عقيدة

الرجعة : ضرورة إعتقادية

209-210

بقلم: السيد حسان الحسيني

 

كلّ عقيدة يحملها أيّ شخص في عقله وذهنه فإنّها تكوِّن هويته التي يواجه بها محيطه ومجتمعه، وبالتالي لا يخلو إنسان على وجه البسيطة ومن اعتقاد معيّن، واختلاف الناس فيما يعتقدون دليلٌ واضحٌ على ذلك. ومناشئ هذا الاختلاف متعددة. منها العناد ومنها الوراثة وغير ذلك، فمنهم من آمن بوجود خالق ومنهم من جحد وجوده وكلا الصنفين يصدق عليه صفة «المؤمن».

وأما الكلام في الرجعة فهو من مفردات الدين لأنها أمر لا يستطيع العقل البشري أن يدركه بالاستقلال عن وحي السماء وذلك لخصوصيات تتميز بها هذه العقيدة والتي سنذكرها خلال هذا البحث المختصر.

إنَّ طرح هذا النوع من العقائد يحتاج إلى بعض المقدمات التي تسمح للقارئ أن يكون على بينة تخرجه من الشك إلى اليقين. وهذا البحث بداية سيعالج نقاطاً ثلاث هي:

1 ـ ما هي الأسباب التي منعت من الكتابة بشكل مسهب عن الرجعة.

2 ـ هل هناك مانع عقلي من وقوع الرجعة؟؟

3 ـ هل هذه العقيدة انفرد بها أتباع مذهب أهل البيت (ع) أم أنّها عقيدة يعتقد بها غير المسلمين؟؟

سبب قلة الجهود في بحث الرجعة:

إنّ المتتبع لكلمات علماء الإمامية يجد أنّهم يعتبرون الاعتقاد بالرجعة هو ضرورة إيمانية ومن ضرورات المذهب بحيث من ينكرها جحوداً فهو خارج عن مذهب التشيع وذلك لكثرة ورود الروايات من أهل البيت (ع) التي بلغت حدّ التواتر بحيث لا يمكن إنكارها ويمكن تلخيص قلة جهود العلماء في بحثهم للرجعة بعدة أسباب:

أ ـ إن كثيراً من جهود العلماء قد استنزفت من خلال الدفاع والحوار الجدلي مع باقي الأديان والفرق حيث لم يصل مستوى الحوار إلى درجة تسمح لعلماء الإمامية ببحث الرجعة مع باقي الفرق لتواضع المستوى الفكري عند الطرف الآخر.

ب ـ الصعوبة التي تعترض الباحث حول الرجعة وذلك خاصة بعض النفاصيل مما يجعل الطريق وعرة وصعبة.

جـ ـ لم يعمل العلماء على جمع روايات الرجعة وتبويبها في مؤلِّف محدد خاصة القدماء منهم مما يؤدي إلى صعوبة في تكوين نظرة.

د ـ إن موضوع الرجعة كعقيدة قد استصعب فهمه كثير من أتباع المذاهب الأخرى والأديان حتى أنهم خلطوا بين الرجعة والتناسخ، والتباين بينهما واضح بالإضافة إلى الخلط بين مباحث الرجعة والمعاد حيث يصعب على الكثيرين التفكيك بينهما، لذا أحجم علماء المذهب الشيعي عن الدخول في العديد من المباحث المتعلقة بالرجعة.

هـ ـ على الرغم من كون الرجعة في المسائل الاعتقادية إلا أنها تحمل طابعاً سياسياً لأنها ترمز إلى دولة محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم) وبالتالي فهذا يشكّل تهديداً للأنظمة السياسية خاصة الدولة العباسية وما بعدها. فالرجعة تحمل في طياتها مشروع إقامة دولة.

هل الرجعة ممتنعة عقلاً؟؟

إن إثبات أي عقيدة لا بدّ وأن يكون نتيجة لدليل عقلي متين لا يقبل النقض حينئذٍ تثبت ويجب الاعتقاد بها، ذلك أن كل مفردة عقدية تحوي معانٍ وأبعاد تزيد من إيمان الإنسان وتكشف عن عظمة الخالق وفي بعض الأحيان تكشف عن مقامات المعصومين من الأنبياء والأئمة (ع).

إذن حتى نثبت أي معتقد لا بد أولاً أن لا يخالف الدليل العقلي القطعي أو أي أمر متواتر عند المسلمين. فالرجعة تعني رجوع بعض الأموات إلى عالم الدنيا للقيام بدور معيَّن، ومن الطبيعي أنَّ هذا الأمر ليس مألوفاً عند الناس حيث المركوز في الأذهان أن الموتى يستحيل رجوعهم إلى الدنيا قبل قيام الساعة.

إلَّا أنَّ الواقع خلاف ذلك.

أولاً: لأن رجوع الأموات إلى الحياة مرة ثانية ليس أمراً مستحيلاً، أي أن العقل لا يمنع من ذلك، إلا أن الناس لم تألف هذا الأمر.

ثانياً: هناك قاعدة عند أهل المعقول مفادها: «دليل الإمكان الوقوع».

أي أن أوضح دليل على تحقق أي أمر هو وجوده في عالم الخارج أي عالم الإثبات. فالقرآن الكريم ينطق بالعديد من الحالات السابقة حيث نجد بعضهم قد أماته الله تعالى ثم أحياه، فوقوع هذه الظاهرة في الخارج يدل على إمكانها، دون تقيُّدها بزمن معيَّن، فإن وقعت فيما سبق فلا مانع من وقوعها مستقبلاً. بل إن الاعتقاد بها يكشف عن القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء. وبالتالي بناء على إجماع علماء الإمامية وعدم وجود أي مانع عقلي بالإضافة إلى الآيات القرآنية فإن الرجعة ثابتة بلا تردد أو ريب.

ذكر أقوال علماء الشيعة في الرجعة:

لقد ذكر فيما سبق أن القول بالرجعة قد اجتمعت عليه علماء الشيعة الإمامية ولا بأس بذكر بعضٍ من أقوالهم (رحمهم الله):

أ ـ الشيخ الصدوق:

قال الشيخ الصدوق (قده) في كتابه «صفات الشيعة» باب الرجعة، «إنَّ من أقرَّ بستة أشياء وهو مؤمن ومنها الإيمان بالرجعة»(1).

ب ـ الشيخ المفيد (قده):

قال الشيخ المفيد في الإجابة على آية:“إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ”[غافر: 51]، فقال: «وقد قالت الإمامية: «إنّ الله تعالى ينجز الوعد بالنصر للأولياء قبل الآخرة عند قيام القائم والكرَّة التي وعد بها المؤمنين في العاقبة»(2).

ج ـ السيد المرتضى (قده):

يقول السيد المرتضى: «ولا يخالف في صحة رجعة الأموات إلَّا ملحد أو خارج عن أقوال أهل التوحيد»(3).

د ـ الطبرسي (قده):

وأيضاً يشير إلى الرجعة الشيخ الطبرسي في تفسيره «مجمع البيان» في تفسير قوله تعالى:“وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ ” [النمل: 82].

ولأنَّ الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل عليها، وإنَّما المعوّل في ذلك على إجماع الشيعة الإمامية وإن كانت الأخبار تعضده وتؤيده»(4).

هذه نبذة قليلة جداً من أقوال بعض العلماء التي تدل على أهمية الاعتقاد بالرجعة عند الشيعة الإمامية.

الآيات القرآنية الظاهرة بالرجعة:

وسوف نورد بعض الآيات التي تشير إلى الرجعة وبالتالي تكون دليلاً على وقوعها:

قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّه يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللّه أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِي قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ * قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللّه لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الاَْرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ * وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَرَأْتُمْ فِيهَا وَاللّه مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللّه الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[” [البقرة: 67 ـ 73].

لقد ذكر المفسرون من أهل السُّنَّة والشيعة أن موسى (ع) بعد ذبح البقرة ضرب القتيل ببعضها فأحياه بإذن الله تعالى وأخبرهم عمّن قتله. فهذه الآية تدل دلالة واضحة على رجوع الأموات إلى عالم الدنيا.

وقال تعالى: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ” [البقرة: 243].

فذكر الله تعالى هذه الحادثة متعدياً عن الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فأماتهم ثم أحياهم. وقد ورد في الخبر عن الإمام الباقر (ع) حيث سأله حمران بن أعين عن هؤلاء القوم الذين قال لهم الله موتوا، ثم أحياهم فقال (ع): «أحياهم حين نظر الناس إليهم ثم أماتهم أم ردّهم إلى الدنيا حتى سكنوا الدور وأكلوا الطعام؟ قال (ع): لا بل ردهم الله حتى سكنوا الدور وأكلوا الطعام ونكحوا النساء، ومكثوا بذلك ما شاء الله، ثم ماتوا بآجالهم»(5).

لقد أوردنا آيتين تفيدان وقوع موت الناس ورجوعهم إلى الدنيا وذلك من أجل أن نقرِّب إلى الذهن إمكانية وقوع هذا الأمر، وإلا فهناك ما يزيد عن عشر آيات تفيد هذا المعنى. فتحصّل بالنتيجة أن الرجعة لا يوجد أي مانع من تحققها.

هل إعتقاد الشيعة أمر مختص عند الشيعة؟

يبدو أن هذا الاعتقاد ليس محصوراً عند الشيعة الإمامية وإن كان في الواقع أنهم هم مَن يظهرون الاعتقاد به بشكل واضح، ولكن لو اطلعنا على كتب الفرق الإسلامية لوجدنا أنها تنقل العديد من الأخبار والروايات التي تتوافق مع روايات الشيعة عن الرجعة وإن لم تعنون بعنوان الرجعة.

فالقرآن الكريم حجة عند كل المسلمين، ويضم العديد من الآيات الكريمة التي تشير إلى الرجعة. أما ما رواه أهل العامة في كتب الحديث في باب الفتن وأشراط الساعة، وخروج الآيات، ودابة الأرض، وباب ملاحم آخر الزمان فإن معظمها روايات في الرجعة وفصولها إلَّا أنها لم تتضمن لفظة «الرجعة». وبالتالي فإن الباحث المتدبر يلاحظ ذلك مع إقامة المقارنة. وتفصيل هذا الأمر يحتاج إلى مجلد.

وقد وردت بعض النصوص في التوراة والإنجيل يُفهم منها معنى الرجعة وهذا ما أشارت إليه بعض الروايات.

ـ العهد القديم:

أشعيا (10/1 ـ 13): «ويفرخ برعم من جذع يسى، وينبت غصن من جذوره، ويستقى عليه روح الرب، وروح الحكمة والفطنة، روح المشورة والقوة، روح معرفة الرب ومخافته. وتكون مسرته في تقوى الرب، ولا يقضي بحسب ما تشهده عيناه، ولا يحكم بمقتضى ما نسمع أدناه، إنما يقضي بعدل المساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض، ويعاقب الأرض بقضيب نعمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه، لأنه سيرتدي البر ويتمنطق بالأمانة…».

ـ العهد الجديد:

الرؤيا (19/ 11 ـ 16): «ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أميناً وصادقاً وبالعدل يحكم ويحارب، وعيناه كلهيب نار وعلى رأسه تيجان كثيرة وله اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلا هو. وهو متسربل بثوبٍ مغموسٍ بدمٍ ويدعى اسمه (كلمة الله). والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض لابسين بزاً أبيض ونقياً. ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأُمم وهو سيرعاهم بعصاً من حديدٍ وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شيء، وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب: «ملك الملوك ورب الأرباب».

فيبدو من خلال ظواهر هذه النصوص أن العدل سيكون في الرجعة وليس يوم القيامة أي أن دولة العدل ستقام في الدنيا قبل الآخرة. وبالتالي يمكن أن نستنتج أن القول بالرجعة ليس محصوراً بالشيعة بل حتى عند غيرهم وإن لم تكن معنونة بهذا العنوان إلا أن الآثار والتفاصيل الواقعة متشابهة. وتتمة البحث لاحقاً إن شاء الله.


المصادر:

(1) صفات الشيعة: ص 29.

(2) الفصول المختارة/المسائل العكبرية/ص 47.

(3) رسائل السيد المرتضى: ج3/ ص 135.

(4) تفسير مجمع البيان ج7/406.

(5) مجمع البيان في تفسير القرآن ج2/ص271، ورواه البحراني في البرهان ج1 ص233.

إغلاق