أعلام وشخصيات

الشيخ الميرزا كاظم التبريزي (قدّه) الموسوعة المكنونة

209-210

بقلم: السيد ضياء الخباز

 

هو صاحب الطلعة الملائكيّة، سماحة آية الله العظمى، الفقيه المحقّق، والأُصولي المدقّق، والرجالي المتألّق، مثال الزهد والتقى، الشيخ الميرزا كاظم التبريزي (طيّب الله تربته، ورزقنا شفاعته).

كان ميلاده المبارك سنة 1340 من الهجرة النبويّة المباركة، في مدينة تبريز، لوالدين معروفين بالصلاح والتقوى والتديّن، وفي ظلالهما نشأ، فانعكس صلاحهما عليه.

ولمّا اشتدّ عوده التحق بالمدارس النظاميّة في تبريز، فلمعَ نجمه فيها، لشدّة نبوغه وعبقريّته، حتّى أنّه انتخب من قِبل الدولة ليكمل دراسته الأكاديميّة في أوروبا، لولا أنّ أحد علماء تبريز قد اطّلع على ذلك، فقال له: «إنّ من المؤسف جدّاً أن يكون لديك مثل هذا الاستعداد، ولا تستثمره في الاستفادة من علوم أهل البيت (ع)».

وهذا ما جعله ينصرف بكلّهِ نحو الحوزة العلميّة المباركة، فدرسَ المقدّمات في مدينته (تبريز)، وما أسرع أن تفوّقَ وتألّق، حتّى صار زملاؤ وأساتذته يطلقون عليه لقب (الملّا كاظم)، تجليلاً له، وتقديراً لمواهبه الفكريّة.

وبما أنّ (تبريز) لم تكن تشبع نهمه المعرفي؛   لذلك هاجر منها إلى طهران، بعد أن أقام في (زنجان) سنة كاملة، وفي طهران حضر الفلسفة عند عمالقة أساتذتها، كآية الله الشيخ الميرزا مهدي الآشتياني، وآية الله الشيخ محمّد علي الشاه آبادي (قدّس سرهما).

ولكنّ مثل الميرزا التبريزي (قده) ما كانت تتلاءم مع مستوى نبوغه وطموحه إلّا النجف، فقصدها سنة 1361هـ، وألقى عصا ترحاله فيها، فحضر عند أساطين مدرّسيها، كالشيخ موسى الخوانساري، والشيخ محمّد علي الكاظمي (قدس سرّهما) ـ مقرّري أبحاث الشيخ النائيني (قده) ـ والسيّد أبي الحسن الأصفهاني، والشيخ محمّد كاظم الشيرازي، والشيخ محمّد رضا آل ياسين، والسيّد محسن الحكيم، وغيرهم من أساطين الحوزة وعمالقة أساتذتها.

وبعد أن أُجيز بالاجتهاد، بدأ الحضور عند المحقّق الخوئي (قده)، فحضر لديه ثلاث دورات أُصوليّة كاملة، ولازم أبحاثه الفقهيّة، حتّى بلغت مدّة حضوره عنده عشرين عاماً تقريباً.

وإلى جانب حضوره عند هؤلاء الأعلام (قده)، استفاد أيضاً في العلوم المعنويّة من محضر العارفين الكبيرين: الشيخ مرتضى الطالقاني، والسيّد علي القاضي (قدّس سرهما).

وكانت علاقته مع أُستاذه المحقّق الخوئي (قده) من أميز علاقاته مع الأعاظم من أساتذته، فإنّه نتيجة ملازمته له، واطّلاع المحقّق الخوئي على مواهبه العلميّة عن قرب، حاز على ثقة أُستاذه، فأطلق عليه لقب (الميرزا) للتدليل على عظيم منزلته وعلوّ شأنه، وكان يقول عنه: «مَن أراد أن ينظر إلى رجلٍ فقيه أُصولي كلامي فلسفي، فلينظر إلى هذا الرجل»، بل إنّه لعظيم ثقته به قد أوكل إليه كتابه (مناسك الحجّ) على ضوء معرفته بآرائه العلميّة في فِقه الحجّ، والغريبُ في أمر: أنّه قد تمّ طرحُ الاقتراح عليه في يوم الأربعاء، فما جاءَ السبت إلّا وقد جاء بالمناسك لأُستاذه.

كما أنّه (قده) كانَ معتمدَ السيّد الخوئي (قده) في مراجعة بعض التقريرات التي كان يكتبها بعضُ زملائه، وهذا مؤشّر على عمقِ ثقة السيّد الخوئي بكفائته العلميّة، وقوّة استيعابِه لآرائه ومطالبه.

وممّا يؤكد اعتزاز الأُستاذ بتلميذه: أنّ المحقّق الخوئي (قده) لمّا بعث إليه سماحة آية الله السيّد عبد الكريم الأردبيلي (قده) بمائة وسبعين مسألة مرتبطة بفقه القضاء، أيّام كان رئيس السلطة القضائية(1) أحالهُ السيّد الخوئي على الميرزا كاظم في قم المقدّسة.

فلمّا بعثَ السيّد الأردبيلي بأسئلته للميرزا كاظم (قده) أجاب عنها كلّها في مجلس واحد، من غير مراجعة أي مصدر فقهي، فدهش لذلك السيّد الأردبيلي، حيث فُوجئ بطاقةٍ علميّةٍ لم تكن تخطر على ذهنه، فسبحان مَن اختصّه بهذه الموهبة الفريدة.

وفي المقابل كان الميرزا التبريزي (قده) غايةً في الإخلاص لأُستاذه، حيث كان مدّة بقائه في قم المقدّسة لا يقبل شهريّة أحدٍ من المراجع سوى شهريّة أُستاذه الخوئي، احتراماً لمرجعيّته ووفاءً لحقّ أُستذته، كما أنّه رفض التصدّي للمرجعيّة ما دام أُستاذه على قيد الحياة، وبعد وفاته تصدّى لها في دائرة ضيّقة جدّاً، حيث كان عازفاً عنها، وزاهداً فيها، ولولا إلحاح الفضلاء والمؤمنين لما تصدّى لها حتّى في حدود تلك الدائرة؛ إذ أنَّ طبيعته التي نشأَ عليها هي النأي بنفسه عن كلِّ مواطن الظهور.

وعوداً على بدء، فإنّ الميرزا التبريزي (قده) كما لمعَ نجمه في فضاء الحوزة تلميذاً مميّزاً، كذلك تألّق نجمه كأحد أبرز أساتذة السطح العالي في النجف الأشرف، حيث كان درسه مقصداً للمحصّلين من الطلبة، نظراً لما كان يمتاز به من كثرة التتبّع وعمق التحقيق، ويكفيك في تلامذته المراجع الثلاثة المعاصرون: الشيخ الفياض، والشيخ البشير النجفي، والمحقّق الكابلي (أيّدهم الله تعالى).

وقد استمر بقاؤه في النجف الأشرف ـ تلميذاً ومدرساً ـ مدّة ثلاثين عاماً، وفي سنة 1391هـ غادرها إلى قم المقدّسة، وهناك شرعَ بإلقاء الأبحاث العليا، فالتفّ حوله طلابُ العلم وفضلاء الحوزة، يغرفون من نميره العذب ومنهله الصافي، وهو يغذّيهم بتحقيقاته الرشيقة ومعارفه الدقيقة، غيرَ أنّ عارضاً صحّيّاً ألمّ به ـ بعد مرور سبع سنواتٍ من مكثه في قم ـ فأثّر على حركة فكّهِ الشريف، ولمّا لم يجدِ معه شيء من المعالجات، اضطر إلى تعطيل درسه المبارك، فحُرمت الحوزة العلميّة من عطائه الثّرّ، وخسرَ الطلاب بحثاً يعدّ من أنفس الأبحاث وأقواها.

وحتّى لا تنقطع مسيرة الميرزا العلميّة، فإنّه قد استفادَ من ابتلائه هذا بأن جعله منطلقاً لاستكمال مسيرته في الكتابة والتأليف والتحقيق، وقد بارك الله له حركته هذه، فخرجت عن قلمه الشريف عشرات المؤلّفات المهمّة، حتّى أنّ بعض المؤرّخين أحصاها فأنهاها إلى 350 مجلّداً، ولا بأس بالإشارة إلى بعض مؤلّفاته النفيسة:

1 ـ تطبيقات الوسائل. في ثلاثين مجلّداً.

2 ـ القواعد الفقهيّة. في أربعين مجلّداً، وقد بحث فيه عن تسعمائة وخمسين قاعدة فقهيّة، مع بيان مداركها وتطبيقاتها في الفِقه من أوّله إلى آخره(2).

3 ـ شرح العروة الوثقى. في مائة مجلّد، والجدير بالذكر أنَّ كتابه هذا قد عرضه على أُستاذه المحقّق الخوئي، يوم كان في النجف، فبقي عنده شهراً كاملاً، وكان معجباً بمطالبه أيّما إعجاب، حتّى أنّه لشدّة إعجابه به قال للشيخ صدرا البادكوبي ـ الأُستاذ المعروف في حوزة النجف الأشرف ـ: «لستُ أدري من أين يأتي الميرزا كاظم بمطالب كتابه؟!».

4 ـ الرجال. في عشرين مجلّداً.

5 ـ التعليقة على منظومة السبزواري. في عشرة مجلّدات.

6 ـ التعليقة على الرسائل. في أربعين مجلّداً.

وغير ذلك كثير جدّاً، غيرَ أنّ الذي يؤسف له أنّ جميع مؤلّفاته هذه لا زالت مخطوطة لم ترَ النور حتّى يومنا هذا، نسأل الله أن يقيّض لها من يسعى لطباعتها وإخراجها؛ ليستفيد منها عشّاق المعرفة وفضلاء الحوزة العلميّة الشريفة.

وإلى جانب اشتغاله بالتأليف، فإنّه كان له مجلس أُسبوعي صباح كلّ جمعة، يحتشد فيه أفاضل أساتذة الحوزة وطلابها، فيطرحون عليه فيهِ ما استعصى عليهم من المسائل والمعضلات في الفِقه والأُصول والرجال، فيجيب عنها الواحدة تلو الأُخرى، مستحضراً كلّ ما يرتبط بالمسألة من الفروع والنكات، وكأنّه للتوِّ قد قرأها وطالعها، بشكلٍ لا يُعرف له نظير في تاريخ المعاصرين، حتّى المعروفين بقوّة الاستحضار منهم.

وقد تشرفتُ مرّتين بالحضور في هذه الجلسة المباركة، فرأيته (قده) يجلس يالقرب من زاويةٍ من زوايا مجلسه المبارك، وهالةٌ من النور تكسو قسمات وجهه الشريف، فلا يزداد الناظر إلى بهاء وجهه إلّا رهبةً وخشوعاً بين يديه، ويضاعفُ من هيبته اتّزانُ جلسته، وجمالُ بسمته، وهدوءُ نبرات صوته، مهما علت أصوات المستشكلين.

وهكذا قضى حياته بين العلم والعمل، حتّى اختاره الله تعالى إلى دار كرامته في صباح يوم الإثنين، الموافق للثامن عشر من شهر رجب الأَصبّ، سنة ألف وأربعمائة وستّة عشر من الهجرة النبويّة الشريفة، وقد شيّع جثمانه الطاهر إلى مثواه الأخير في يوم الثلاثاء تشييعاً مهيباً جدّاً، شارك فيه مراجع التقليد العظام وعلماء الحوزة الأعلام، فرحمه الله تعإلى رحمة الأبرار، وحشره مع محمّد وآله الأطهار، ورزقنا بشفاعته البراءة من النار(3).

(1) جديرٌ بالذكر أنّ السيّد الأردبيلي هو أحد تلامذة السيّد الخوئي (قده)، الذين يعتقدون به اعتقاداً بالغاً، وقد تحدّث عن ذلك ـ كما جاء في كتاب (الإمام أبو القاسم الخوئي، زعيم الحوزة العلميّة): 170 ـ فقال: «ذهبتُ إلى النجف الأشرف سنة 1366هـ عندما كانت إيران مورداً للهجمات بعد الحرب العالميّة الثانية، وكان النجف يومئذٍ مليئاً بالفضلاء والمجتهدين، منهم: السيّد الحكيم، والسيّد ميرزا أبو طالب الشيرازي، والميرزا آغا الاصطباناتي، والسيّد جمال الدّين الكلبايكاني، وكثير من العلماء العرب والعجم، وكان السيّد الخوئي (قده) يومئذٍ مدرساً في النجف، وكان يعدّ في رأس المدرّسين، وتلمّذتُ عنده في الفِقه والأُصول حوالي السنتين، وكنتُ له تلميذاً خاصّاً، فمن حيث الفقه كان من أكبر علماء الشيعة، ويمكن أن نقول: أكبر علماء العالم الإسلامي من السنّة والشيعة، وكان قد اشتغل مدّة عمره بتمام بحوث الفقه من أوّل الطهارة إلى آخر الديات.

ودرّسَ ستّ دورات ـ أو سبع ـ أُصول الفِقه من الأوّل إلى الآخر، وما كانَ له مثيل في أُصول الفِقه، ويمكن أن نقول: ما كان له مثيل في أُصول الفقه الإسلامي في العصر الحاضر، وهو من أكبر علماء الرجال في عصرنا، وكتبَ كتاباً مبسوطاً في رجال الحديث، ومنشغلاً في علم التفسير، وكان نتيجة انشغاله كتابٌ في مقدّمة التفسير اسمه (البيان).

كان حيّ الذهن، كثير الفهم، قويّ الحافظة، مشتغلاً في المسائل العلميّة أكثر الأوقات من الليل والنهار إلى أُخريات أيّامه، له كثيرٌ من التلاميذ، ما سمعتُ ولا رأيتُ شخصاً في عصرنا أكثر تلاميذ منه، وأكثر اشتغالاً في مباحث الفقه والأصول، وفي البحث إذا تحدّث مع أحد العلماء كانَ من البيّن أنّه مسيطر على الأبحاث الفقهيّة.

وكان (قده) مهذّب الباطن، شديد الحبّ لأهل البيت (ع)، متواضعاً مع تلامذته كواحدٍ منهم، أو كأبيهم في مشيه وتكلّمه وعمله».

(2) سمعتُ من أُستاذي الحجّة الشيخ علي المحسني الخوئي (دام عزّه) قال: سمعتُ مباشرة من الميرزا كاظم التبريزي (قده) بأنّه كتب في القواعد الفقهيَّة سبعمائة وخمسين قاعدة، وقبل وفاته بسنتين تقريباً سمعتُ منه بأنّ عدد القواعد قد بلغ التسعمائة والثلاثين قاعدة، ولا يُدرى هل قواعده تجاوزت العدد المذكور خلال السنتين الأخيرتين من عمره (قدس سره) أم لا؟!

(3) استفدتُ أغلب المعلومات التي ذكرتها عنه (قده) من كتاب (سيناى معرفت، شرح حال عالم وارسته، حضرت آية الله العظمى، ميرزا كاظم تبريزي).

إغلاق