آفاق معرفية

حدود المعرفة وآفاق الفطرة

257-258

بقلم: حسن العاملي

كثيرٌ من الناسِ من يعتقد أنّ العلمَ يتوفر فقط في الكتب والمعاهدَ والمدارس والجامعات. وأنّ العلماءَ وحدهم يعرفون أسرارَ الطبيعةِ والإنسان والتكنولوجيا. وأنّ الاخصائيين هم من تدرّبوا على تطبيق تلك العلوم وعملوا بها. لكنّ “المرأة الجاهلة ” أو “العالمة” تعرفُ ما يكفيها من شؤونِ المطبخِ وتغيّرات الحرارةِ والضغط والإلمام بمختلفِ المواد الغذائية وتفاعلاتها العضوية.

مثل ذلك، المزارع ” الجاهل” أو “العالم” يعرفُ ما يكفيه لإنبات المزروعات ورعاية الحقول ونمو الأشجار وتغيرات المناخ  والطقس وجريان المياه وسلوك الحيوانات وطباع الحشرات وتقلّبات الأسواق. ومثل ذلك، صيّاد السمك “الجاهل” أو “العالم”، يعرف ما يكفيه لصيدِ السمك، خلال فصول السّنة، وتغيّرات الطقس وهبوب الرياح، ويعرف أيضاً السباحة وصناعة شِباك الصيد، وتقلّبات البحر وما فيه من أحياء. ومثله المعماري “الجاهل” أو “العالم”  يعرف ما يكفيه من قوى الجاذبية وتنوّع مواد البناء وصلابة المعادن واختلاف الخلطات الكيميائية، ويعرف أيضاً قياس المسافات وحساب المساحات والأحجام. وأمثالهم الكثير من ذوي المهنِ الحرَّة، أمثال: النجّار والحدّاد والميكانيكي والفرّان وغيرهم، الذين يعملون دون أن يدركوا أنّهم يطبّقون آليةَ العِلم كما هي في الطبيعة.

للجاهل مملكة، وللعالم ميدان

الفرقُ بين كلِّ أولئك “الجهلاء” من جهة، و”العلماء” من جهةٍ  أخرى، أنّ “الجاهل” لا يتسرَّع في خطواته، ولا يعمل قبل أنْ يتأكّد مما تتطلبه إحتياجاتُ مهنته. ف”الجاهلُ” لا يتجاوز خبراتَه، بل يتوقف حينما يعتريه شكٌ أو تواجهه معضلة. “للجاهلِ” مملكةٌ ذات حدود يلتزمُ بها ويستريحُ إليها، ويستخدمُ فيها طاقاتَه الفطريةِ وحواسَه كأدوات للمعرفة. وإنْ لم يكتفِ بذلك، فإنّه يستعين بالتأمُّل لاكتشاف الخفايا.

أمّا “العالِمُ” الواثقُ من نفسِه، فجرأته تدفعه ليقفز خارج مسارِ مهنتِه ومتطلّباتها، فينطلقُ راغباً بالمزيد من الإستكشاف. وهكذا، ف”العالم” بالطبخ يبحث عن وصفات جديدة ترضي مختلفَ الأذواقِ. و”العالِمُ” بالزراعةِ يبحثُ عن وسائلَ تُسرِّع النموَ وتوفر في الكلفة. وكذلك “مهندس” البناء يحاول أنْ يبتكر تصاميمَ جديدة للمؤسسات والمعامل والمدارس والمستشفيات وغيرها. ومثل ذلك، الصيّادُ “العالم” الذي يطمح لصيدِ الحيتانِ والأسماكِ الضخمة بطرق آمنة. وهكذا شأنُ “العالم”، إنّه يدرك أنّه يعلم، فيجول في ميدانهِ. أمّا “الجاهل فهو يستخدم العِلمَ ايضاً، دون أنْ يعلم ذلك.

العلم ُعلمان: 

العلمُ كأداةٍ للمعرفةِ والعمل، هو نوعان: أولهما علمُ الاستنباط، الذي يبدأ من التعاملِ مع الحدث، ثمّ يفتّشُ وينقّب ويُجرّب. وخلال كلّ تلك الخطواتِ، يستعينُ بما توفِّره له المصادر والمراجع والمعاهد وتجارب الآخرين. هذا العِلمُ يحاول أنْ يربط النتائجَ بأسبابِها، فيستعين بالمنطق والتحليل ويبحث عن علاقةِ المتغيّراتِ ببعضها، فيضع للمعلومات فرضيّات أو نظريّات أو قوانين، التي تصيب مرةً أو تخطىء مرةً أخرى. وحتى لو أصبحت تلك المعلومات مسلّمات، فإنّها على الأغلب لا تسلم، بعد حين، من تساؤل أو تفسير أو تغيير أأأو تصحيح. سبب ذلك أنَّ العلم يبدأ دائماً من الجهل بالشيء، ليفتّش عن الحقيقة. فوراءُ كلّ مجهولٍ، مجاهيلٌ. لذا، غالباً ما تنتهي المعرفة بعبارة : “وفوق كلِّ ذي علمٍ عليم”.

عِلمُ الظاهرة 

مقابل ذلك، هناك العلمُ بالفطرة، إنّه علمُ الظاهرةِ المكشوفةِ التي تحوي أسبابَها ونتائجها وظروفها في مكانٍ واحد، وفي آنٍ واحد. الظاهرة لا تحتاج إلى تحليل ولا إلى بحثٍ أو إستنباط. فالبرقُ والرعدُ، مثلاً، يتزامنان للمُشاهدِ، في وقتٍ واحد ومكانٍ واحد، دونما الحاجةِ إلى معرفة كيفية حدوث ذلك. ومثله: ظهورُ قوسُ القزحِ الذي يترافق مع وجودِ المطر، دون حاجة المشاهد ليعرف سرّ تلك الظاهرة. كذلك سمُّ الأفعى قاتل، دون الحاجة إلى معرفة كيفية تفاعله داخل الأجسام الحيَّة. كذلك يعرف الإنسانُ أنّ ورقةَ النبات الخضراء تَصنعُ من الماء والهواء والتراب ونور الشمس، سكريّات وزيوتاً ودهوناً وعطوراً وأصباغاً وسموماً وأدويةً وأخشاباً ومواد عضويةِ، دون الحاجةِ لمعرفة كيفية حدوثِ ذلك. فالظاهرةُ هي وحدةُ تفاعلٍ متكاملةٌ ومستقلةٌ بأسبابها وظروفها ونتائجها. عِلمُ الظاهرةِ، هو عِلمُ الفطرة أي (عِلمُ اليقين) الذي لا يقبل الشك ولا الخطأ، ولا يحتاج إلى مقدّمات ولا يرجعُ إلى مقولاتٍ أو براهين، فيوفّر للمشاهدِ معرفةً آنيةً  تنطبعُ فوراً في ذاكرةِ “الجاهلِ” و “العالم”.

العلمُ ينتهي عند حائطِ المعرفة 

عِلمنا، علمُ التحليل الذي يعتمدُ على المنطقِ، يجمع ويختزل ويركب ويستقصي وربّما يسترشد بمقولات سابقة، ثمّ يتوقف، في أغلب الأحيانِ، وهو غير واثق من استنتاجهِ، فيدخل إلى المختبر ويستعمل أجهزةً متنوعةً ومقاييسَ دقيقة، وربّما يحتاجُ إلى خيالٍ يسعفهُ، أو إلى سندٍ يدعمه. بعد ذلك، يخرج بفرضيّاتٍ قابلةٍ للتغيير والتعديل. العِلمُ لا يعرف كنهَ وجوهرَ وحقيقةَ الحدث، بل يصفه، بدءاً من مسبباته حتى نتائجه، إلى أنْ يصل به إلى حائطِ المعرفةِ المسدود، أي ( اللهُ أعلم ).

كلّ علم يبدأ من الجهل، وكلّ معلومةٍ جديدةٍ، لم تكن معروفةٌ من قبل. فليس غريباً أنْ يكون خلف الجهلِ علوم ومعارفٌ وتقنياتٌ مجهولةٌ، ربّما يكشفها الزمن. ففي التكنولوجيا ( التقنية ) مثلاً : تظهرُ في كلِّ دقيقة اكتشافات وتطورات جديدة، كانت مجهولة.

الجهلُ حافزٌ للمعرفة

من رواياتِ التاريخ المجهولة: كان أحدُ الحكّام في حرب مع خصومه، وفي أحد الأيام، استلم رسالةً من أحد قادته في المعركة. كان الحاكمُ أميّاً، لا يقرأ ولا يكتبْ، لكنّه كان متلهفاً لفهم مضمون تلك الرسالة، وفي الوقتِ ذاتهِ، كان يخشى أن يطّلعَ عليها غيره. وكحاكمٍ، فتح الرسالة، ثمّ طواها على أولِ سطرٍ فيها. ثمّ نادى واحداً من  رجالهِ، الذي قرأ:” بسم الله الرحمن الرحيم”، وانصرف. ثمّ طوى الرسالةَ على السطرِ الثاني، ونادا رجلاً أخر، فقرأ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وانصرف. ثمّ طواها على السطرِ الثالث …إلخ. بهذا التسلسل، فهمَ الحاكمُ تلك الرسالة، دون أنْ يعرف مضمونها كل من قرأ سطراً واحداً منها. هذا الجهلُ، المدعومُ بالرغبةِ والحماس، حفّزه لاستكشاف المخفي.

كيف ولماذا؟

كيفما دار العلمُ وجال لمعرفةِ مسارَ حدث ما أو ظاهرة، فإنّه يصفُ فقط، مراحلَ تحول وتفاعل الأسباب ونتائجها في ذلك الحدث. أمّا فهمُ حقيقةَ وكنهَ الأسباب، فالعِلمُ  يتجنبها. العِلمُ يتسلَّح دوماً بسؤاله عن ( كيف؟ ).

كمَن: يعرف عن الكهرباء وحقولَها، والضوء وانعكاسِه، وقوى الجاذبيةِ وفعلَها والمغناطيسيةِ ومسارها، يظلُّ جاهلاً بكنهِ وجوهرِ وحقيقةِ تلك القوى. وأيضاً، لا يعرفُ كيف وُجدت الشحنتان: الموجبة و السالبة، ولا يعرف كيف تحدَّدت سرعةُ الضوء في الفضاء. ولا يعرف أيضاً سرّ الجاذبية. فالعِلم يسأل دائماً، ( كيف ؟ ) ويترك السؤال ب ( لماذا؟) إلى الفلسفةِ والدين.

الرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ” (الرحمن: 1 – 4)   
إغلاق