عقيدة

حقيقة الاعذار والمصير يوم القيامة

257-258

بقلم: السيد مرتضى حيدر شرف الدين

 

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ  فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (البقرة، 256)

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة، 257)

فيما يتعلق بموضوع المفاهيم والمعارف سنتناول مجموعة من القضايا التي لها تأثير على نظرتنا إلى الدين والحياة والسلوك في هذه الدنيا وعلاقتنا بالخالق وما إلى هنالك.

وسنبدأ بموضوع جدلي مهم جداً، ألا وهو مسألة مدار الثواب والعقاب، ومن هو المثاب ومن هو المعاقب من الناس؟

لطالما كان هذا الموضوع محل جدل ومن الكلام الذي قيل فيه، أنّ القرآن الكريم يوضح وجود طبقة من المستضعفين. فقد قال الله تعالى في الآية الكريمة:

” إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إلّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (النساء، 97-98)،

لقد تحَّدث الله (عزَّ وجلَّ) عن جماعة من الناس ظالمي أنفسهم ومأواهم جهنم وساءت مصيرا، لأنّهم وبحسب قولهم كانوا مستضعفين في الأرض، أصبح الكلام هنا عن مفهوم المستضعف أو المعذور. فمن هو هذا المعذور؟

البعض قد يقول أنّ كلّ إنسان قاطع بصحة دينه هو مستضعف،أي هو معذور، وبالتالي عسى الله عن يعفو عنه.

البعض الأخر يقول أنّه من اسباب القصور والاستضعاف أنّ الإنسان نشأ في بيئة كلها متجهة بإتجاه معين، فتأثر بهذه البيئة، وهذا التأثر سيجعل مهمته صعبة في الأمتثال إلى دينه، وبالتالي عسى الله إن يعفو عنه.

لنضع هذا الكلام على الميزان ونقوم بتحليل كافة جوانبه.

أولاً: لقد وصل البعض إلى مرحلة أن يقول أنَّ الله سيدخل المتقين الجنة بحسب اديانهم، كالبوذي أو الهندوسي المتَّقين بأديانهم سيُدخلهم كلهم الجنة.

ولكن نزلت الكثير من الآيات الكريمة في هذا الخصوص مثل:

لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ” (الزمر، 65)

و “وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا “(الفرقان،23)

ووَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (إلبقرة،257)

قد يحلل البعض أنّ هذه الآيات هي آيات وعيد  أي تهديد واخلافها غير قبيح، فاخلاف الوعيد يختلف عن اخلاف الوعد.

ولكن هناك أيضاً آيات إخبار،أي يخبوارنا الله (عزَّ وجلَّ) من خلالها أن هناك أفواق ستدخل جهنم، فاخلاف بالإخبار بغير الواقع أمر قبيح. فإنَّ الله  في كثير من النماذج القرآنية لم يكن في مقام الوعيد بالعقاب، بل كان في مقام الإخبار بأنّ الفئة الفلانية سوف تدخل النار، هنا أصبح الأمر يُعدُّ اخلافاً بالإخبار والقرأن الكريم لا يأتي بالباطل.

ثانياً: إذا كان القاطع بدينه مستضعفاً أو معذوراً أو قاصراً، فلابد من التأكد من منشأ القطع وما سبب القطع.

هناك قاعدة شرعية تقول بالاضطرار بسوء ألإختيار لدينا في ألإختيار، يعني أن إذا شخص إنتحر عن تبقين مرتفع فهو في كلَّ آن من أوان سقوطه مأثوم، فسقوطه مسبب عن فعل إختياري. كذلك الذي يدخل أرض مغصوبة ويتصرّف بها ثم يضيق وقته عن الصلاة، تقول القاعدة الشرعية في هذه الحالة عليه أن يسال وهو خارج وهو مأثوم على تصرف الصلاة وهو خارج. هنا إجتمع الأمر والنهي نتيجة سوء اختياره فهو لم يكن مجبراً على الدخول إلى أرض الغير بدون اذنه، فلقد كان بوسعه ألا يضع نفسه في هذا الموقف فهذا السبب ليس سبباً تخفيفياً أي أنّ التأثّر بالبيئة المحيطة  ليس عذراً لأنّ الله  ذمّ اتباع الآباء في الدين بغير دليل في الكثير من الآيات في القرآن الكريم, وبذلك لا يكون متّبع الآباء معذوراً.

أمّا بالنسبة للقاطع والمتأكّد من صحة ما لديه، فلدينا أدلّة عديدة من كلام المعصومين, كأقوال الإمام علي(ع):

“ليس من طلب الحق فأخطأه ، كمن طلب الباطل فأدركه.”

” لا تقاتلوا الخوارج بعدي!”

إنَّ أمير المؤمنين(ع) يقول هنا أنَّ الخوارج كانوا من القاطعين، وواحدٌ من هؤلاء الخوارج الذين بقوا في النهروان كان عبد الرحمن إبن مُلجم. وعلى كلام الذين يقولون أنَّ القاطع بدينه معذورٌ يوم القيامة، فإنّه في هذه الحالة لا يكون إبن مُلجم أشقى الآخرين، لأنَّه من قومٍ أرادوا الحق فاخطاؤه، ذلك لأنّهم لم يتدبّروا في سبيل الحق ولم ينظروا إلى ما أشار إليه الله (عزَّ وجلَّ) ورسوله (ص) وأخذوا آيات وتركوا آيات أخرى.

ولقد كان منشأ قطعهم هو تقصر في المقدمات، وهذا التقصير وعدم التدبُّر أوصلهم إلى مرحلة القطع بالنتيجة، فهم لا يُعذرون ويعاقبون.

والحال أنّ أغلب الناس قاطعين بما لديهم، ومثال على ذلك الأديان المتعدِّدة في الهند كالذين يعبدون البقرة. والقطع في هذه الحالة له منشأ مهم جداً وقد أشار إليه العلامة المرجع السيد الحكيم في كتاب “أصول العقيدة”. فهو يسآل سؤال منطقي يخطر في أذهان الجميع:”هل هذه الشعبوب كلّها ستدخل النار؟ ولمَ نحن خُلقنا على ديننا، وهما خُلقوا على دينهم؟

ليأتي السوأل الأهم: هل هم قاصرون؟

لنأخذ مثال الشعب الياباني الذي وصل في التطور العلمي والتقني إلى مراتب عالية، ولا زال إلى الآن يعتقد أنّ للشمس ربوبية وأنّ الإمبراطور متولّد من الشمس بلحمه ودمه، فما السبب وراء ذلك؟

لقد لفت المرجع السيد الحكيم إلى السبب وراء ذلك قائلاً أنَّ هذه الشعوب لم تكتفِ بما كان لديها من العلوم والتقنيات فأعملوا عقولهم في تطويرها لأنّها كانت محل اهتمامهم حتى وصلوا إلى ما يرضيهم في ذلك. أمّا في موضوع الدين فإنهّم اكتفوا بما لديهم لأنَّ الدين لم يكن محل اهتمامهم لذلك لم يطوّروه ولم يبحثوا فيه.

ومن هنا نفهم الروايات التي لدينا، كرواية:

فمن علم باختلاف الناس فليس بمستضعف، فبمجرد أنّه يعرف أنّ الناس مختلفون على الفكرة فهو لم يعد معذوراً، بل عليه أن يبحث عن الموضوع لأنّه متعلق بمصيره، والوحيدين الذين لا يعرفون بإختلاف الناس هما من يعيشون في الأدغال أو في الإسكيمو، لأنّنا اليوم ومع وجود جميع وسائل التواصل والمعرفة أصبح الجميع على إطلاع بكل ما يدور في العالم بشكل دائم، ومن بينها مسألة إختلاف الناس.

برواية أخرى، يسأل أحد الأئمة عن تعريف المستضعف، فيقول: “أما ذلك الذي لا ينزل إلى السوق فيشاكس ويفاصل فلا ولا كرامة هذا ليس بمستضعف.”

كذلك الذي يتحجّج بحجّة العِلم لكي لا يُتمِّم أحكام دينه، أي يتحجّج بأنّه ليس متعلّماً لكي يصلي صلاته بالشكل الصحيح، وفي الوقت نفسه تجده يحمِّل على هاتفه تطبيقات بلغات أجنبية ويجيد استخدامها، فعقله الذي كان قدراً على اإستيعاب هذه التطبيقات كان أيضاً قادراً على تحصيل أحكام دينه بنفس الكيفية.وهذا يُعدّ تقصيراً فكيف له أن يدخل الجنة مع كلّ هذا التقصير.

فلقد أعطاه الله (عزَّ وجلَّ) آليات تمكِّنه من الوصول إلى الحقيقة فعلى أي أساس سوف يدخله الجنة وهو مقصِّر. وفي هذه الحالة نحن لا نتحدّث عن حتمية دخوله إلى النار، بل عن الإستحقاق أي أنَّ الله سوف يدخله الناس إن كان يستحق هذا العقاب، ولكن الله (عزَّ وجلَّ) وحده يقرر إمّا أن يدخله النار أو يعفو عنه عفواً خاصاً.

وهذه ليست قاعدة انما هو خلاف القاعدة، فالله (عزَّ وجلَّ) مزنه قائم على العدل. ففي الآية الكريمة يقول: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ  فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُوَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة: ٦-٧-٨).

وسنختم بالآية الكريمة:

وَالْعَصْر إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (العصر، ١-٢-٣)، أي أن الذين لم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات ولم يتواصوا بالصبر كلهم في خسر، وفي هذه الأية إن الله تعالى لا يتوعد بل يخبر بمؤكدين .

في النتيجة، فإنَّ المستضعف هو الذي لا يستطيع أن يتعقل بإختلاف الناس ولا ليس لديه القدرة على التعلم،أي أنَّ المستضعفين هم الناس المحدودي المدارك. فالأصل أنّ كلَّ إنسان مسؤول عن عمله وإيمانه ويحاسب عليه، إلا أن يكون قاصراً في مداركه العقلية، أو قاصراً بمعنى أن لا تصل إليه أخبار إختلاف الناس، فعسى الله أن يعفو عنه، ولقد قيل “عسى” أي “يرجو” أن يعفو عنه.

إغلاق