قضية ورأي

أسس النزاهة: قراءة في وصية للإمام الحسين (ع)

257-258

السيد محمد صادق الخرسان ـــ النجف الأشرف

روي عن الإمام الحسين (ع) أنه قال: (يا أيها الناس نافسوا في المكارم(1) وسارعوا في المغانم(2) ولا تحتسبوا(3) بمعروف لم تعجلوا وأكسبوا الحمد بالنجح(4)، ولا تكتسبوا بالمطل(5) ذماً، فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة(6) له، رأى أنه لا يقوم بشكرها، فالله له بمكافأته، فإنه أجزل عطاءاً وأعظم أجراً، وأعلموا أن حوائج الناس إليكم من نِعَمِ الله عليكم فلا تملوا النعم فتحور(7) نقماً، واعلموا أن المعروف مكسب حمداً ومعقب أجراً، فلو رأيتم المعروف رجلاً لرأيتموه حسناً جميلاً يسر الناظرين، ويفوق العالمين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجاً قبيحاً مشوهاً، تنفر منه القلوب وتغض دونه الأبصار) إلى أن قال (ع): (ومن أراد الله تبارك وتعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته وصرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه، ومن نفّس كربة(8) مؤمن، فرج الله تعالى عنه كرب الدنيا والآخرة، من أحسن، أحسن الله إليه، والله يحب المحسنين)(8) .

وقد عقب الإربلي على ذلك بقوله: (قلت هذا الفصل من كلامه (ع) وإن كان دال على فصاحته ومبينا عن بلاغته فإنه دال على كرمه وسماحته وجوده وهيبته مخبر عن شرف أخلاقه وسيرته وحسن نيته وسريرته شاهد بعفوه وحلمه وطريقته فإن الفصل قد جمع مكارم الأخلاق لكل صفة من صفات الخير فيها نصيب واشتمل على مناقب عجيبة وما اجتماعها في مثله بعجيب(10).

حقاً قد اشتملت هذه المقاطع التسعة من كلامه عليه السلام على مجموعة أمور مهمة جداً في حياة الفرد، وفي تدوير الزوايا لصالح المجتمع لتحدث فيه قابلية العمل على التغيير الذي يسهم في رسم صورة واضحة المعالم  عن خصائصه، فتعكس مقوماته وتكشف عن عناصر قوته، وعندها يرجى له الخير والتقدم ومنه الإبداع وفيه الرخاء، لتكون هذه الوصايا التسع بمثابة لائحة قانونية تعنى بتنظيم قواعد التعامل بين طبقات المجتمع الواحد على صعيد العلاقات الداخلية الخاصة والعامة، كما تمهِّد لإقامة أفضل العلاقات الخارجية مع سائر المجتمعات الأخرى بما تقتضي أصول التعامل لإنساني بين الأمم، أو ما تلزم به معاهدات السلام بين الشعوب، أو (بروتوكولات) واتفاقيات حسن الجوار مع الدول المجاورة، فتعبّر عن احترام متبادل على أساس المشتركات، ليحل الاستقرار ويعم السلام عالمياً، ويستغنى عن الحروب كوسيلة دفاع، ويستعاض عن وسائل تأمين الحماية العسكرية والنووية والاقتصادية، بما يحقق الاستقرار والسلام عبر قنوات جديدة، تدعو إلى:

1 ــ المباراة في تحقيق ما يشرف به الإنسان من المكارم ــ معنوياً ــ.

2 ــ المسارعة في تحقيق ما يفوز به من المغانم ــ مادياً ــ.

3 ــ الاعتماد على  المنجزات دون الأماني والأحلام.

4 ــ تحصيل الثناء برفع مستوى الانتاج، والابتعاد عن التسويف.

5 ــ ترشيد مواقع المسؤولية وأنها محاسب عليها.

6 ــ ترسيخ المعروف كقيمة كبرى فهي وسيلة دعاية في الدنيا ورصيد حسنات في الآخرة.

7 ــ تنشيط العامل المعنوي مؤثر في فلترة المشكلات.

8 ــ العمل على حل مشكلة المؤمن، نافع في إزاحة مشكلات شخصية متعددة في الدنيا والآخرة.

9 ــ مبادلة الاحسان بمثله، والله يحب المحسنين.

وفي اعتماد هذه الآلية الجديدة للتعامل مع الآخرين، مكاسب وفوائد تعود بالنفع على الجميع، ليتحسن أداء الفرد بلا رقابة مكتب المفتش العام، وبلا حاجة إلى أجهزة المراقبة والتحري، بعدما يتيقن الإنسان أن موقعه الحياتي سواء في المدرسة أو الجامعة أو الجامع أو المصنع أو المزرعة أو المستشفى أو دوائر العمل الأخر، هو موقع تكليف وليس دائماً للتشريف؛ لأنه نعمة من الله تعالى، فلا بد له من شكرها، والا لتحولت إلى من يشكرها، فتترك فراغاً يستشعر من خلاله جاحد النعمة بألم الفراق بعدما أولاه الله تعالى تلك النعمة ولم يتعامل معها بما يليق حتى نفرت منه وهو غير قادر على ردها.

قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع): (أحذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود)(11). وقد بيّن (ع) أن المعروف واللؤم من صفات الإنسان، فلا بد أن يحسن اختيار ما يتصف به؛ فيمكنه أن يكون إيجابياً ليكسب تقدير الناس وثناءهم، وهو ما يظهر أحياناً بصورة كتب الشكر وشهادات التقدير وتقديم الحوافز، كما يكون له عند الله تعالى الأجر والثواب، وهو ما ينفعه يوم لا ينفع مال ولا بنون،“وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا” (الفرقان27-29﴾

وإن في المقارنة بين المعروف واللؤم وتنظيرهما برجلين متضادين شكلاً ومضموناً، حرصاً واضحاً منه (ع) على ترسيخ قيم المعروف والترغيب إليه باعتبار أنه (كل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه)(12)، فيستطيع كل أحد أن يكون كالرجل الحسن الجميل الذي يسر الناظرين بفعله، ويفوق العالمين بإقدامه، أو يكون كالرجل القبيح المشوه الذي تنفر منه القلوب، وتغض دونه الأبصار، ويتجلى أثر هذا التمثيل باعتباره تحذيراً من التورط في المخالفة، فيعكس لنا جانباً من جوانب الامتنان الإلهي المتمثل بإرشادات المعصومين (ع) استباقاً للحدث وحفظاً من الوقوع في مطباته، على خلاف بعض التشريعات الوضعية التي تمارس التقنين من موقع الحاجة والافتقار وليس من موقع الغنى والترفع، فيترصد مطبقو القانون مواطنيهم يحصون عليهم زلاتهم، من دون سابق إنذار، بل قد يكون المطلوب تحصيل واردات المخالفة بما لا يتلاءم مع التنبيه والإعذار، بينما نجده (ع) في هذا المقطع من الخطبة مستعملاً لفعل الأمر (اعلموا)؛ ليؤكد للمخاطبين أهمية ما سيلقيه؛ فيؤمن أنتباهم وحسن إصغائهم؛ وصولاً لتطبيقهم وأمتثالهم لما يوصيهم به.

كما أنه (ع) استخدم أسلوب التمثيل، لتقريب الصورة وتوضيح الفكرة؛ استعداداً للتمازج معها، والإقدام على تطبيقها، فقد استخدم التمثيل برجلين كوسيلة إيضاح نافعة لمختلف المستويات، وبدون حاجة إلى تعزيز بالشواهد والصور، بل من شأنه التشويق إلى فعل المعروف، من خلال تنمية الطاقات واستثمارها، وفي مختلف المجالات الحياتية، ليكثر الإنتاج ويعم الاستقرار الإقتصادي الممهد للإستقرار الأمني، والمنتج للإستقرار الاجتماعي، فيتخفف المجتمع من الفوارق الطبقية ــ ومخالفاتها السلبية في النفوس ما يدفع بالبعض نحو ارتكاب الجرائم أو المخالفات ــ ويرجى عندئذ تحقق أمنيات هذا وطموحات ذاك فتتوازن الكفتان، مما يشيع أجواء الأمل ويبعث على التفاؤل، فتتوافر في المجتمع منابع الخير وتلوح منها بشائر الازدهار في الأفق.

وبهذا يكون (ع) قد رسم صورة واضحة المعالم للشخصية المسلمة، بعيداً عما يلوثها ويخدش نقاءها، كاللؤم باعتباره الخلق الرديء متمثلاً بالإنسان (الشحيح المهين النفس)(13)، أو (الدنيء الأصل الشحيح النفس)(14).

وعليه فقد تضمنت دعوته (ع) هذه إلى المعروف استهدام آليتين منفصلتين وبأسلوبين مختلفين، أحدهما بعقد ايجابي عبر ما سبق، والأسلوب الآخر بعقد سلبي يتمثل في إبراز أن اللؤم منقصة على صاحبه وهوانٌ له يتعجله في الدنيا، فهو كرجل سمج (لا ملاحة فيه)(15)، قبيح لا حسن لديه، مشوه فلا تنفع معه محاولات التجميل، بل تنفر منه القلوب؛ لسوء مخبره، كما تغض دونه الأبصار؛ لقبح منظره.

وبهذا يكون (ع) قد أعتمد وصفاً دقيقاً لمن لا يصنع المعروف، تنفيراً له ومنه، وتخويفاً من سوء عاقبته، وهذا ما يصلح كإسعافات أولية للمصاب بالتقاعس عن صنع المعروف، والتلكؤ في الإنجاز، والمساومة بمال أو غيره، لكي يتحفز إلى السعي في إعانه الآخرين وعدم استغلال حاجتهم وعدم توظيف أزماتهم من أجل منافع مؤقتة، فيكون (ع) بهذا قد أشاع ثقافة صنع المعروف وأوجد أجواءً مناسبة لتعميم الإحسان كمفردة ذات قيمة عالية، بما يؤكد مفهوم المعروف وتربية الأجيال على تلقيه والتفاعل معه، كآصرة شديدة التماسك، من دون توقع الشكر والثناء على تلك المواقف؛ فإنه لو لم يشكرها له المخلوق فسيشكرها الله تعالى؛ فهو أقدر على مكافأته؛ فإنه أجزل عطاءاً وأعظم أجراً، ومن أحسن، أحسن الله إليه، والله يحب المحسنين. وقال رسول الله (ص): (اصطنع الخير إلى من هو أهله وإلى من هو غير أهله فإن لم تصب من هو أهله فأنت أهله(16)؛ وبهذا تتخفف الأمة من مشاعر التأفف والضغينة وآلام الماضي، فضلاً عن الحد من ظاهرة الابتزاز وتقاضي العمولات على إنجاز المعاملات أو تسهيلها أو أخذ الرشوة في دوائر القضاء والحكم، لاستشعار الجميع قدسيَّة العمل، الأمر الذي يسجل القيم الذاتية للأشياء فإن لها حسناً وقبحاً ذاتيين، حتى أن المشرع المقدس قد أكد ذلك ضمن لوائح أوامره ونواهيه، ولم يؤسسها هو؛ بعدما كان دوره في هذه الذاتيات كمرشد لقيمها الذاتية من دون أن يحدث فيها ذلك.

…. فقه النزاهة …

إن من المعلوم ترتب عدة من الأحكام الفقهية على موضوع النزاهة وأضدادها من أنواع المخالفات وأصناف الفساد الذي تعددت مناشئُهُ وتنوعت أشكاله، ولكن سببه واحد، هو ضعف الإرادة وانحسار النزاهة. ومن الطبيعي أن تكون المخالفة مسببة عن ضائقة مالية، أو سوء ادارة، وهو ما يعرض صاحبه للتجريم القانوني؛ حيث تكون جرائم الشركات أو الجرائم الاقتصادية عبارة عن انحرافات مالية أو ادارية ارتكبت عن طريق كيان تجاري له شخصية قانونية مستقلة من أشخاص طبيعيين يقومون بإدارة أنشطتهاـ أو من قبل أفراد بالإنابة، فيخالفون القواعد والأحكام المالية التي تنظم سير العمل الإداري والمالي في المؤسسات. وقد يكون سبب المخالفة، الفساد السياسي، وهو إساءة استخدام السلطة العامة (الحكومة) من قبل النخب الحاكمة لأهداف غير مشروعة كالرشوة، أو الابتزاز، أو المحسوبية، أو الاختلاس. كما قد يكون سبب المخالفة متمثلاً باختلال موازين القضاء وانعدام النزاهة في الحاكمين أو العاملين في سلك القضاء، فيتعاطون الرشوة وتهدر الحقوق وتلغى من أجل تخليص معتدٍ، أو تحصيل لذة. وهناك أسباب للمخالفة بما غيب معه النزاهة مثل الفساد الصناعي أو المهني أو العلمي أو الأخلاقي، أو نحوها مما تترتب بموجبها أحياناً:

1 ــ أحكام بالضمان والتعويض حسب المتفق عليه أو ضمن المتعارف بين ذوي التخصص.

2 ــ كما يحكم بثبوت الخيار في حالات آخر مثل وجود العيب أو الغبن أو تخلف الشرط أو عدم مطابقة الوصف للمقبوض، أو تبعض الصفقة، أو التأخير باعتباره نكولاً عن التسليم في المدة المشروطة أو المتعارفة.

3 ــ مضافاً إلى الحكم بحرمة الغش بمختلف أشكاله وطرقه، بما في ذلك منح الإجازات المفتوحة أو استحصالها.

4 ــ وأيضاً الحكم بحرمة ما يؤثر بطالة مقنعة، من خلال المحاباة بإبرام عقود التوظيف لمن لا حاجة لخدماتهم، أو حجب التوظيف عن ذوي الكفاءآت أو الخبرات.

5 ــ وكذلك الحكم بحرمة التخلف عن مقتضى الشرط في العقد الوظيفي بين الموظف والجهة الموظفة له، بما يوجب التسيب الإداري.

6 ــ وأيضاً الحكم بحرمة استغلال المال العام للشأن الخاص مهما كان موقع المستغل وظيفياً.

7 ــ كما يحرم استعمال المال المغصوب مهما كانت دوافعه أو دواعيه، سوى حالة الاضطرار مع الحكم عليه بلزوم التخلص من الاستعمال في أسرع وقت ممكن، وبشرط تقليل مساحة الاستعمال.

8 ــ وهكذا يحرم تبديد الوقت المخصص لمزاولة العمل الوظيفي، وصرفه في المخصص له دون غيره، ما لم يتضيق وقت فريضة ونحوها من ضروريات الحياة، وبأقل ما يتأدى الواجب.

9 ــ وأيضاً يحرم دفع الرشوة وتقاضيها والمساعدة على تمريرها.

10 ــ وكذلك يحرم التبرج أو التحرش أو الخروج عن الضوابط العامة.

خاتمة

وفي الختام يُؤمل من خلال هذه الوقفة بين يدي الإمام الحسين (ع) أن تؤمِّن توجيهاته ما يضيء لنا طريقنا الذي ازدحمت فيه العثرات حيث توالت علينا، وأضحى من العسير نفع النصح، أو النهوض بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقد ساد الفساد الإداري ــ أحياناً ــ فلم يرعو المفسد، مما سهل الطريق لفساد مالي تخشى عواقبه، ولا يستهان بنتائجه؛ بعدما كاد يستشري في مفاصل المؤسسات الحكومية أو الأهلية، في مختلف الدول والشعوب، وبصيغ متعددة تتكون حسب الطلب حتى لم يقتصر على مكان أو مكين، وبدأ بالتسلل إلى منظومة الأخلاق وهي من أعرق ما يحتكم إليه الإنسان فنخرها متسبباً في تهلهل نسيج القيم، لتستبدل بمواضعات اجتماعية لا تسد الحاجة، الأمر الذي يتوجس منه ازدياد المخالفات بأشكالها وانتهاك الحرمات مما يصعب تلافيه، بعد تغلغله في جوانب معنوية ومادية مؤثرة في الإنسان نفسياً وجسمياً، فيستسيغ العيش على آلام الآخرين، ويتاجر بآمالهم، ويترصد عثراتهم، من دون أن يتفاعل مع حالة إنسانية يشاهدها، ولا يتحرك في أنجاز أمر إلاّ بعد تأمين مقابل مالي، يلبي طمعه.

وهذا ما تنعكس آثاره على الجميع بدون استئذان وتترتب تبعاته بلا إشعار، فيتأثر بها النزيه والملتوي، فتكوي طالب الرشوة ودافعها، والمتحلل من التزاماته والمتقيد بها، ليصيب الڤيروس كثيراً من الملفات المهمة التي لا تعوض، فتتلف مقاومات دفاعية جعلها الله تعالى في الإنسان تحميه من الشيطان وتقيه من جنوده. قال تعالى: “بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ “[الروم: 29]، بينما كان بالإمكان الرجوع إلى الثوابت والمبادىء الكفيلة بالإعتدال والتوازن، كمنارات لتعديل المسار؛ تفادياً من الوقوع في مزالق الإستغلال والإزدواجية والنفاق الإجتماعي وغير ذلك من أعراض الإلتواء والخروج عن حد النزاهة، بما يعتبر خروجاً عن طريق التقوى، بل يعد مؤازرة للشيطان وتنفيذاً لمخططه في أحتناك بني آدم، وتحسين الإنحراف لهم بصورة تحقيق الأماني والتخلص من واقع الفقر والحاجة، وغيرهما من المغريات أو الإبتزازات أو التهديدات.

ولذلك وجدناه (ع) مهتماً بالتحذير من الإنخداع فقارن بين صورتي المعروف واللؤم، ليجعل نصب أعيننا مآل أولئك فنحسن الإختيار بوعي للعواقب، ونتخلص من ضغوطات الأنا، ونتأكد من حقيقة قوله (ع): (ومن أحسن، أحسن الله إليه، والله يحب المحسنين)، فنتحفز للتواصل المنتج في بيوتنا ودوائرنا ومؤسساتنا كافة في قطاعاتها المتنوعة دون استثناء، لنكون بذلك مستجيبين لوصاياه (ع) في المبادرة إلى المكارم والمسارعة إلى المغانم وتعجيل المعروف واكتساب الثناء بذلك، وعدم التعويل على عوض زائل ــ مهما بلغ ــ والاهتمام بتنفيس شدائد المؤمنين، فينفس تعالى عنا شدائد الدنيا والآخرة؛ لكون موضوعات هذه الوصايا تتصل بمجموعة من تفاعلاتنا الحياتية الساخنة والمتكررة يومياً، مما يستدعي تحلينا بالنزاهة والأمانة، وتخلينا عن أضدادها من الفساد الإداري أو المالي أو الصناعي أو المهني أو العلمي أو القضائي أو الأخلاقي، أو السياسي، أو سواها مما غطى مساحة واسعة في بلدان العالم، ويكاد ينحصر سبيل ذلك في الرجوع إلى الرشد وامتثال الأحكام الشرعية، والعمل على تطويع المتعنتين وتفهيمهم قانونية التشريع وما يترتب على المخالفة من لوازم سيئة تقضي إلى التجريم والعقاب، أعاذنا الله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ووفقنا للأهتداء بهدي نبيه الأكرم (ص).. إنه خير موفق ومعين.


(1) نافسوا: تباروا فيها وتسابقوا عليهاـ المكارم: جمع المكرمة: فعل الكرم.

(2) المغانم: جمع المغنم وهو: ما يغنم أي ما يفوز به الإنسان بلا مشقة.

(3) لا تحتسبوا: لا تكتفوا.

(4) الحمد: الثناء، النحج: الظفر بالحوائج.

(5) المطل: التمديد، (التسويف) عدم قضاء الحوائج.

(6) الصنيعة: ما أصطنعت من خير إلى غيرك.

(7) تحور: ترجع، وتتحول.

(8) الكربة بالضم: الغم الذي يأخذ بالنفس، الصحاح ــ الجوهري ــ ج1 ــ ص211.

(9) كشف الغمة للأربلي ج2 ــ ص239 ــ 240.

(10) م ن.

(11) نهج البلاغة ج4 ــ ص54 برقم 246.

(12) المفردات 331.

(13) معجم مقاييس اللغة ــ لابن فارس ــ ج5 ــ ص 226.

(14) الصحاح ــ الجوهري ــ ج 5 ــ ص 2025.

(15) العين 6/60.

(16) عيون اخبار الرضا (ع) ــ الشيخ الصدوق ــ ج1 ــ 228 رقم 76.

إغلاق