الافتتاحية

الفكر البشري ودوامة الازدواجيات

255-256

بقلم: مرتضى السيد حيدر شرف الدين
أحبتي القرّاء.
نحمد الله ونشكره أن جمعنا مجدداً على صفحات مجلتكم بعد توقّف قسري لعددين ناتج عن الظروف الصحية والمعيشيّة المحدقة بنا جميعاً، سائلين المولى أن يكشف السوء والبلاء ويسدل ثوب العافية والرخاء على جميع المؤمنين إنه سميع مجيب.
رغم كلّ الاستحقاقات التي واجهها المجتمع البشري، والتي كشفت – بما لا يقبل الشك- أنّ الكثير من مسلّمات العالم اليوم تحتاج إلى إعادة نظر، وأنّ المركب -بملّاحيه – يحتاج إلى نظرة استشراف تتجاوز التفكير اليومي الإجرائي الذي تسير على أساسه البشرية، لنرى إلى أي نهاية يقودنا المسار، ونختبر مواطن الخلل فيه وطرق تعديلها قبل فوات الأوان.
وفي نظرة خاطفة إلى أفق المسار تطالعنا منظومة مرتبكة من الازدواجيات التي تجمع بين المتفرّقات وتفرّق بين المجتمِعات وتُظهر الفوضى المنطقية التي يعاني منها العقل الجمعي للقرية الكونية و آثارها الوخيمة على سلامة هذه القرية، وهاكِ جملةً من نقاط الازدواج في النظرة والتي تطالعنا في مواقع مختلفة من رؤى وتدابير العالم الحديث :
١-دراسات لحماية البيئة في جزئيات التلوث اليومية ، مع إطلاق كلّي لآليات الصناعة الفتاكة بالبيئة.
٢-برامج لتأهيل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في ظل فوضى الاجتذاب والتسويق لغمس الأطفال في العوالم الافتراضية ووأد التوافق الاجتماعي للطفل في مهده.
٣-برامج عالمية عالية الكلفة لمكافحة الأمراض المستعصية كالسرطان وأمراض القلب والشرايين، مع التوغل في برامج منظّمة لتطوير العوامل الرئيسية لهذه الأمراض من الأطعمة المعدّلة، إلى تكنولوجيا الاتصالات ، وقبل كل شيء أسلحة الدمار الشامل بكافة أنواعها في الأولى، وفوضى الاستهلاك الغذائي وضبط الساعة البيولوجية والاقتصاد في حركة البدن في الثانية.
٤- إطلاق يد الحريات في الانتاج الإباحي والمحرض على العنف ، وكمّ الأفواه الإرشادية والمناهضة لمسار الانفلات.
٥-فتح الباب على مصراعيه لمنابر الاسلاموفوبيا ودعاة تعميم ثقافة الكراهية للمسلمين، يقابلها تجريم الدراسات التوثيقية المتعلقة بحوادث ذات علاقة بالكيان الصهيوني تحت عنوان معاداة الساميّة.
٦-التضييق على الخيارات الشخصية ذات المنحى الديني كالحجاب وشرعنة التمييز بحقه في قوانين تمنع المحجبات من ارتياد العديد من المرافق العامة كالمدارس، وتحرمهن من العديد من الوظائف، يقابلها قوانين تمنع أدنى نقد لتوجهات الشذوذ الجنسي تحت عنوان احترام حق الاختلاف.
٧-الجرائم التي يرتكبها مجرمون محسوبون على الإسلام تُعتبَر جرائم إرهاب ديني وكراهية وتكفير للآخر، وأما الجرائم المرتكبَة بحق المسلمين فهي حوادث فردية لمرضى نفسيين ولا علاقة لها بثقافة الكراهية والإسلاموفوبيا.
٨-إدانة فرض الوالدَين لخيارات ثقافية وحياتية على الابن، والسماح للمدارس بفرض ثقافتها على الإبن.
٩-إدانة إلزام الأهل للابن باعتناق ديانتهما وعدم قبولهما لاختياره غيرها، في  حين يدان الابن في حال اختياره وجهة نظر مغايرة لما يراد تعميمه في موضوع الهوية الجنسية، أو الحقائق التاريخية المتعلقة باليهود، أو نزاهة البحث الطبي والتكنولوجي.
١٠-تجريم الزواج المبكر (دون ١٨ سنة) على أنه استغلال لقاصر ، وتجريم تدخّل الأهل لمنع علاقة خارج إطار الزواج في نفس السن على أنه تقييد لحرية الابن.
١١-تشريع خيار ( غربلة الحوامل)  وإباحة إجهاض الجنين إذا أظهرت الفحوصات وجود إعاقات عنده وإعطاء الأهل خيار سلبه حق الحياة وتمييزه عن نظرائه السليمين ، في ظل الدعوات المستمرة لدمج ذوي الاحتياجات في المجتمع المدرسي والمهني كنظير مكافئ للآخرين.

والجدير بالذكر أننا لسنا بوارد الدفاع عن كثير من الظواهر المذكورة أو الدعوة لتبديل الموقف منها والسماح بها، لكن المطلوب هو التسوية بين المشهدين طالما أنهما في موقع واحد، وظرف واحد.
ويبقى السؤال : أي حوار يثمر في ظل هذا المنطق؟
وإلى أين سينتهي المسار مع هذه الغفلة الشاملة؟

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ( الأعراف:١٧٩).

إغلاق