آفاق معرفية

هل الصحة النفسية إرادية؟(1)

211-212

بقلم: حسن العاملي(*)

 

أين هي الصحة النفسية؟

هي في قطرة الندى. وعند شروق الشمس في الصباح الباكر. وتحت قوس قزح الذي يطل من الأعالي. وحول هالة البدر حين اكتماله. وفي أزهار الربيع بألوانها الجميلة. هي في الغابات الخضراء التي تغطي الجبال. إنها في بساتين التين والزيتون. وبين أشجار الرمان. وتحت أشجار الأرز الخالدة. وفي الينابيع التي تصب الماء الرقراق في الأنهار. إنها في زقزقة العصافير وتغريد الطيور. إنها أيضاً، في موسم القطاف والحصاد. وفي براءة الأطفال وضحكهم. وفي قوة الشباب وطموحهم. وفي حنان الأم وعطفها. هي في موسم الأفراح والأعراس. وفي مناسبات النجاح والحب والتلاقي. هكذ هو الرأس المرفوع والخطى الثابتة في نسيم الربيع.

خلق الإنسان ليكون منسجماً مع الطبيعة، فلا إشكال ولا مشاكل. لكن الحال غير ذلك. فتلك لحظات من السعادة والفرح تختفي قبل أن نتمتع بها. ففي الواقع الذي نعيشه توجد متغيرات كثيرة مليئة بالمفاجآت. منها المزعج، ومنها المضايق، ومنها المحزن، ومنها الممرض، ومنها ما نسببه بأنفسنا لأنفسنا.

الصحة النفسية هي نتيجة توازن القوى الداخلية والبدنية مع المتغيرات الخارجية التي تبدل المزاج  وتؤثر على نشاط الإنسان. هي السلامة من الحزن والكآبة والقلق والتوتر والخوف والغضب والألم والانهيار وتانيب الضمير، وكل ما يعكر المشاعر أو يعرقل حياة الفرد. يشترك المزاج والصحة النفسية بأمور وعوامل كثيرة. الفرق بينهما، أن مسببات المزاج وانعكاساتها، هي آنية ومرحلية وتزول بزوال أسبابها. أما في الصحة النفسية، فتبقى مستقرة ومترسبة في شخصية الإنسان. تلك المتغيرات تأتي مجتمعة أو فرادى. بعض أسبابها يعود إلى الماضي، كالحزن والكآبة، والبعض الآخر يواجهنا من الحاضر، كالخوف والقلق.

من المزعجات، ما هي آنية، تزول بزوال أسبابها. مثل: تغيرات الطقس، وازدحام المرور، عند ساعات الانتظار، أو خلال الاجتماعات، أو نتيجة لخبر مقلق، أو لسوء فهم وتفاهم. ومن المزعجات الدورية: الجوع  والعطش، أو البرد والحر، أو التعب وقلة النوم.

في المضايقات، أمور أكثر تعقيداً، وغالباً ما تترك في النفس آثاراً أليمة. مثل: حجز الحرية. أو التعرض إلى ظلم واعتداء، أو نتيجة لحشرية الآخرين وتدخلهم في شؤوننا الشخصية. وغيرها من السلوك السلبي. أكثر المضايقات وأوجعها ألماً وحساسية، ما تحصل في العلاقات الاجتماعية والروابط الأسرية، التي تتخللها أحياناً، شذرات من الحسد والغيبة والنميمة. وبقدر اتساع مروحة العلاقات الشخصية، تصاحبها أحياناً، طفرات سلبية من المنقاشات والجدال وسوء تفاهم، وربما نزاعات.

أما المحزنات، فهي كثيرة ومتعددة. مثل: فقد عزيز. أو حادث مفاجئ. أو ضائقة مالية. أو فشل في مشروع. أو مرض مؤلم. وغيرها من الأمور التي لم تكن في الحسبان. تعتمد الصحة النفسية أولاً وآخراً، على  ما يشعر به كل إنسان من المؤثرات الخارجية. لذا فهي نسبية حسب كل فرد. في بعض الأحيان والمواقف، يسبب الإنسان لنفسه إشكالات دون قصد. مثل: دوامة الذكريات المريرة. أو الاستسلام  لليأس والوسواس. أو التسرع والطيش، أو زلة اللسان. أو التناسي وعدم الانتباه لأمور هامة. أو الإهمال وتكرار الأخطاء. هكذا هو ميزان الصحة النفسية، يتأرجح بين حدين، أحدهما مرن ومفرح، والآخر سلبي ومؤلم. في مواجهة كل تلك الأمواج والدوامات من المتغيرات، يدافع الإنسان عن ذاته، بصورة شعورية أو لا شعورية، يطلب الطمأنينة والسكينة والأمان.

طلب الأمان يتناسب مع شدة الخوف:

للخوف الذي يزعزع الأمان، مصادر متعددة. مثل: الخوف من المرض. والخوف من الفقر. والخوف من الفشل. والخوف من الخسارة وغيرها. الأمان ضمانة للخائف. فالصحة أمان من المرض. والعمل أمان من الفقر. والملجأ أمان من الكوارث الطبيعية. والعلم أمان من الجهل، والوطن أمان من الأعداء. والنسل أمان من الانقراض. والتواصل الاجتماعي أمان من الوحدة. فالعلاقة بين الأمان والخوف، هي علاقة طردية. فكلما اتسعت مساحة الخوف، ازداد الطلب على الأمان.

ينشأ الخوف من المجهول، ومن الغموض، ومما سيأتي به الغد. يحصل الخوف نتيجة لتوتر بسبب أمر من الأمور. أو من قلق على شيء من الأشياء. فاذا تبدد الغموض واتضحت الرؤية، أمكن فهم طبيعة الخوف ومصدره. وإذا توفرت للإنسان وسائل الأمان، تلاشت المخاوف.

دوامة الحزن والكآبة:

الحزن والكآبة، هما من المؤثرات النفسية الصعبة. لأنها تنمو ببطء، وتترسب مع مرور الزمن، كالبرك الراكدة. وربما تصبح الكآبة ملازمة لحياة الإنسان بعد زوال ظروفها وأسبابها، ثم تتحول إلى دوامة تستنزف طاقاته وتتركه منهكاً منطوياً على ذاته. هذه الظاهرة ليست سلبية بمجملها. فمن لم يحزن لا يعرف طعماً للفرح. ورغم أن أسباب الحزن والكآبة تعود إلى الماضي، إلا أنها تتأثر بفلسفة الإنسان ونظرته إلى ذاته، وإلى الحياة والكون. بعض الناس لا يحزن إذا شاهد ضحية في حادث سير. بينما يكتئب الآخر ويفقد شهيته للطعام. الكآبة والحزن، مثل الفرح والسعادة. هي مشاعر ذاتية  نسبية، يمكن التحكم بها أو الاستسلام لها. كثير من الناس من يمر بحوادث مؤلمة أو مواقف حرجة أو مآس حادة، تترك في أنفسهم  وذاكرتهم جراحات دفينة.

بعضهم يغير صورة الحدث في ذهنه، فتصبح الذكرى باهتة. يحاربها تارة، أو يحاورها تارة أخرى، أو يحاول نسيانها. وشيئاً فشيئاً يتخلص من تأثيرها. ومثلما يتسلل الحزن والكآبة إلى الجسم عن طريق الفكر، كذلك يمكن للفكر طردها والتخلص منها بالفكر ذاته. ومثلما يتفادى من يسبح في البحر، الأمواج ودوامات الماء، كذلك يمكن للإنسان أن يتخلص من دوامة الحزن بالابتعاد عن مصادرها. ففي الفراغ وعدم الانشغال، قوة تجذب الهموم والأحزان، شبيهة بدوامة البحر التي تستقطب التيارات المائية.

تتميز الصحة النفسية المتوازنة بالميل نحو الطموح، وهي سمة عكس الإحباط. فالطموح يفجر الطاقات الروحية والفكرية، ويصبح دواءً شافياً ومتنفساً للاحباط والكآبة. ومن يخلق أهدافاً صغيرة أو أعمالاً مفيدة، يجد لها في نفسه، طاقات مخزونة لتنفيذها. تلك الأهداف الصغيرة، يستطيع الإنسان أن يتوكأ عليها، ويكون بمنأى عن الطريق المسدود. من الوسائل العملية للتخلص من الندم أو الذكريات المرة والأمور المزعجة، أن يدوِّن المرء تفاصيلها وأسبابها على ورقة، ثم يحرقها أو يعدمها.

زوبعة التوتر والقلق:

يحصل القلق والتوتر نتيجة لمسببات ضاغطة أو مفاجئة، لكنها تتضاءل تدريجياً بزوال أسبابها. بعكس الحزن الذي يتراكم بمرور الزمن. أما مصادر القلق والتوتر فيمكن أن تكون واقعية، من العالم الخارجي، كالخوف من انهيار مبنى  قديم، أو الخوف من تهديد، أو الخوف من فشل العلاقات مع آخرين. يهجم الخوف قوياً كالزوبعة، لكنه لا يستقر في النفوس كما تفعل الكآبة. والخوف يتطلب الأمان كوسيلة دفاع. وغالباً ما يترافق الخوف مع المشاكل الحارة، تلك التي تتطلب حلولاً آنية. أما المشاكل الباردة، أي تلك التي تتطلب تفكيراً وتخطيطاً، فهي من مصادر للقلق. وإذا لم يستطع الفرد الخروج من زوبعة التوتر والقلق، فربما يواجه أزمة.  وعلى عكس التوتر السلبي، هناك ظاهرة (صدمة الدهشة والانبهار). هذه الظاهرة  طبيعية وإيجابية، تحدث كرد فعل لمنظر مفاجئ أو موقف غريب. فنسأل: كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟.. في مثل ذلك الظرف، يخرج الإنسان من دائرة القلق والتوتر مؤقتاً، ويركِّز انتباهه على نقطة واحدة، تشلّ تفكيره لفترة وجيزة.

الخوف بوصلة للسلوك:

الخوف ظاهرة صحية وحافز لديمومة الحياة. الخوف وسيلة دفاع إيجابية لسلوك الإنسان. فالخوف من الفقر يحفز العمل. والخوف من الفشل يرفع الهمم. والخوف من الأعداء يحصن وسائل الدفاع. والخوف من الميكروبات والجراثيم يتطلب النظافة الدائمة. فالخوف أداة ضرورية لكبح التطرف. أما السلوك، فهو اختيار الوسائل التي تحقق للإنسان حاجاته الفطرية وميوله الشخصية، في المجتمع. هذ السلوك هو آمن وسوي حينما يراعي تقاليد وعادات وأنظمة المجتمع. الخوف يشير إلى عدم وجود الأمان، وهو سبب لعدم التوازن النفسي. ومن لا يخاف لا يأمن من التهور والندم.

طاحونة الندم تكبح التسرع:

في معامل صناعة زيت الزيتون، يعصر الزيتون الأخضر، وتوضع بذورها وقشورها جانباً. لهذه (الفضلات) فائدة عند حرقها كحطب في برد الشتاء القارس. في سلوكنا وعلاقاتنا الشخصية، تحصل أحياناً بعض التصرفات والأخطاء التي لا نشعر بقساوتها على الآخرين، إلا بعد فوات الآوان. هذا ما يورث الندم لاحقاً، الذي يطحن القوى النفسية ويؤلم الضمير. لكن هذا الندم (الفضلات) ينفع في المستقبل، ليصبح وسيلة لتجنب التسرع في اتخاذ القرارات، ويحصِّن الإنسان من إساءة السلوك. ومن يجتنب الغضب لا يشعر بالندم.

قال الامام علي (ع): «مسكين ابن آدم، تؤذيه البقة وتقتله الشرقة».


(*) مهندس، عضو في معاهد الهندسة البريطانية، مدرِّب تقني، كاتب ومترجم.

إغلاق