أسرة ومجتمع / صحة

” الجائحة الجديدة…ملامحها وآثارها ونتائجها” (ج 3)

257-258

الدكتور حسن يوسف حطيط*

 

مضاعفات الجائحة الجديدة: تبدأ ولا تنتهي:

تطول لائحة المضاعفات التي تظهر عادةّ بعد فترةٍ من الإصابة بكوفيد 19 وتتركز في فئات محددة ومجموعات معينة من المرضى ككبار السن ومرضى السكري وارتفاع ضغط الدم ومرضى القلب والكلى ومرضى الربو وغيرهم من أصحاب الأمراض المزمنة  ولم تُعرف إلى الآن الأسباب المباشرة التي تكمن وراء هذه المضاعفات والإضطرابات والإشكالات وطريقة تبلورها وتطورها وتفاقمها، وتشمل هذه اللائحة الطويلة وغير المكتملة من المضاعفات الأعضاء الحيوية التالية:

  • القلب: أظهرت الاختبارات التصويرية التي أُجريت بعد التعافي من كوفيد 19 بعدة شهور حدوث ضرر دائم في عضلة القلب حتى لدى الأشخاص الذين لم يصابوا إلا بأعراض كوفيد 19 خفيفة فقط مما قد يزيد من خطر التعرّض لفشل القلب أو مضاعفات قلبية أخرى في المستقبل.
  • الرئتان: يمكن لالتهاب الرئة المرتبط عادة بكوفيد 19 أن يسبّب تلفاً طويل الأمد في الأكياس الهوائية الصغيرة (الأسناخ) في الرئتين ويُمكن للأنسجة المتندّبة الناتجة عن ذلك أن تؤدّي إلى مشاكل تنفسية طويلة الأمد.
  • الدماغ: حتى اليافعون قد يصابون بعدّة حالات دماغية نتيجة لكوفيد 19، ومنها السكتات الدماغية والتشنّجات ومتلازمة “غيان-باريه”، وهي حالة تسبب شللاً مؤقتاً. كما يمكن أن يؤدي كوفيد 19 إلى زيادة خطر الإصابة بداء “باركينسون وداء “الزهايمر”.
  • الكليتان: في الحالات الحرجة يتخثّر الدم بطريقة أسرع، ممّا قد يؤدي إلى تشكّل جلطات صغيرة تتسبّب في سدّ الأوعية الدموية. وقد يحدث هذا في الكليتين أيضاً، وهو ما يسميه بعض الخبراء بـ”جلطات صغيرة في نسيج الكلى”. بالإضافة إلى ذلك توجد أدلّة علمية على أنّ الفيروس قد يهاجم الكليتين بشكل مباشر وفي حالة إصابة المرضى بإلتهاب رئوي واحتياجهم للتنفس الصناعي، يؤثر الأمر بطريقة كبيرة على الكليتين فلإلتهاب الرئوي يؤدّي إلى تجمّع كبير للمياه حول الرئتين. في هذه الحالة يعطي الأطباء للمريض مدرات للبول تساعد على سحب السوائل من الجسم، مما يتطلّب عمل الكليتين بصورة أكثر من الطبيعي، في الوقت الذي تعاني فيه من قلّة تدفّق الدم بسبب الجلطات الصغيرة، وهو ما يسرع بفشل عملهما.
  • الكبد: لوحظ أنّه في حالات كوفيد 19 تتراوح الإصابة المبلغ عنها لإصابة الكبد من 15٪ إلى 53٪، بناءً على ارتفاعات أنزيمات الكبد الشديدة وانخفاض نسبة الألبومين وتبيّن أيضاً أنّ إصابة الكبد هي الأكثر شيوعاً بشكلٍ ملحوظ بين المصابين بعدوى شديدة فمن بين 82 شخص ماتوا نتيجة العدوى في الصين، كان معدل إصابة الكبد بينهم 78 ٪.
أمّا أبرز المضاعفات التي ارتبط إسم كوفيد 19 بها فهي التالية:
  • الجلطات الدموية ومشاكل الأوعية الدموية: يمكن أن يزيد كوفيد 19 من احتمال تَكتُّل خلايا الدم وتكوين الجلطات. رغم أنّ الجلطات الكبيرة يمكن أن تسبّب النوبات القلبية والسكتات الدماغية، يُعتقَد أن أغلب الضرر الذي يصيب القلب نتيجة لفيروس كوفيد 19 سببه جلطات صغيرة تسدّ الأوعية الدموية الدقيقة (الشعيرات الدموية) في عضلة القلب. ومن الأعضاء الأخرى التي تتأثّر بالجلطات الدموية الرئتان والساقان والكبد والكليتان. يمكن أن يؤدي كوفيد 19 أيضًا إلى إضعاف الأوعية الدموية، الأمر الذي قد يُسْهم في حدوث مشاكل طويلة الأمد في الكبد والكلى.
  • متلازمة الإرهاق المزمن والمشاكل المزاجية: هو اضطراب معقّد يتصف بالإرهاق الشديد الذي يتفاقم مع النشاط البدني أوالذهني، ولا يتحسّن بالاستراحة.
  • متلازمة الضائقة التنفسية الحادة: تشير الدراسات السابقة إلى أنّ متلازمة الضائقة التنفسية الحادة يمكن أن تقلّل بشكل كبير من جودة حياة الأشخاص، حتى بعد تعافيهم، لأنّها تترك ندبات لا رجعة فيها في الرئتين. ويمكن أن تؤدي إلى تلف رئوي لا يمكن إصلاحه وضعف في الرئة وأعراض تنفسية مزمنة والحاجة إلى الأكسجين على المدى الطويل.
  • إجهاد القلب وعدم انتظامه: أطلق علماء من جامعة هارفارد على المرض القاتل لقب “اختبار إجهاد كبير للقلب” وكشفوا أنّ الالتهاب والحمى المصاحبتان للمرض يضعفان القلب ويزيدان من خطر الإصابة بأمراض مزمنة خطيرة كعدم انتظام ضربات القلب وفشل القلب الاحتقاني أو التهاب التامور (التهاب عضلة القلب).
  • عاصفة السيتوكين: أو ما يُعرف بفرط الاستجابة المناعية لدى المصاب، وهي عبارة عن بروتينات صغيرة تطلقها العديد من الخلايا المختلفة في الجسم، بما في ذلك خلايا الجهاز المناعي، لتنسق استجابة الجسم ضد العدوى ومهاجمة المكان المصاب وهوالرئة، لكن عند إطلاق مستويات كبيرة من هذه الخلايا فإنّها تؤدي إلى فرط الالتهاب، مما قد يضر بصحة المريض ويمكن أن يقتله. وتؤثر هذه الظاهرة بشكل عام على أجهزة الجسم المختلفة، ومنها عضلة القلب والشرايين، وتحديداً عند الذين يعانون بالفعل من أمراض مزمنة مثل الضغط والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية. أمّا المصابون بالأمراض التي تؤثر على الجهاز المناعي مثل السرطان فإنّهم يكونون أكثر تأثراً بتداعياتها التي تصل إلى حدّ الوفاة.
  • التهاب الغدة الدرقية تحت الحاد: ظهرت علاماته على بعض المرضىى المصابين أو المتعافين من كوفيد19 في إيطاليا وضمّت آلاماً في الرقبة والغدة الدرقية والأذن والحمى وعدم انتظام في دقات القلب.
  • الإضطرابات الجلدية: يُصاب الأشخاص الذين يعانون من “كوفيد-19” بعدّة أنواع من الإضطرابات الجلدية وقسمها الباحثون إلى خمس مجموعات بأسماء وعوارض مختلفة، هي التالية:
  • طفح غير متماثل الأطراف، يشبه قضمة البرد حول اليدين والرجلين، قد يسبّب الحكّة والألم. يظهر هذا الطفح لدى المرضى الصغار في السنّ ويظهر في وقت متأخر من المرض، ويربط بينه وبين حالات العدوى المتوسطة.
  • بثور صغيرة، تسبّب الحكة، تظهر على الجذع والأطراف. ظهر هذا الطفح لدى المرضى في منتصف العمر وظهر قبل أيّة أعراض أخرى.
  • تعرّجات وردية وبيضاء في الجلد، تبدو كالطفح الناتج عن لمس نبات القراص، وتسبّب الحكّة غالباً. ظهر هذا النوع على الجسم بأكمله في الغالب، وأحياناً على الراحتين.
  • طفح بقعي حطاطي، أي بقع حمراء صغيرة ومسطحة تظهر فيها نتوءات متعرّجة ويظهر بشكل متزامن مع باقي الأعراض.
  • الترزّق الشبكي (معروف أيضاً بالنخر)، يظهر هذا الطفح على شكل شبكة بالأحمر أو الأزرق، ويعدّ دليلاً على ضعف الدورة الدموية. وطال هذا الطفح بشكل خاص المرضى المسنّين الذين كانوا يعانون بحدّة من أعراض المرض.
  • إضطرابات العينين: قد يسبّب الفيروس الغامض مشاكل في العينين مثل تضخّم الأوعية الدموية الحمراء وتورّم الجفون وزيادة الإفرازات. وقد تسبب العدوى أيضاً حساسية من الضوء وتهيجاً وهذه الأعراض أكثر شيوعاً لدى الأشخاص المصابين بعدوى شديدة.
  • اضطرابات الصحة العقلية: كالاكتئاب والقلق والهذيان والارتباك أو المعاناة من أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة مثل استرجاع الأحداث والكوابيس الليليّة وفرط الاستثارة والعزلة بعد التعرّض للأحداث المُفجعة. يعتبر الإمعان في العزل الاجتماعي، والوحدة، والقلق، والتوتر، والإعسار المالي، بمثابة عواصف قوية تجتاح الصحة النفسية للناس كما أنّ البطالة تهيئ صاحبها للإصابة بالتوتر والاكتئاب، فيلجأ البعض إلى تعاطي الكحول والمخدرات ولعب القمار، وقد تدفع البطالة أحياناً البعض إلى التشرد. وقال الباحثون إنّ الأولوية يجب أن تكون مراقبة معدلات القلق، والاكتئاب، والإضرار بالنفس، والانتحار وغيرها من الأمراض النفسية. يحدد الباحثون ثماني فئات قد تتأثر بالمضاعفات النفسية والعقلية للوباء أكثر من غيرها من فئات المجتمع:
    • الأطفال، وصغار السن، والعائلات (إغلاق المدارس، العنف الأسري، لا وجبات مدرسية مجانية).
    • المسنّون ومَن يعانون مشكلات صحية (العزل، الوحدة، الفقد).
    • الذين يعانون مشكلات في الصحة النفسية (التوقف عن العلاج وحدوث انتكاسات).
    • الصفوف الأمامية من الطواقم الطبية (مخاوف من العدوى، والتوتر بسبب العمل).
    • الذي يعانون صعوبات في التعلم (تغير في الروتين والدعم).
    • أصحاب الدخول المتدنية (الوظيفة وعدم الأمان الاقتصادي).
    • السجناء، والمشردون، واللاجئون (النبذ الاجتماعي).
    • المجتمع بشكل عام قد يستشعر زيادة في فروق المستويات الصحية وقد يشهد إقبالاً على استخدام بنوك الطعام.

في النهاية، لا بدّ من التأكيد على أنّ ما سبق ذكره هوجزء من صورة غير مكتملة وقسم من مشهد غير نهائي تنقصه المتابعة والمراقبة والملاحقة لكل الأجزاء الناقصة والمبهمة والغامضة كما ينقصه التحليل والإستنباط وفهم العوامل والتفاعلات والارتباطات والعلائق بينها. ونظراً لأنّ الجائحة الجديدة في أوج تفاقمها الآن ونظراً لأنّ “كوفيد-19” مرض جديد ولم تجمع بعد كلّ مظاهره وملامحه ومضاعفاته وإشكالاته وبما أنّ الخبراء لا يزالون يبحثون ويحلّلون ويكافحون لفهم أسرار المرض وتأثيراته القصيرة والطويلة المدى سيمضي الكثير من الوقت وستظهر الكثير من النظريات وستلقى الكثير من التوقعات حتى يصل اليوم الذي تتم فيه معرفة الصورة الحقيقية والكاملة للجائحة المعاصرة.


* طبيب إستشاري ورئيس شعبة أمراض الأنسجة في هيئة الصحة، حكومة دبي.

إغلاق