قضية ورأي

فلسفة الذنب والاستغفار الآثار الفردية والجمعية

209-210

بقلم: الدكتور زهير بيطار

 

الذّنب والمعصية:

الذنبُ عمل تتنفر منه الطّباع السّوية، إمّا لأنه يُخلّ بالمروءة أو ينقص قدر فاعله، أو لأنه عمل في السرّ يخجل منه المرء لو اطلع عليه غيره، أو أنّه عمل يرفضه العقلاء ويرونه خطيئة لأنه يؤذي صاحبه، أو الآخرين فرداً أو جماعةً، أو يُخلُّ بالعلاقات الاجتماعيّة، كالكذب والنّميمة والرشوة والغشّ، أو يتنافى مع الإنسان السّوي في بنيته النفسيّة كعقوق الوالدين أو الأولاد.

وأفعال الإنسان، مهما بدت صغيرة قد يكون لها آثار كارثية على البشر.

فالكذب مثلاً، قد يصبح وسيلة في يد الأشرار لتضليل الناس وتدمير دول وشعوب.

والرّشوة هي المدخل إلى هدم بنيان المجتمعات والعمالة لأعدائها.

والظلم هو قمّة الخطيئة بما له من أثر في فساد المجتمع واضطراب نظامه العام، وما ينشأ عنه من نزاعات تذهب بأمن النّاس والممتلكات والأرواح.

لذلك جعلت الشّريعة الإلهية إقامة العدل من أهمّ أهدافها، ومن أسباب نزول الوحي والرسالات.

“لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ” [الحديد: 25].

فالميزان هنا هو المعيار الربّاني للعدالة وهو الشّريعة.

“وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ”[النحل: 36].

فالطاغوت هو كلّ مؤثر ضار يطغى على الإنسان فيستعبده فيجعله يستحلّ أيّ شيء لأجله ولو كان فيه ظلم أو فساد. وهذا الاقتران في هذه الآية الكريمة بين عبادة الله وتوحيده واجتناب الطاغوت يستبطن بأنّ الاجتناب المطلوب مقارنٌ للتوحيد الصّحيح.

“إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” [الشورى: 42].

الذنب بمختلف مستوياته مع ما له من خطورة ظاهرة على الإنسان فرداً وجماعة بل على بني البشر عندما يصبح خطأ جماعياً، فإنه قد يؤدي إلى أثرٍ سيّئ على محيطه أي الكون بما هو خروج عن النظام الكوني العام، و(هذا قد يبدو غريباً للوهلة الأولى، لكن مع مزيد من التبصّر) يمكن فهمه إن نظرنا إلى الإنسان والدّين الرّباني المنزّل إليه من خلال المنظور الكوني العام.

فالإنسان جزءٌ من بنيان الوجود الذي أقامه الله (عزّ وجل) على نظام إطاعة تامّة له، وشريعته جزءٌ من النظام العام للكون، فالخالق الأعظم جعل لكل موجودٍ نظاماً يضبط إيقاعه ويضعه في توافق مع الكون ونظامه الرّباني، تشمل كل الموجودات التي لا تحصى ولا نعلم شذوذاً عنها، مما يجعلها حقيقة كونيّة وسنّة وجوديّة،  والإنسان ـ الذي حمّله الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض وسخّر له ما فيهما، واستخلفه في أرضه باستخلاف الأنبياء    ـ الجزء الأهم في البنيان الرّباني لهذا الكون، فهو الأولى ـ أسوة بالموجودات الأخرى ـ أن يجعل له نظاماً إلهياً يضبط سلوكه ويضعه في توافق مع الكون، فهو لم يتركه ليضع لنفسه النظام اللازم لتحقيق هذه الغاية، لأنّ معارفه تراكمية، فهي ناقصة لا تلمّ بما يكفي من حقائق الوجود وعلائقه، فاعتماده عليها لا يجعله قادراً  على أن يضع لنفسه النظام الذي يدفعه دفعاً كافياً للتلاؤم مع الكون ونظامه، وهذا أمرٌ خطيرٌ عندما لا يراعي سلوك البشر الحقائق الوجودية، فيكون له آثار كارثية على الإنسان ومحيطه، من إتلاف الغلاف الأخضر للأرض، وتلويث المياه وإبادة أنواع من الحيوانات، وثقب طبقة الأوزون. فالنظام الرّباني للبشر هو الدين الإلهي، والإنسان يلتزم به طوعاً لا جبراً كالجمادات، وبمقدار ما نفعل ذلك نستحق الاستخلاف وحمل الأمانة وتسخير الكون.

من هذا المنظور تكون لمعصية البشر خطورة عظيمة، لأنها خروج بالسلوك عن النظام الكوني الرّباني، ويزداد خطورة عندما تصبح آثاماً جماعية، فتترك آثاراً على نفسه أو على مسرح وجوده في هذا الكون، قد تكون ظاهرة أو غير ظاهرة بسبب نقص معرفة الإنسان بالعلائق الكونية، وجهله بعالم الغيب الذي له معطياته المختلفة عن عالم الظّهور، ولا يُعلم بها إلّا بالوحي، فالتداخل بين أفعال البشر والكون بظاهره وغيبه هو من المعقول بناءً على مبررات موضوعية كالتي أشرنا إلى بعضها،ولئن كان هذا يدخل في باب الفلسفة والعرفان، لكن اقتضى  المقام الإشارة إليه لفهم خطورة أفعال البشر، سواء منها المعصية أو الطاعة، وفي القرآن والسّنّة نصوص تحمل إشارات هامة في هذا الاتجاه.

ففي المأثور في السنّة أنه إذا كثر الزّنا كثرت الزلازل.

وفي كتاب الله العظيم وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَٰتٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ” [الأعراف: 96].

ولئن كانت هذه النتائج لأفعال البشر هي من قضاء الله الحكيم في مسار الأمور، لكنها تبقى مقدمات للقضاء الإلهي لها أثرها على المحيط الكوني.

تفاعل الإنسان مع الذنب بعد وقوعه:

إذا وقع الذنب فقد أصبح أثراً واقعاً، ويختلف تفاعل الإنسان فيه بين أن يكون ملحداً أو مؤمناً بالله واليوم الآخر.

فطرةُ الإنسان في الأصل سليمة،مما يجعله ينفر من الفعل القبيح، لذلك لا بدّ أن يترك في نفسه آثاراً يتفاعل معها، وإذا تفاقمت ولّدت له ألماً نفسياً، لكنّ الملحد لكي يتخلص منها فإنه يلجأ في الأمور الشخصيّة إلى إقناع نفسه بأنه لا يلحق  الأذى بالآخرين، لكنّ ذلك لا يكوّنُ حافزاً للخروج من دائرة الذنب.

أمّا إذا كان متعلقاً بالآخرين كالكذب والتزوير والغش والظلم والتعدي على حقوق الآخرين، فيتخلّص من الألم الداخلي ومنازعة الضمير باللجوء إلى التبريرات وتجميل الوسيلة بالغاية التي يعتبرها مقبولة، ومع الاستمرارية يُصاب الوجدان بنقص الحساسيّة والتبلّد. وأخطر التبريرات المصطنعة هي العقائد العنصرية التي تجعل العدالة والقِيم غير عامّة لبني البشر؟ بل خاصة بعنصره، وأخطر ما في هذا هو الدّين المحرّف الذي يعزو ما يفعله من شرّ ضد أعدائه إلى إرادة الله في شريعة محرّفة عن أصل الدين، تعبّر عن أطماع ومفاسد النفس البشريّة، ومثاله العقائد التكفيريّة في التلمود والمناهج التكفيرية المتلبّسة بالإسلام التي لها نكهات تلمودية لا تَخفى. وهكذا يصبح فعل الشرّ فضيلة وفي هذا غاية الخطورة على البشريّة.

هذا النمط من التفاعل سلبي ولا ينطوي على حافزٍ إلى الإقلاع عن الخطأ وإصلاح العمل.

أمّا تفاعل المؤمن فيختلف بسبب عناصر عقيدية أساسيّة في الدين المحمّدي، نذكر منها ثلاثة لها علاقة بالمقام.

الأول: عقيدة التوحيد الصحيحة، أنّ الله (عزّ وجل) واحد لا شريك له ولا شبيه، لا حدّ يحدّه، مطلق الاستطاعة والكمال والاطلاع، دائم الحضور ويعلم السّرّ وأخفى.

هذه العقيدة الواضحة تعني أنّ الله (عزّ وجل) مطلع على سرّ الإنسان، تلك المسحة الأخطر من حياته التي فيها يبدأ العزم على العمل السّيء، ومعظم الشّرور من تآمر على الأفراد والشعوب، والغشّ والرّشوة والخيانة وغيرها والتي لا يطلع عليها أيّ جهة يفترض أن تناط بها المراقبة والمساءلة.

التوحيد بهذا المعنى يجعل الحضور الإلهي مرافقاً للوجدان الفردي والجمعي، رقيباً عليه، يمنعه من التلبّد وتجاهل الخطأ.

الثاني: أنّ القِيَم الإنسانيّة والفضائل منوطة بإرادة الله تعالى ومتوقفة عليها وهو يحاسب على مدى الالتزام بها، وهذا يعطيها درجة من القداسة في الوجدان، وسلطة معنوية على النفس تتفاعل معها، وثباتاً يمنع من تحريفها، الأثر الذي لا يمكن تحصيله في توقيفها على سلطة المجتمع إن على صعيد الجماعة الواحدة أو الصعيد الأممي، لأنّ هذه الجهة بشريّة تتأثر بكل مظاهر الضعف البشري.

وفي العلائق الأُممية الموكل أمر حفظها إلى الهيئة الأُممية أظهر الأمثلة على ازدواجية الموقف من القيم حيث تختلف من شعوب إلى شعوب، وشعوبنا وأمثالها من الشعوب المستضعفة تعاني من ذلك.

ثالثاً: الإيمان باليوم الآخر والحساب على الأعمال مما يعطي العمل صيانة فلا ضياع له.

هذا الخط الربّاني يحمل في طيّاته الوسائل التي تربّي أتباعه على هذه العقائد فردياً وجماعياً من خلال العبادات لا سيّما الصلاة والدّعاء، فالصلاة المقترنة بحضور القلب ولو بالحدّ الأدنى الذي يجعل الفرد يتفاعل مع معاني الأذكار والأفعال، كذلك الأدعية المأثورة عن النبيّ وأهل البيت (ع)، والتي تعتبر مدرسة تربوية فريدة فرديّة وجماعيّة، حيث أنّ المؤمن يقبل على الصلاة والدعاء تلقائياً بدافع ذاتي ورغبة فتكون نفسه متشوقة لله تعالى  يناجيه ويتعبّد إليه، فيجعله في حالة من التقبّل والتفاعل مع هذا الشعور بالحضور الإلهي، ومع التكرار يتعمّق هذا الإحساس مستحضراً معه ما يرتبط بإرادة الله من قِيَم ومن محاسبة عليها.

هذا يسدّ أبواب تبرير الشرور وتحوير القِيَم، كما يحول دون تجاهل الخطأ وتبلُّد الضّمير. لذلك إذا وقع الذّنب من المؤمن يجد نفسه مضطراً إلى الاعتراف والاستغفار.

الاستغفار والمغفرة

الاستغفار من المواضيع التي حظيت بأكبر قدرٍ من الاهتمام في الشريعة الإلهية كما تعكس ذلك النصوص القرآنية والنبويّة.

الاستغفار يعني الإحساس بالخطأ واعتراف الإنسان به أمام نفسه وأمام الله تعالى، وطلب السّتر والعفو، وينطوي على الندامة والعزم على الإقلاع والإصلاح.

هذا النمط من التفاعل مع الذنب يحصّن الإنسان من تجاهل الخطأ والاستمرار به حتى يصل إلى حدود البلادة وعدم الاكتراث الذي يجعله يجترئ على فعل الخطأ والظلم.

الاستغفار ينطوي على العزم على الإصلاح فيكون سبباً لصلاح الذات، والحرص على إصلاح الآخرين عندما يعلم أنّ لذنبه أثرٌ عليهم، والحرصُ على الاستغفار يُكسب الإرادة على الالتزام بالفضائل والقيم، وهو حصيلة لتفاعل الإنسان مع حقيقة الحضور الإلهي فيعطيه فيعطي سريرته مزيداً من الحصانة ضد الوقوع في الذنب.

ومما يشير إلى خطورة المعاصي على الفرد والمجتمع بل على الجنس البشري، قوله تعالى: “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ” [فاطر: 45].

بل في سير الأُمم الهالكة أمثلة على وقوع الهلاك بعد الإصرار على الظلم والضّلال.

وفي ظاهرة من التكامل الوجودي في النظام الإلهي، يقول تعالى:“تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّوَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ”[الشورى: 5].

يشير إلى ارتباط عناصر الكون… تحت مظلّة السلطان الإلهي، إذ كل ما فيه قائم على العبودية لله، فإذا خرج الإنسان عن الساق ـ والله عالم بضعفه ـ فيسد الخلل في الإطار الكوني العام باستغفار الملائكة لهم.

مثل هذه الإشارات الرّبانية النورانية توجه فهم الإنسان إلى خطورة المعاصي في المعايير الرّبانية الحاكمة للكون كوجود متكامل، وترشد الإنسان إلى أهميّة الاستغفار بالمضامين المذكور أعلاه من خلال المنظور ذاته.

لذلك فالله تعالى طلب من عباده أن يستغفروا بل أمرهم بذلك ورغّبهم به ووعدهم بالقبول:

“فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا”[نوح: 6].

“وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا” [النساء: 106].

“وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا” [النساء: 110].

“وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” [الأنعام: 54].

“قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” [الزمر: 53].

حتى تلك التي توجب النار فإنّها تُغفَر لمن يتوب ويصلح “وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا  يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا” [الفرقان: 68 ـ 70].

فالاستغفارُ والتوبة ليس جزاؤها القبول فحسب، بل لها ثواب عظيم، فهي بذاتها حسنة تمحو السيّئة، “إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ” [الفرقان: 70] وهي مدعاةٌ لرحمة الله وعنايته بالعبد التائب “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ” [البقرة: 222].

وفي السُّنَّة عن المعصومين (ع) الكثير من الشواهد التي تظهر أهمية الاستغفار بل وفضله عند الله (عزّ وجل) (1).

والندامة على فعل الخطأ مدعاة للمغفرة، فقد روى أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (ع): «ما من عبدٍ أذنب ذنباً فندم عليه إلّا غفر الله له قبل أن يستغفر، وما من عبدٍ أنعم الله عليه نعمة فعرف أنها من عند الله إلّا غفر الله له من قبل أن يحمد»(1).

ومن خطر الذنوب أنّها كالداء.

فعن أمير المؤمنين علي (ع): «داؤكم الذنوب ودواؤكم الاستغفار وشفاؤكم عدم العودة»(3).

وآثار الاستغفار عظيمة، فضلاً عن المغفرة والنجاة يوم الحساب، بأنّ لها في الحياة الدنيا كثير من البركات.

عن الرسول الأعظم (ص): «من أكثر الاستغفار جعل الله له من كلّ همٍ فرجاً، ومن كلّ ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب»(4).

فالاستغفار ينجي من عذاب الله في الدنيا “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ” [الأنفال: 33].

وفيه نجاة من العقاب الأخروي، فالله تعالى يقول: ” نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ” [الحجر: 49 ـ 50].

ويقول أمير المؤمنين (ع):  «عجبتُ لمن يقنط ومعه الممحاة، قيل: وما الممحاة؟ قال: الاستغفار»(5).

إن فهم المؤمن لهذه الحقيقة وإيمانه بها، يجعله يتخلّص من الألم النفسي الذي تولده الذّنوب. ويمنحه الشعور بالرّاحة النفسية وطهر القلب، ولا يَخفى أثر ذلك على الصحة النفسيّة وعلى السّلوك.

وحسن ظنِّ الإنسان بالله جوهري، إذ بعد أن أمَره بالاستغفار والتوبة وأعطى وعده بالقبول، فهو حتماً لا يخلف وعده، فعن رسول الله (ص): «والله الذي لا إله إلا هو لا يعذِّب الله مؤمناً بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء ظنه بالله وتقصير من رجائه لله وسوء خلقه واغتيابه للمؤمنين».

أخيراً، أرجو من الله تعالى أن أكون قد بحثت معظم جوانب هذا الموضوع الذي يقع في رأس سلّم أولويات الشريعة الإلهية، وأستغفر الله لي ولوالديّ وللمؤمنين.


المصادر:

(1) أمالي الشيخ المفيد، ص 67.

(2) وسائل الشيعة، ج16، ص 62.

(3) جامع الأخبار، 5/55.

(4) بحار الأنوار، ج90، ص 282.

(5) عين الحياة للمجلسي، ج1، ص 310.

إغلاق