الافتتاحية

«لا يكِنْ يومُ صومِك كيوم إفطارك» الإمام الصادق (ع)

209-210

 

بالشوقِ وحرارة الانتظار والتهيّؤ، يستعدّ المسلمون لملاقاة شهر المغفرة والرحمة والرضوان والضيافة والكرامة الالهية، شهر الله تعالى رمضان المبارك. كيف لا وهو الفرصة العزيزة الأثمن، التي تتيح لهم التقرّب أكثر إلى الله سبحانه، والاستجابة لأوامره القدسية، والتطلّع من ثِمَّ إلى نيل جوائزه وفواضله التي أعدّها جلَّ شأنه للصائمين القائمين بحقٍ في هذا الشهر الأفضل. فهو محطة إيمانية مشرقة، يتخفَّف فيها المؤمنون من أثقال ذنوبهم وأوزارهم، ومن أَسْرِ شهوات الدنيا ومغرياتها ومشاغلها ومتاهاتها، التي تحول جميعها دون رؤية جمال الحق ونور العبودية والطاعة لخالق الوجود ومصدر الرحمة، فهو من رأفته بعباده الصائمين المستغفرين يفتح أبواب الجنان ويغلق أبواب النيران ويغلُّ الشياطين في هذا الشهر المبارك، كما جاء في كلام النبي الأكرم (ص)، وماعلى المؤمن الصائم كي يحظى بكرم الضيافة الإلهية في هذا الشهر، إلاّ أن يعمل على إدراك ومعرفة حقيقة وشرائط الصوم المقبول، الذي شرّعه الباري تعالى كركن أساس في منظومة العبادات والتكاليف الالهية الملزمة التي من شأنها إذا ما تمَّ أداؤها جميعاً بالشكل الصحيح، أن تحصّن الإنسان وتصلحه وتسمو به في مدارج الكمال الإنساني، ليصبح بعدها محلاً لتنزُّل الرحمات والفيوضات الالهية في الدنيا والآخرة.

فالمعرفة والثقافة شرطان لازمان لصحّة الأعمال العبادية وقبولها، وهذا يجري حكماً على الصوم، مخافة أن يحرم الصائم أجره وثمرة عنائه، لقلة تبصّره وإدراكه لما يقوم به. فالصوم الحقيقي ليس كما يفهمه ويطبقّه الكثيرون، مجرّد إمتناعٍ عن الأكل والشرب وبعض المفطرات المتعلقة بالجسد طيلة يوم كامل. ولذا يقول النبي (ص): «ما أقلّ الصوم وأكثر الجوع». كما يقول أمير المؤمنين علي (ع): «كم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلاّ العناء»!!. وقد بيّن نبي الرحمة محمد (ص) في خطبته النورانية الرائعة في استقبال شهر رمضان، وكذلك أئمة أهل البيت الأطهار (ع) في أحاديث كثيرة لهم ما ينبغي أن يسلكه الصائم ويفعله، وكل ما يجدر به أن يتحلل منه في هذا الشهر المعظّم. وذلك ما يسمى بالأحكام والآداب والسنن. وقد توفّر الفقهاء الأعلام على تفصيلها وشرحها في مؤلفاتهم القيّمة، فلا يحرم المؤمن نفسه من الرجوع إليها والتماس فوائدها وكنوزها العظيمة.

وإذا كان المؤمنون الطيبون يحرصون ما أمكنهم على التقيّد بأحكام الصوم وآدابه وسننه ويعملون على مراعاة حرمة هذا الشهر المعظم، فإن كثيراً من السلبيات المستجدّة والعادات السيئة والممارسات والاستهدافات المشينة، باتت منتشرة وهي تتمادى من انتهاك حرمته ومكانته وتعكّر صفو وطهر أجوائه الإيمانية. ومن ذلك ما يكثر من مبالغةٍ وإسرافٍ وبذخٍ في تنويع الأطعة والأشربة لدى الأُسر ومن قِبَل الداعين إلى المآدب والإفطارات الرمضانية، حيث ينتهي الكثير منها إلى القمامة بدل أن يصل إلى المحتاجين إليها وهم كُثر جداً مع الأسف. وصولاً إلى شيوع ما بات يُعرف بالسهرات الفنية «الرمضانية» المختلطة التي يكثر فيها الابتذال والمفاسد والمحرّمات. أما الآفة المتعاظمة فهي ما يغزو البيوت خصوصاً في هذا الشهر الفضيل من برامج ومسلسلات تجارية تلفزيونية كثير منها يشتمل على انحرافات عقائدية وسلوكية ومنها ما ينشر أجواء المجون والعبث، ما يعتبر تعدّياً صارخاً على القيم الدينية والكرامة الإنسانية. وهذا ما ينبغي كشفه والتصدّي له ومواجهته، والضغط باتجاه الحدّ منه من قِبَل الجميع، نظراً لخطورته على الأُسر والأجيال.. وما نُشر مؤخراً عن دولة مسلمة كبيرة بأنها أصدرت حديثاً قانوناً يهدف إلى صدّ وتجريم المنتهكين لحرمة شهر رمضان بالخصوص، لهو أمرٌ ينبغي تقديره إذا كان يتّسم بالجدّية والتشجيع على تطبيقه في كل البلدان الإسلامية المتراخية في هذا الشأن.

ومع دعائنا إلى الله جلّ وعلا بأن يتقبّل صيام وطاعات جميع المؤمنين نرجوه سبحانه وتعالى بأن يشمل بتأييده وتوفيقه الرجال المضحّين الذين يواجهون بصلابةٍ وإيمان جماعات البغي والتكفير والهمجية، الذين جرّوا الآلام الكثيرة والمصائب الجمّة على الشعوب والبلدان المسلمة وغيرها.

نور الإسلام
إغلاق