أحيوا أمرنا

«عذراء قريش»

209-210

بقلم: رجاء بيطار

تنحنح مسوّياً في جلسته، ورفع إليّ حاجبيه الكثيفين المتداخلين فوق عينين غائرتين كنجمين بعيدين، … لم أر نظرته ولكني لمحت شعاعها الثاقب وهو يطلق زفرة عميقة ذات أصداء، ويسأل:

ـ …تريدين تاريخاً أم حقيقة؟!

ـ وهل هنالك فرق؟!

…كانت الدهشة بادية في نبراتي، ولكنه لم يتوقف إلا لحظة ليتابع، شارداً في البعيد، كأنما يستقرئ الماضي ويخترق سجوفه:

ـ كل الفرق، فالتاريخ كتبته أقلام قد تخطئ وقد تصيب، واستعبد بعض أعلامه طغاة السلاطين، فصار يجري بما تشاء أهواؤهم، ولا يدوّن إلا ما وافق أحلامهم، … ولولا ثقاتٍ شرّحوه وحلّلوه وميّزوا سمينه من غثّه، لما كان التاريخ سجلاً لما حدث، بل لما أرادوا له الحدوث.

ـ إذاً مرادي الحقيقة لا غير!

…اتّسعت بسمته، ولاحت خطوط الزمن محفورة بوضوح فوق جبهته وشفتيه، وقبض على لحيته البيضاء بيده وهو ينطق بإصرار:

ـ هي عذراء قريش!

ـ عذراء؟! … ولكن التاريخ أخبرنا بزواجها مرتين قبله، وإنجابها ولدين من سواه!

…لم أدرك أنني قلت أكثر مما ينبغي إلا حينما انتفض هاتفاً:

ـ التاريخ مجدداً؟! … هاكِ كتبه مرصوفة فوق الرفوف، وهاكِ رجاله مرصوفين فوق المنابر، فلماذا أتيت إليّ؟

لاحقني الندم، وتذكرت نبي الله موسى (ع)، والعبد الصالح، فسارعت أقول برجاء:

_ إن عارضتك بشيء بعدها فأنت في حلٍّ مني، ولكن أجبني الآن أرجوك!

لم يكن ينتظر اعتذاري، فهو قد عاد إلى جلسته السابقة، ونظرته وبسمته، وتابع البوح:

ـ عذراء قريش! … أجل، رغم كل ما قاله التاريخ، نعلم إنها ضحية من ضحايا أقاويله الجائرة، … كلا، لم يكن لينتقص منها في نظرنا زواجها قبله لو كانت فعلت، فهي سيدة قومها، وتاج من تيجان مكة التي تكللت بها في تلك الحقبة من السنين، ولكن أسانيد الحديث ضعيفة، وقد قبلها البعض بغير تمحيص، ولم يتوقف عندها، رغم أن المنطق  توقف،…أتتزوج ذات الحسب والنسب والجاه العريض، بنت شريف قريش وعظيمها، من أول لم يذكره تاريخ الرجال، وثانٍ مغمورٍ لم يعرفه العرب في أنسابهم، ومع هذا لا يذكر أحد أن نساء قريش هجرنها، ثم تتزوج من أشرف شرفائهم، «الصادق الأمين»، فيقاطعنها ويتباعدن عن مجلسها العامر، فقط لأنه يتيم وفقير؟… إنه أمر في حساب العقل وعرف العرب مرفوض، فالنسب كان عندهم هو أساس الشرف، فضلاً عن سمو الخلق والحسب الكريم الذي ازدان به محمد!

ـ إذاً؟!

ـ هي عذراء، مثيلة مريم بنت عمران، … تربت في حجر الطهارة والعلم والأدب، والدها خويلد بن أسد، من علية قريش وكبرائها وأثريائها، وأمها فاطمة بنت زائدة، من فاضلات النساء، كانا على دين الحنيفية، دين إبراهيم الخليل ع… جدها الخامس لأبيها هو قصي بن كلاب، جد النبي نفسه، إذاً فهما تلاقيا في الحسب الطاهر هناك، ثم التقيا هاهنا!

وأشار بإصبع كمرساة التاريخ وهو يقرر ويزيد:

ـ وأكثر من هذا، لقد جاء في الحديث أن المعصوم لا تلده إلا عذراء، فهل كانت فاطمة الزهراء ع أقل شأناً من أولادها المعصومين، وهي أمهم وسيدة نساء العالمين، ومن لا يختلف في عصمتها الواجبة عندنا اثنان؟! … كلا وحاشا!

التقط أنفاسه وهو يصمت لحظاتٍ ثم يتابع:

ـ لم تكن قد جاوزت العشرين، غادة مكتملة الأوصاف، جمال ومال وكمال، وعقل وطيب خصال، يتيمة الأب بعدما استشهد أبوها خويلد في حرب الفجار دفاعاً عن مكة والحجر الأسود، وليس غريباً أن يكون لابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد دور في نصحها وإرشادها، فهو كان شيخاً كبيراً وكانت تدعوه بلفظة «عم ورقة» احتراماً لسنه وعلمه، بعدما كان من علماء العرب، حنيفياً كإياها، ثم تحول إلى نصراني موحد، يكتب الإنجيل الصحيح بالعربية، حتى أصابه العمى، … إن ورقة هذا هو الذي أوحى إلى خديجة بانتظار محمد!

ـ أقد انتظرته؟!

ـ نعم، وامتنعت عن قبول الخاطبين من وجهاء قريش وغيرها، فقد أشار عليها الصالح ورقة، بأن تنتظر «ذا الغمام»، فهو من يليق بها حقاً، … لقد انتظرته حتى كادت تتجاوز العشرين، وكانت في كل يوم تزداد علماً وفهماً وعقلا، وتزداد طهارة،  فحق للعرب أن يدعوها بـ«الطاهرة»!

تبسّم وهو يهز رأسه ويتابع:

ـ دليل آخر على افتراء التاريخ، فلماذا يُعنى أهل الجاهلية بإطلاق صفة الطهارة على امرأة أربعينية تزوجت مرتين وأنجبت على حد افترائهم مرتين؟!… كلا، بل هي صنو مريم، امتنعت عن الزواج وتحصنت بعفتها وكرم أخلاقها، وهم لم يتعودوا من عفيفة أن لا تتزوج، وبين ظهرانيهم من كانت تنصب راية حمراء فيقصدها ذوو المطامع والشهوات، ومن هنا كان اللقب…. نعم، فـ«الطاهرة» كانت تنتظر «الصادق»، من هو أهل ليتوّج طهارتها بأمانته، وعفتها بسمو نفسه الزكية، واعتصامها عن الرذائل بعصمته التكوينية!

…صمت لحظات يلتقط أنفاسه، فسارعت أتعجل الحديث:

ـ وكيف التقيا؟!… أحقاً خرج بتجارتها إلى الشام مع غلامها ميسرة، فحدث ما حدث مع الراهب، ونقل لها ميسرة الحديث، فأسرّت له حباً وإعجاباً و…

ـ لا تتعجلي يا ابنتي، فخديجة الطاهرة لم تكن غرّة ولا طائشة، بل كانت ترصد أبواب السماء لتنفتح عن كوكب دري يشرق على روحها العابقة بالحنين، ولقد وصلها شعاعه قبل أن يصل، … كانت أخبار محمد تصلها قبل وبعد استلامه تجارتها، فقد كان لها مجلس علم تستمع فيه لخير الكلام فتختار أجوده، ولما تأكد عندها خبر محمد عبر غلامها المخلص، علمت أن انتظارها قد أتى أكله، وأن «ذا الغمام»هو بغيتها من الدنيا، ومن الآخرة أيضا.

ـ وهل حقاً أنها خطبته لنفسها؟!… أمر نستنكره الآن، فكيف قبله العرب حينها؟!

ـ «الطاهرة»، ما كانت لتخطب لنفسها، ولو أسرّت ما أسرّت من حب طاهر لشخصه العظيم، فالحياء يمنعها، ولكنها أيضاً ما كانت لتضيع الفرصة بعدما استشارت الصالح ورقة فاشار عليها بان ما نقله ميسرة هو دليل نبوة محمد، فأرسلت له صديقتها، نفيسة بنت منية، لتدخل عليه فتوحي له بما أرادته من خير، ولا أظن إلا بان الله (عزّ وجل) هو من أوحى، فسيد الخلق لا ينطق عن الهوى، ولا يعمل إلا بما يلهمه به المولى جل وعلا، قبل وبعد أن بعث بالنبوة! … وهكذا كان، فقد أرسل محمد عمه ومربيه أبا طالب مع جماعة من قريش، فخطب خديجة من ابن عمها ورقة، وكان الزواج الميمون.

… كانت النجوم تلمع فوق رأسي، شعرت بأنها تحتفل بالذكرى، ولكن الأسئلة الكثيرة لم تمهلني، كانت بين فكري ولساني تتتابع وتترى:

ـ وثمار ذاك الزواج المبارك، خمسة أولاد!

تضاحك بقهر واختفى تألق وجهه وهو يرد:

ـ شبهة أخرى، خطأها وارد فيها، ومفضوح، … يقولون امرأة في سن الأربعين، أنجبت خمسة أولاد، رقية وزينب والقاسم والطاهر وفاطمة!… كيف هذا؟! … محمد بن عبد الله تزوج خديجة وهو ابن خمس وعشرين، وبُعث في الأربعين، أي بعد خمسة عشر عاماً، وفاطمة ولدت بعد البعثة بخمس سنين، فكم كان عمر خديجة يومها؟ … ستون؟!… امرأة في الستين تلد؟! … كان الأحرى بها أن تكون معجزة جديدة فيذكرها الله (عزّ وجل) في محكم كتابه، كما ذكر سارة زوج إبراهيم، وأليصابات زوج زكريا!

… أما رقية وزينب وأم كلثوم، ففي التاريخ ما يؤكد أنهنّ كنّ ربائب الرسول لا بناته، أنهما بنات هالة بنت خويلد، أخت خديجة، توفيت أمهن فتكفلتهن خالتهن وزوجها النبي الأمين.

ـ إن كان للتاريخ عذر في تلفيق عمر السيدة الطاهرة وشأن زواجهان لحط شأنها ورفع غيرها، وهو ما لم ولن يتم، فما عذره هنا؟

ـ لكي يرفعوا شأن من تزوج الأختين، رقية وأم كلثوم فيصبح «ذا النورين»، أما علي زوج فاطمة فهو عندهم ذو نور واحد، بئس ما افتروا، فعلي وفاطمة، نور اقترن بالنور، ففاضت منهما الأنوار، ولا يختلط الأمر على ذي لب ورشاد، يقرأ التاريخ ويمحصه ويعرف كيف يستخرج الحق من عمقه الدفين.

… صمت طويلا، كان غارقاً في ذلك الأفق البعيد، … لم أكتفِ بما سمعت، ولم أرتوِ مما نهلت، ولكني تركته، وللحديث بقية، واستأذنت وقد علمت بأنني سأعود بعد حين.

إغلاق