي الآذرية، ويتكلم سكان باكو اللغة الآذرية وهي لغة تركية بلهجة أذربيجانية، واللغة السائدة هي اللغة التركية العثمانية. وتوزيع اللغات كالتالي: الآذرية 89% الروسية 3% الأرمنية 2% أخرى 6%. والعملة هي المانات.

اللغة الرسمية هي اللغة الآذرية، باعتبارها اللغة الأم لنحو 92٪ من السكان، وكذلك بعض العائلات تنتمي إلى اللغات التركية، وتلعب اللغة الروسية والإنكليزية أدواراً هامة كلغات ثانية أو ثالثة في التعليم والاتصالات، وهناك عشرات اللغات الأخرى المستخدمة في البلاد، مثل: الأرمينية، الجورجية.

طبيعة الارض

تتألف أراضي جمهورية أَذْرَبيجان من مناطق طبيعية شديدة التباين والاختلاف، حيث السلاسل الجبلية العالية إِلى جانب المناطق السهلية، وتتراوح ارتفاعاتها بين 28 و4480م فوق سطح البحر.

فهي جبلية بالجملة وتتكون من هضبة تعتبر امتداداً لهضبة أرمينيا ناحية الشرق، وتحف بهذه الهضبة جبال عالية حيث جبال القوقاز في الشمال الشرقي ، وجبال أرمينيا في الغرب وجبال أذربيجان الإيرانية في الجنوب، وتتسبب جبال القوقاز في حمايتها من الرياح الباردة القادمة من الشمال، وتتخلل أذربيجان وديان نهرية شقت مجاريها بين المرتفعات في وديان صالحة للزراعة، وتشرف هضبة أذربيجان بحافة عالية على بحر قزوين، وتحصر بينها وبينه سهولاً ساحلية تمتد عبر شبه جزيرة أبشيرون، ومن هذه الأنهار نهر كورا وروافده، نهر أبودا، ونهر أراس، وتتجه هذه الأنهار إلى قزوين.

المناخ

المناخ في أَذْرَبيجان قاري جاف تصد جبالها الرياح الغربية الرطبة التي تهب من البحر الأسود، وتتنوع نماذجها المناخية بتنوع تضاريسها وتأثرها بكتلة بحر الخزر، وحركة الرياح في إِقليم القفقاس، لذا توجد فيها مناطق ذات مناخات شبه صحراوية، وسهبية جافة وشبه مدارية معتدلة البرودة وباردة جداً.

تاريخ البلد

قبل وصول الإسلام كان السكان تحت الحكم الساساني، وكانت أراضي دولة أذربيجان الحالية قطعة من أراضي الإمبراطورية الإيرانية، ‏ولكنها اضطرت للتخلي عنها للامبراطورية الروسية‏،‏ بعد أن واجه جيشها الهزيمة في حربين متتاليتين عام 1830‏،‏ وبذلك استولت موسكو على مساحة جديدة أضافتها لامبراطوريتها‏.‏

وخلال هذه الحقبة من التاريخ‏،‏ كانت الامبراطورية الروسية تسعى للتوسع وبسط نفوذها على مساحات من أراضي الامبراطوريات المجاورة‏،‏ في حين كانت الإمبراطوريتان العثمانية والإيرانية المجاورتان للإمبراطورية الروسية من الشرق والجنوب في طريقهما للاضمحلال‏، ‏وتعانيان الانهيار، ‏فاستغلَّ الروس ذلك أسوأ الاستغلال وخاضوا في بحار من الدم من أجل اقتطاع مساحات من هاتين الامبراطوريتين‏،‏ وقد نجحوا في تحقيق ما أرادوا.‏

وظل اقليم أذربيجان جزءاً من الإمبراطورية السوفيتية إلى أن انهارت عام‏1990م.‏ واغتنم الأذربيجانيون الفرصة وشكلوا دولتهم المستقلة‏. ‏وتحت مظلة الاستقلال نشب الصراع فيما بين دولتي أذربيجان وأرمينيا المتجاورتين حول إقليم ناجور نو كرباخ أو قرباخ العليا‏، الذي ادعى الأرمن أنه تابع لهم في حين أنه جزء من أراضي أذربيجان طوال الفترة التي سبقت انهيار الاتحاد السوفييتي‏.‏ وتحول الصراع إلى معارك متصلة بين الجانبين‏؛ ‏حتى انتهى باحتلال دولة أرمينيا المسيحية لحوالي ‏25%‏ من أراضي دولة أذربيجان‏.‏

نظام الحكم

اكتمل تشكيل هيكلية النظام السياسي في أذربيجان باعتماد الدستور الجديد في 12 تشرين الثاني سنة 1995. تستند حكومة أذربيجان على فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. تُجرى الانتخابات البرلمانية كل خمس سنوات. يتم التحقق من صحة نتائج الانتخابات وتأكيدها من قبل المحكمة الدستورية. تسن القوانين من قبل الجمعية الوطنية.

يمثل رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية حيث ينتخب لمدة 5 سنوات عن طريق الانتخاب المباشر. يقوم الرئيس بتشكيل الحكومة كهيئة تنفيذية تتبع له. مجلس الوزراء الأذربيجاني يتكون من رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء.

تناط السلطة القضائية بالمحكمة الدستورية والمحكمة العليا والمحكمة الاقتصادية. ويرشح الرئيس قضاة هذه المحاكم.

اقتصاد أذربيجان

بقيت أذربيجان لسنوات طويلة تعتمد على فرع اقتصادي وحيد هو النفط والصناعات المرتبطة به كالصناعات الكيمياوية والبتروكيمياوية، ثم ظهرت إِلى جانبه، فروع أخرى للاقتصاد على درجة من الأهمية كالصناعات الثقيلة كصناعة الآلات والمعدات الصناعية والميكانيكية والمعدنية، إِضافة إِلى الصناعات التحويلية والخفيفة, كالصناعات النسيجية وصناعة الزجاج والإِسمنت والورق والصناعات الخشبية المتركزة في كل من باكو وشيكي ومينغتشاور وإِيقلاخ خاصة، كما أنها تشتهر بالصناعات الغذائية التي تعتمد على القاعدة الزراعية الغنية في الجمهورية، وتتركز الصناعة في المدن الرئيسية.

أما ثرواتها المعدنية فتتمثل بالحديد الخام ونسبته 40 ـ 70٪ والاحتياطي أكثر من 300 مليون طن، والنحاس والألمنيوم والرصاص والكوبالت والكبريت والباريت والموليبدن والكاولينيت النقي وملح الطعام البحري والصخري.

يؤلف القطاع الزراعي، الذي يعمل فيه أكثر من 51٪ من السكان, المورد الرئيسي للسكان وعماد الاقتصاد الآذْرَي، ولقد شهد هذا القطاع تطوراً في تطبيق الأساليب العلمية الحديثة والاعتماد على الري ولاسيما شق قناتين مائيتين لجر مياه نهر كورا وإِرواء مناطق كانت قاحلة.

أهم المدن و المعالم السياحية:

مدينة باكو: تُزين مدينة باكو، عاصمة أذربيجان، سفوح التلال التي شُيدت عليها، كما أنها إحدى أشهر ثلاث عواصم في إقليم القوقاز. وتقع باكو عند نقطة التقاء أوروبا وآسيا، وتتميز بمناخ شتوي نابض بالحياة ومنعش ومشمس في كانون أول حيث يجعل منها وجهة شهيرة لاحتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية الجديدة وتبدو المدينة كلوحة فنية سريالية تجمع بين الماضي العتيق والحاضر العالمي المذهل، ولذا تتوافد إليها قوافل السياح كما تمثل (باكو) مركزاً رئيسياً للتقنية والعلوم والثقافة والصناعة في أذربيجان.

مدينة شيكي: هي إحدى المناطق الريفية الأكثر جمالاً وإثارة للاهتمام في أذربيجان، وتحيط بها الجبال الخلابة من كل جانب. هي أيضاً واحدة من المدن القديمة، التي تقع على سفوح التلال في جبال القوقاز. وتزخر بمجموعة غنيّة من النشاطات التي يمكن ممارستها. كما تتميز بالمواقع المعمارية والثقافية والتاريخية.

مدينة كنجه: هي ثاني أكبر مدينة في أذربيجان وكانت تضم في باطنها كنزاً مخفياً تحت إحدى التلال الثلاث المحيطة بالمنطقة. وتتميز بتراثها الثقافي والطبيعي والتاريخي الغني الذي يعود إلى سنة 494 قبل الميلاد، ويقصدها السياح من كل حدب وصوب. وتتضمن مناطق الجذب السياحي الأكثر شهرة في كنجه حقول الكروم الجميلة والغابات الرائعة والأنهار الصافية والبحيرات الرقراقة والجبال المدهشة، وتشتهر أيضاً بالعديد من الينابيع المعدنية وزيت نفتالان الطبي الفريد.

سراي السعادة: أو قصر السعادة هو قصرٌ قديم أُنشىء ما بين عاميّ 1911م و1912م، وكان مسكن المليونير الباكوي مُرتضى مُختاروڤ يهوديّ الأصل، الذي أنشأه إكرامًا لزوجته ليزا. صُمم القصر بواسطة المهندس بولندي الأصل جوزيف پولشكو. استخدم المبنى بعد قيام الثورة البلشفيَّة كمركز للنادي النسائي التركي، وفي وقتٍ لاحق تحوَّل إلى متحف، قبل أن يُستخدم كقاعة لإقامة الأعراس والأفراح.

قصر الشروانشاهانيين:  هو أكبر المعالم الباقية من العهد الشرواني، يقع وسط المدينة ويحوي عدَّة أبنية من ضمنها القصر الرئيسي والديوان وأضرحة الحكَّام ومسجد الشاه وضريح السيّد يحيى الباكوي وصهريج مائي.

حمَّام حجّي قايب: هو أحد أبرز حمَّامات المدينة القديمة وأحد أهم الأماكن السياحية في باكو، ويعود تاريخ إنشائه للقرن الخامس عشر. يقع في منطقة إشري شهر. يُقسم المبنى إلى ثلاثة أقسام: غرفة تبديل الملابس وغرفة ارتداء الملابس وغرفة الاستحمام، ويضم بركة في وسط القاعة الرئيسيَّة تحوي على مياه دافئة في قسم منها ومياه باردة في قسمٍ آخر.

تاريخ الإسلام

لقد أضافت الفتوحات الإسلامية بعد رحيل نبي الرحمة محمد (ص) الى قائمة الدول الإسلامية اسماً جديداً وهو أذربيجان، تلك البقعة التي وقعت على أرضها المعارك الدامية بين الروس والبيزنطيين لأجل الحصول عليها، وكانت أذربيجان تقع تحت سيادة هذه تارة وأخرى تلك، واستمرت هذه الحروب زمناً طويلاً إلى أن أشرقت شمس الإسلام على هذه المناطق.

يتميز هذا البلد بطبيعته الخلابة ما جعل العيون الطامعة مشدودة إليه بحيث وطىء تحت حوافر خيول المقاتلين حتى ملَّ من سماع صوت طبول الحرب واصطكاك السيوف والرماح. وعلى الرغم من تحضرها وتمدنها بالحضارتين الساسانية والبيزنطية، كانت أذربيجان تبحث عن الإستقرار السياسي والإجتماعي وعن الحياة المطمئنة.

عندما دخل الإسلام أراضي أذربيجان عام (639م) 18هـ، قامت الحرب بين الجيشين ـ جيش المسلمين وأذربيجان ـ فانهزم جيش أذربيجان بعد مدة قليلة ،وبعد أن وضعت الحرب أوزارها استُبدلت الغوغاء والحروب بالأمن والاستقرار الذي منحهم إياه الإسلام، بحيث أصبح من أسباب توجه المسلمين الجدد إلى دراسة تعاليم دينهم الجديد.

ولما صارت أذربيجان جزءاً من الدولة الإسلامية الكبرى أُرسل عدد من المبلغين العرب إلى هذه المناطق ليعلِّموا الناس عقائدهم وأحكام دينهم ويجنبوهم آثار الشرك والضلال لأن الشعب الآذري كان يدين بدينين أساسين قبل الإسلام هما: الزردشتية والمسيحية. ومن الواضح جداً أن محو آثار هاتين العقيدتين لم يكن سهلاً لذا رأى رؤساء الدولة الإسلامية من المناسب أن تنتقل بعض العائلات من العرب إلى أذربيجان ليكونوا مع المسلمين الجدد مما جعل الشعب الآذري ومن خلال المسلمين المهاجرين يعايش العقيدة الإسلامية عمليا، وحقا كان لهذه السياسة تأثير إيجابي لترسيخ الإسلام في قلوب الشعب الآذري .

تذكر المصادر التاريخية أن وصول الإسلام كان ممثلاً بإرسال الحملات إليها فعندما فتح المسلمون فارس فتحوا أيضاً أذربيجان وكان ذلك في القرن الأول الهجري فكانت الحملة الأولى بقيادة عتبة بن فرقد، وعقد المسلمون صلحاً مع (المرزيان) حاكم المنطقة، ثم وصل إليهم حذيفة بن اليمان في حملة فتح أردبيل.

وانتهى الأمر بدخول الأذربيجانيين في الإسلام. وبدأ الانتشار الفعلي للإسلام بعد ذلك، خصوصاً بعد استيطان المسلمين في أردبيل، فنزحت إليها قبائل من مصر والشام واستوطنها بنو رواز وهم من القبائل العربية المعروفة وتحولت أردبيل إلى مركز إسلامي وقهر الإسلام المجوسية في فترة لا تزيد على 10 سنوات.

وفي عهد الأمويين ازداد عدد المهاجرين إلى المنطقة، وفي أوائل القرن الثاني الهجري كانت السيادة للإسلام، وازدهرت مدن إسلامية مثل مدينة (ورثان) و(برزند) وانتشرت اللغة العربية ، بفعل العناصر العربية المهاجرة في دعمها، وهكذا كان انتشار الإسلام في منطقة أذربيجان أسرع من انتشاره في غيرها من البلاد المجاورة.

استمر دور أذربيجان كقاعدة لبث الإسلام في المنطقة. هذا وقد أدى انتشار الإسلام في المنطقة إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في صفوف الشعب الأذربيجاني. وحكم منطقة أذربيجان في مرحلة ضعف الدولة العباسية أمراء من سلالات شيعية ولم ينتشر التشيع فيها بشكله الواسع إلا منذ العهد الصفوي.

ثم ظهرت أسر وطنية برزت في حكم أذربيجان في مستهل القرن الخامس الهجري، ثم احتل السلاجقة المنطقة، وزادت هجراتهم إليها، وفي سنة 531هـ ـ 1136م كانت أذربيجان من نصيب الأتابك إيلد كوز، ثم غزاها جلال الدين خوارزم شاه سنة 1225م، ومِن ثم حكمها المغول سنة 654هـ ـ 1256م، وأصبحت جزءًا من إمبراطوريتهم، ثم أصبحت من أهم معاقل الصفويين  سنة 907هـ ـ 1502م، وبعدهم حكمها العثمانيون حكمًا اسميًّا.

الحكم الروسي

وفي نهاية القرن الثامن عشر الميلادي أعلنت روسيا القيصرية حمايتها على بلاد القوقاز، وأخذت بالاستيلاء على بلدان المنطقة واحدة تلو الأخرى، وسنة 1326هـ ـ 1908م دخل جنود روسيا القيصرية أذربيجان بالاتفاق مع بريطانيا .

بعد سيطرة السوفييت على أذربيجان، كان من الطبيعي أن يواجه المسلمون تحديًا في تضييق الخناق على عقيدتهم، فقد هجر الروس أعدادًا كبيرة إلى أذربيجان، بحيث أصبحوا أكثر من 10% من السكان، وتقلص عدد المساجد من 2000 مسجدا إلى 16 مسجدًا فقط، كما نقص عدد المدارس الإسلامية، بل أصبحت بحكم المنتهية

هذا ولم يألُ الآذربيجانيون جُهداً في سبيل مقاومة هذه السياسة الغاشمة بكل قوة وشجاعة. فقد وقعت أربع وخمسون ثورة مسلمة أثناء السنين الأولى القليلة من الاحتلال الشيوعي لآذربيجان في عام 1920م.

وقد شنَّ الشيوعيون هجوماً عنيفاً على المساجد التي يتوجه إليها المسلمون لأداء صلواتهم وبحث أمور دينهم.

كانت هذه الدولة تحارب الأديان بشكل عام والإسلام بشكل خاص ،حيث كان من أسس نظامها ودستورها حرية اعتناق الفرد أي دين شاء ولكن لا يسمح لأي شخص التبليغ عن الدين، وانطلاقاً من هذه المادة قاموا باعتقال علماء الدين وقتلهم وتشريدهم ومصادرة أموالهم وإحراق كتبهم. وبما أن أذربيجان كانت مليئة بالعلماء الأجلاء الدراسين في العراق وإيران، قامت استخبارات الاتحاد السوفياتي عام 1937م بالتجسس عليهم واعتقالهم ونفيهم إلى سيبريا حتى لم يبق منهم إلا القليل حيث اتخذوا طريق التقية للنجاة بأنفسهم والعمل على نشر الإسلام بصورة سرية وهادئة. حيث ينقل الكبار والشيوخ خشية أن يعلم بهم المسؤولون وكانوا يصلون على الأموات ليلاً بعد أن يدفونهم نهاراً، وكانوا إذا أرادوا تدريس شيء من علوم الدين كانوا يختارون مكاناً خفياً بعيداً عن أنظار وأسماع رجال السلطة. ومن قلة الكتب الدينية كان الطلاب ينسخون الكتب الدراسية من أولها إلى آخرها.

وقد استعاد الآذريون حق استعمال لغتهم الآذرية في المعاملات الرسمية والأجهزة الحكومية  عام 1989م، ويتطلعون إلى إعادة استعمال الأبجدية العربية في كتاباتهم، بل هناك من يدعو إلى أبجدية واحدة لعموم اللغات التركية كاللغة العربية، ولكن الشيوعيون قاموا بجمع الكتب الإسلامية والتاريخية وفرضوا قوانين صارمة للحيلولة دون تداولها وقراءتها، حتى إذا رغب المسلمون في معرفة عقيدتهم وأحكام دينهم لم تتوفر لهم الكتب اللازمة، وليس بوسعهم الاستفادة من كتب التراث نظراً لتغيير أبجديتها.

وإثر حصول أذربيجان على الاستقلال عام 1991م تدفق الدعاة الإسلاميون من مختلف دول العالم الإسلامي وخاصة من تركيا وإيران، ما أدى إلى زيادة الوعي الديني لدى الشعب الأذربيجاني، ونتج عن ذلك زيادة وعي الناس بهويتهم الدينية.

تاريخ التشيع في آذربيجان

يُعتقد أن تاريخ التشيع يرجع إلى أيام خلافة الإمام علي (ع) ولكن على مستوى ضيِّق، والمعروف على الألسن وفي الذاكرة الشعبية ـ دون ما يسند إلى المصادر التاريخية ـ أن كان بعد هجرة ابنتي الإمام موسى بن جعفر الكاظم (127هـ ـ 183هـ)إلى مدينة باكو، وأما المتيقن فإن جذور التشيع ترسخت في آذربيجان عند قيام الدولة الصفوية بقيادة السلطان إسماعيل الصفوي (892 ـ 930هـ/1478 ـ 1524م)  الذي أعلن التشيع مذهباً رسمياً لدولته، فمن هنا قام العلماء بفتح المدارس الدينية وفق مذهب أهل البيت (ع) في المدن الكبيرة، وقام المبلغون والخطباء يبلغون الدين من فوق أعواد المنابر وفق مذهب أهل البيت (ع)، هذا وقد حافظ الشعب الآذربيجاني على ولائه لأهل البيت (ع)؛ رغم الاضطهاد الروسي.

الشعائر الحسينية … دور رائد

كان للشعائرالحسينية دور هام في حفظ الدين والتشيع في آذربيجان لأن المؤمنين بعد أن فقدوا علماءهم لم يكن لديهم طريق لإيصال الدين إلى الجيل الجديد سوى إقامة المراسم والمآتم بمناسبة ذكرى استشهاد الامام الحسين (ع) ففي الوقت الذي لم يكن يعقد أي مجلس ديني، كانت المجالس العاشورائية وسيلة لإعطاء المعلومات الدينية وإن كانت بسيطة، حيث ينقل الأجداد أنهم كانوا إذا أرادوا أن يقيموا مجلساً حسينياً ارسلوا عيوناً خارج القرية لمراقبة الداخلين والخارجين. ومن الجدير بالذكر أن بعض المناطق التي لم يبق فيها أي أثر ولا خبر من الدين لم يكن بالإمكان تشخيص مذهب سكانها إلا بالسؤال عن إقامة أجدادهم المراسم الحسينية لأن اسم المذهب شيعة أو سنة أصبح منسياً.

وكان لمراقد آل الرسول (ص) دور في نشر فكر أهل البيت (ع) وأهمها مرقد ينسب إلى إبراهيم ابن الإمام محمد الباقر (ع) وهو على مقربة من مدينة كيروف، ويعد أهم مركز تفد إليه الجماهير في عاشوراء، ويعود تشييده إلى القرن التاسع الهجري ويعتبر هذا المرقد الخلية الاولى لتاسيس الحسينيات في هذا القطر الاسلامي، ومزار أخوات الامام الرضا (ع) الواقع في مدينة نارداران، وأيضاً يوجد مزار واقع في مدينة بيلغان يقال أنه لنبي الله جارجيس (ع).

أحوال الشيعة

تعتبر أذربيجان من أعرق مراكز التشيع في العالم فإن معظم سكانها من الشيعة الإمامية، يعتبر المذهب الإمامي هو الثقل الأكبر في هذا البلد حيث تبلغ نسبة الشيعة اكثر من 85%.

فالشيعة في هذا البلد يتمتعون بمعنويات عالية والوضع الديني عندهم جيد خاصة  في القرى وخارج المدن الكبيرة فبعد الاستقلال أخذ الناس يمارسون نشاطهم الديني بإظهار شعائرهم بكل حرية وبأفضل صورة حيث أصبحت مآذن باكو العاصمة تدوي بـ (حي على خير العمل)، وزالت الشعارات الشيوعية لتحل محلها الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية حتى في نفس المراكز الشيوعية.

واستطاع مسلمو أذربيجان خلال العقدين الماضيين نفض غبار الحقبة الشيوعية التي استمرت ٧٠ عامًا؛ حيث تسعى الإدارة الدينية الآن لتنمية الوعي الديني للأغلبية المسلمة، والاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع العالم الإسلامي والشعب هناك يعيش معالم صحوة إسلامية؛ حيث توسعت حركة بناء المساجد لدرجة أوصلتها إلى ما يتجاوز ١٥٠٠ مسجداً، بعد أن كانت لا تتجاوز أعدادها أصابع اليد، طوال الحقبة الشيوعية وكذلك تصاعدت أعداد مكاتب تحفيظ القرآن، وتم افتتاح العديد من المدارس الدينية المكلفة بإعداد الطلاب الآذاريين، وتعليمهم اللغة العربية تمهيدًا لابتعاثهم لاستكمال تعليمهم في الجامعات الإسلامية الكبرى.

ولعل أبرز مظاهر اهتمام أذربيجان بالإسلام القرار الذي أتخذه الرئيس (حيدر علييف) بانضمام أذربيجان إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، فقد كان قراراً صائباً، ويؤديّ إلى تعزيز صلات أذربيجان بمحيطها الإسلامي، كذلك موافقته على افتتاح فرع للجامعة الإسلامية العالمية في العاصمة باكو.

مسجد تازه بير

ويحيي أهل هذا البلد كل المناسبات بمراسم كبيرة وخاصةً في أيام عاشوراء حيت تظهر علامات الحزن في كل أنحاء البلاد وتقام المآتم في المساجد والحسينيات بنطاق واسع وكذلك تحيى هذه المناسبة في المنازل بشكل ملحوظ وفي معظم المناطق
وبما أن الشيعة متواجدون في معظم مناطق البلاد فلهم مراكز كثيرة وحوزات دينية وبالخصوص في باكو وجليل آباد، والصبغة المذهبية للجامعات الرسمية شيعية والطابع الشيعي غالب عليها. ولشيعة أذربيجان أثر كبير في دعم الوضع الشيعي قديماً وحديثاً فقد كانت ترسل الأموال الكثيرة من تجار هذا البلد إلى مراجع الدين المقيمين في النجف الأشرف حيث كان الثقل العلمي للطائفة هناك، ويعد طلبة الحوزات الدينية من أهل هذا البلد بالآلاف في نفس البلاد وخارجها في إيران والعراق.

وبُعيد الاستقلال قام عدد من الإسلاميين الشيعة بإنشاء أحزاب سياسية أشهرها كان الحزب الإسلامي الأذربيجاني الذي أنشئ عام 1991م، ولكن لم يسمح لهذا الحزب بالاستمرار طويلاً فقد تعرض الحزب لمضايقات عام 1995م بعد صدور قانون بحظر الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، إذ اعتقل رئيس الحزب وفي عام 2002م وأغلق الحزب نهائياً، ولا يزال الحزب يعمل بشكل غير رسمي ولكن الحظر أدى إلى إضعافه بشكل كبير، ونتيجة لهذا التضييق على النشاط السياسي للمسلمين الشيعة تحوّل نشاطهم إلى المجتمع المدني حيث قاموا بإنشاء عدد من المنظمات غير الحكومية النشطة.

جمهورية أذربيجان يجب أن تحيا بمعالم أهل البيت (ع)

وفي هذا الصدد تحدث آية الله العظمى  الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني أثناء أستقباله جمعاً من المعلمين والمثقفين من مدينة (كنجة) من جمهورية أذربيجان.

قال سماحته: بعد إشادته بما يحصل من انتشار للإسلام في هذا الزمن في الجمهوريات المسلمة ـ جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً ـ حيث إصرارهم على استعادتهم هويتهم الإسلامية، وأكد سماحته على وجوب تمسكهم بولاية أهل البيت (ع)، قائلاً: عليكم إحياء شعوب هذه الجمهوريات الموالية بمعارف أهل البيت (ع) لكي تحققوا نشر الإسلام الأصيل.

هذا وأشار سماحته إلى ما يفعله اعداء الإسلام في حربهم ضد الإسلام وأكد على ما يفعله الوهابية واليهود من خلال سعيهم لتغيير الهوية الشيعية لجمهورية أذربيجان.

أهم المساجد:
مسجد باب الهيبة

مسجد باب الهيبة: هو أحد أهم المساجد التاريخية في مدينة باكو وقد تم إنشاء هذا المسجد في القرن الـ13
يُشكّلُ المسجد مزارًا للكثير من الشيعة والسنَّة في باكو وأذربيجان.

مسجد قصر الشروان شاه: قصر الشروان شاه، أو الشروانشاهان هو أكبر معلم خلَّفه آل شروان شاه في أذربيجان وأحد مساجد أذربيجان الشهيرة ويضم قصراً ومقابر ضخمة وجامعاً ومئذنة وغرفاً أخرى كثيرة. وهو مطبوع على العملة المحلية في أذربيجان ويُعتقد أن هذا القصر بني في مكان مقدس مخصص لعبادة الله على مقربة من قبر أحد الصوفيين ويسود اعتقاد إلى الآن عند الأذربيجانيين بأن مياه الآبار داخل القصر لها قدرة على الشفاء من الأمراض، وقد أضيف الى قائمة التراث العالمي عام 2000م.

مسجد محمد: ذو المئذنة التاريخية التي تعود إلى سنة 1087م وتسمى سينق قلعة ويبدو برج المئذنة الضخم الثقيل وهو أول مبنى في أذربيجان يرتبط بالإسلام ومؤرخ للرباط المعماري.

مسجد تازه بير: هو أحد المساجد التاريخيَّة، بدأ العمل على بنائه في سنة 1905م. صممه المهندس ظافر بك أحمد بكوڤ. اكتمل بناء المسجد سنة 1914وتم افتتاحه   سنة 1917. خلال العقود الأولى من الحكم الشيوعي،تمَّ تدنيس المسجد بوسائل عدَّة، فتحوَّل إلى دار للسينما وحتّى إلى اسطبل تُحفظ فيه المواشي، ومنذ عام 1943 أعيد افتتاحه كمسجدٍ جامع للعموم.

المسجد التركي  جامع الشهداء:  مسجد الشهداء في أعالي باكو وقد أخذ الطراز التركي وبني كذكرى لشهداء الأتراك.المسجد حالياً يستخدم كمقر رسمي للملحق الديني بالسفارة التركية. شرع بإنشائه عام 2009م.

التعليم الديني في أذربيجان

ما زالت مسألة التعليم الديني في المدراس أمراً خاضعا للأخذ والرد وبالتالي لم يعد الأمر مقتصراً على المؤسسات الحكومية بل تعدى ذلك إلى المؤسسات الإجتماعية ووسائل الأعلام . ومن أبرز التساؤلات المطروحة المتداولة «كيف ستكون برامج التدريس وما هو التأثير المرجو منها؟».

وبالتالي فإذا تحقق التعليم الديني وأقر من قبل الدولة، فهناك عدة نتائج يمكن أن تتحقق:

ـ من خلال التعليم الديني يمكن إنقاذ الشباب الآذري من الوقوع كفريسة للحركات التنصيرية.

ـ يلعب التعليم الديني دوراً في ترسيخ الإيدولوجية القومية.

ـ يؤمن التعليم الديني المعرفة الدينية الصحيحة بدل لجوء الشباب إلى جهات غير موثوقة.

والجدير بالذكر أن هذا النوع من المطالب هو من الأمور المحقة خاصة أنه لا ينافي ما نص عليه الدستور وإن كان نظام الدولة نظاماً علمانياً. هذه هي هواجس المسلمين من ناحية التربية والتعليم الديني.

ولكن تجدر الإشارة أنه بعدما تم توقيع إتفاقية بين وزارة التعليم الآذرية وجامعة باكو الحكومية عام 1992م ووقف الديانة التركي تم إنشاء كلية الألهيات حيث تقوم بإعداد المتخصيصين في العلوم الإلهية.هذا بالإضافة إلى المدرسة الدينية التي تحولت إلى جامعة فيما بعد وهي جامعة باكو الإسلامية التابعة لإدارة مسلمي القوقاز.

قضية الحجاب في آذربيجان

إن سياسة محاربة الدين انتشرت في العالم الإسلامي وأذربيجان أثناء الحرب العالمية الثانية تحديداً بعد توقيع معاهدة «كلستان وتركمنجاي» على يد الشيوعية، فظهرت هذه السياسات عبر منع الحجاب خاصة بعد وصول أحزاب علمانية مناهضة للدين في آذربيجان في السنوات الأخيرة.

وشملت هذه السياسة تدمير المساجد ومنع إقامة الأذان ومنع ترشح علماء الدين للإنتخابات وغير ذلك من السياسات الظالمة والجائرة.

وفي عام 2007م أصدرت الحكومة قانوناً ينص على منع الحجاب في المدراس مما أدى الى اعتراضات عارمة في مجلس النواب والشارع ومسيرات شعبية منددة بهذا القرار فمنع هذا القانون.

جمعيات

لجنة أهل البيت (ع) : واحدة من المؤسسات المهمة  العاملة في هذا المجال حيث بدأت نشاطها في أذربيجان منذ نيل الجمهورية استقلالها عن الاتحاد السوفييتي، واتسعت دائرة العمل الإسلامي في مختلف الأصعدة حيث أقامت اللجنة مدرسة فاطمة الزهراء (ع) في منطقة بناقدي ومدرسة في مسجد الإمام الحسين (ع) حيث تخرج منها عشرات الطلبة. وأرسلت اللجنة بعضهم إلى الحوزات العلمية في سوريا لترفع من مستواهم العلمي. وقد تخرج من هذه الحوزات عدة مبلغين مؤهلين لنشر فكر أهل البيت في أذربيجان، كما قامت اللجنة بتكفل الأيتام والأسر الفقيرة عن طريق المؤمنين الخيرين في الكويت وترسل لهم المساعدات شهرياً وتشرف على احتياجاتهم
كما قامت اللجنة بتأسيس مكتب إعلامي يقوم بترجمة وطباعة الكتب وتوزيعها على المناطق المختلفة في الجمهورية لنشر فكر أهل البيت (ع)
وكذلك قامت بشراء كتيبات عن الصلاة وتم توزيعها، وهم بحاجة الآن لطباعة كتيبات عن الأئمة (ع) باللغة الآذرية.

اللجنة الحكومية للجمعيات الدينية لجمهورية أذربيجان، التي تُعتَبر بمثابة وزارة الأوقاف وهي واحدة من أهم المؤسسات المسؤولة عن الشؤون الدينية وإظهار صورة التسامح في البلد.

ومن مراكز التجمع الشيعية في باكو كذلك «مسجد جواد»، ويتبع لهذا المسجد مدرسة، وتدير هذه المجموعة منظمة «بيرليك» وتصدر صحيفة أسبوعية.

المركز الديني لمنطقة ما وراء القوقاز الموجود في باكو: المتعهد الرسمي لأمور مسلمي أذربيجان وجورجيا وداغستان.

المجمع العمومي لعلماء الدين الآذريين.

مكتب الفتوى لمسلمي القوقاز.

مجموعة جمعية (نقاء الأخلاق) التي تعمل في مجال حماية الحقوق الدينية وتصدر جريدة (سلام).

إغلاق