من سير الأطهار/ أدب ملتزم

“قافلة الحسين عليه السلام، قافية الحرية في الأشعار المسيحية”*

257-258

بقلم: الكاتبة والباحثة رجاء محمد بيطار

هو الحسين، مصباح الهدى وسفينة النجاة

 

وهو الشعر، ديوان العرب وسجلّ حياتهم، ينطق بتاريخهم ويدوّن أمنياتهم، ويهمسون ويصدحون معه وعبره بكل ما يعتلج في أعماقهم ويرسخ في ضمائرهم ويترجم حروف حضارتهم التي ارتقت بها رسالة نبيّهم، وهبطت بها أطماع جاهلياتهم القديمة والحديثة…

وهو الحسين، من أحيى به الله تعالى دين نبيّه، حينما هدّده جشع الجاهلية الأمويّة بالزوال، فكان كبش الفداء وإكسير الحياة، أطفأ بدمائه الزاكية لهيب الرمال، وأذكى في نفوس الأحرار شعلة العطاء، فغدا لهم قبسًا يستضيئون بكفّه البيضاء، ويستنطقون ألق شموخه ويأتون كربلاءه كما أتى موسى الكليم شجرة سيناء، عساهم يصطلون بدفئها من صقيع الظلم الوحشيّ الممتدّ عبر التاريخ، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، وفي كل الأزمنة والأنحاء.

حين يتحدّث الأنبياء على لسان الأولياء، وينسكب الوحي شهابًا ساطعًا ينير كلّ سماء، ينكشف عن نور الحقّ ضباب الزيف والادعاء، ويأتي الله بنورٍ مبينٍ يشعشع ويمحو كل ريب، وتجتمع في ظله الظليل كل الأمم والخلائق، والألسنة والمرافق، والأديان والملل، فالحقّ واحدٌ وإن تعدّدت النِّحل والطرائق.

من هنا كان منشأ هذا البحث، أن نستنطق ديوان العرب ببعض القوافي الهادرة في تاريخ الأدب، لشعراء لم ينطقوا بالشهادتين إلا في عشق الحسين، فكان هو التوحيد الذي ترجم للحرية دين الحق، واستلّ من حاء المسيح وسينه حاءً جدّد بها دينه، وسينًا سكب بها دم الفداء على جلجلة كربلاء ، فغدا بنهضته السامقة لواءً يرفرف فوق رؤوس الأحرار تمامًا كتقوى الله، لا فرق في حبّه بين عربيّ وأعجميّ، ومسلمٍ ومسيحيّ، فلا يميز الخبيث من الطيب، والعبد من الحرّ، إلا حرف واحد، حاءٌ تجمع الحبّ بالحرية، لتعقد فوقها أكاليل وردٍ وشوك، فتشرق حياةً أبدية، تضمّ أطراف المسيح، إلى قلب محمد، إلى رأس الحسين…

المبحث الأول: “الشعر الحسيني، أول شرارات الحرية”:

لقد عرف العرب الشعر ناطقًا بلسانهم، يذيع أخبارهم ويتنقّل مع أسفارهم، يخلّد مآثرهم ويلهب ضمائرهم، فكان حريًّا بواقعة الطفّ أن تعيش عبر القرون في حروف الضاد، إذ لم ينطق تاريخ العرب بمثلها فاجعة، ولم تحيى القلوب بمثلها حقيقةً ناصعة، فشحذ الشعراء قرائحهم على حدّ القوافي، ووقفوا على مفارق التاريخ يخطبون ويلهبون النفوس، ويحيون بكلامهم الحماسة في الصدور والرؤوس، ويتصدّون للظلم المنصبّ عليهم بسياطٍ من شعرٍ ونور…

وقد عرف كلّ لبيبٍ تلك الصفة الاستثنائية لذاك اللسان العجيب، لسان الشاعر الأديب الذي يفرغ عن ضمير الأمة، ويستوحي بيانه وتبيانه من تلك الفصول المهمة… وكان أهل البيت عليهم السلام أول من وعى فلا عجب، وحملوا لواء الكلمة الطيبة التي أصلها ثابتٌ في تراب الطفّ، وفرعها في سماء الإنسانية جمعاء، ما بين رأسٍ مرفوعٍ على القناة يرفّ ويشفّ، وكفٍّ تغنّى بسخائها الشعراء وغدت شعارًا لكل دعوةٍ للحق، بالقلب واللسان والكفّ… وارتجز أبطال الطفّ أشعارهم ليخلّدوا أخبارهم، فكانت أول “الطفّيّات”، وقدّموها بين يدي سيدهم ومولاهم تمامًا كما قدّموا أرواحهم، ثم انثنى إمام العابدين وسيّد الساجدين عليه السلام يخطو الخطوة التالية، مخاطبًا شاعر القافلة الثاكلة العائدة إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: يا بشر، أتحسن شيئًا من الشعر؟!… قم وانعَ سيد الشهداء وخلّد ذاك الذكر…

وصدح صوت بشر بن حذلم عبر أروقة التاريخ، يستدرج قوافي الشعراء ويرفع أول لواء:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها

قتل الحسين فأدمعي مدرارُ

الجسم منه بكربلاء مضرّجٌ

والرأس منه على القناة يُدارُ

        وانسكب النور، وراحت قوافل الأحرار تمحو عتمة الديجور، وتجلجل أصواتهم برثاء الحسين عبر العصور، ليغدو شعر الحسين مثالًا لكلّ أدبٍ ناهضٍ في وجه الظلم والجور، بدءًا بعتاة بني أمية، مرورًا بطغاة بني العباس، وصولًا إلى فراعنة القرون الأولى والأخيرة، حتى عصرنا هذا، الذي لا يقلّ طواغيته عن سواهم، بل لعلهم أكثر قسوةً وأشدّ، فلقد برعوا في فنون الطغيان وتتلمذوا على كلّ فراعنة الأزمان، ليتخرّجوا من مدرسة فرعون وهامان، وكان حريًّا بالمقابل أن يتخرّج شعراء الحرية من مدرسة سيد الأحرار، وأن تكون شعلة الحقّ الحسينية نبراسًا لكل زمانٍ ومكان، ولكل الملل والأديان، لا عنوان لها إلا الإنسان… فمن شعراء أهل البيت، دعبل والكميت والشريف الرضيّ والسيد الحميريّ، وغيرهم كثير، إلى شعراء أنصار أهل البيت الذين يفوقون العدّ والإحصاء، ولعلّ في تسليط الضوء على بعضهم، من مللٍ أخرى غير الإسلام، توكيدٌ لدور هذا الشعر العظيم الذي لم يدِن إلا بدينٍ واحد، هو دين الحرية.

المبحث الثاني: شعراء المسيحية يتغنَّون بالحسين:

إن كان الشعر الناطق بلسان الأحرار عبر الأزمنة، ليسجّل المعارضة الأبدية للظلم عبر اتّباع نهج الحسين عليه السلام، فإن العلامة الفارقة في سجلّ الشعر الحسيني، هم أولئك الذين نظموا القوافي الزاخرة في رثاء سيّد الشهداء، دون أن يكونوا مسلمين، فقد نظروا إلى تلك المسيرة الخالدة الممتدّة من أطراف القرن الأول الهجريّ حتى القرن الرابع عشر الهجريّ،  فاستطاعوا أن يقرؤوا ببصائرهم النافذة حرف الحقّ في قرآن الصدق، وأن يؤمنوا بالحسين رسول حريةٍ عبر الدهور، وانضمّوا بأشعارهم الملتهبة عشقًا ووجدًا إلى قوافل شعراء الطفّ، كما انضمّ كبيرهم وهب بن عبد الله النصرانيّ إلى سيد الشهداء، فاقتفَوا أثره، وطالعوا نظره، فنصروا كلمة الله فيمن نصره…

ولئن عجّ تاريخ النثر بأدباء المسيحية يرصدون عاشوراء ويتفقهون في مدرستها العامرة، فلقد كان للشعر المسيحي نصيبٌ وافٍ من تلك الحديقة الزاهرة، ولئن قطفنا ورودًا حسينيةً عاطرةً من بساتين النثر الأدبيّ، لسعيد عقل وأمين نخلة ونصري سلهب وسليمان كتّاني وخليل فرحات وجوزيف الهاشم وجورج جرداق وغيرهم، فإن القوافي الساحرة الآسرة الثائرة قد لهجت بحب ابن فاطمة، على لسان بولس سلامة، وجورج شكور وإدوار مرقس و عبد المسيح أنطاكي، وغيرهم…

ها هو “بولس سلامة”، اللبناني الجزّينيّ، صاحب ملحمة الغدير، ذات الثلاثة آلاف بيتٍ في مدح الإمام عليّ، وملحمة “عليّ والحسين” ذات المئتين والعشرين بيتا، إذ يقول:

سوف يبقى الدم الزكيّ لواءً

لشعوبٍ تحاول استقلالا

ينبت المجد في ظلال البنود الحمر

يهوى نسيجها سربالا

سوف تبكي على الحسين البواكي

ويُرى كلّ محجرٍ شلّالا

وها هو “عبد المسيح أنطاكي”، اليونانيّ السوري الحلبي، قد نظم ملحمته العلوية ذات الخمسة آلافٍ وخمسمئة وخمس وتسعين بيتًا، وريمون قسيس اللبناني المسيحي الزحلاوي، قد كتب ملحمة “الحسين” ذات المئة وخمسة عشر بيتًا، فاستهلّها بقوله:

يا حسين الفداء تفديك نفسي

أنت نوري المضيء يضحي ويمسي

قد دعا موسى والمسيح تجلّى

وأتى أحمد لربٍّ بخمسِ

ويتابع ثم يختم بقوله:

وحسينٌ كيوسفٍ ليس إلا

شهدت فضله موارد خمسِ

صاحِ هذي كتبتها بنجيعي

عن شهيدٍ لم يرْوِهِ فيضُ نِقسِ

وها هو “جورج شكّور” اللبنانيّ الجبيليّ يقول في ملحمته “الحسين”، ذات الثمانين بيتاً:

يا كربلاء لديك الخسر منتصر

والنصر منكسرٌ والعدل معيارُ

وفيكِ قبرٌ غدت تحلو محجّته

يهفو إليه من الأقطار زوّارُ

أمّا “إدوار مرقس” الشاعر السوري المسيحيّ ، فيقول في مستهلّ إحدى قصائد ديوانه، مستوحيًا من شهادة الحسين:

ركِب الحسينُ إلى الفخار الخالدِ

بيضَ الصفاح فكان أكرم رائدِ

حشد الطغاة عليه كلّ قواهم

وحموا عليه وِردَ ماءٍ باردِ

تأبى البطولة أن يذلّ لبغيهم

من لم يكن لسوى الإله بساجدِ

حسب الفتى من قوةٍ إيمانه

ولَكربلاءُ عليه أصدق شاهدِ

ويضيق المقال بإيراد أكثر من ذلك فنكتفي بهذا القدر من الشواهد.

 الخاتمة:

إنّ الحقّ يعلو ولا يعلى عليه، ويد الله كانت ولا تزال فوق أيدي كلّ الظالمين، وكذا وجه الله النيّر المبين، الذي يتلألأ مشيرًا إلى عليين، أنّى توجّهت القلوب والعيون ورصدته قوافل العاشقين… وكذا هو الحسين!

ومع أنه خامس أصحاب الكساء، وثالث أئمة أهل البيت النجباء، وأبو الأئمة المعصومين الأتقياء، وأحد أعمدة الفكر والنهج الإسلاميّ المحمّدي، بل هو عمادها الأساس، إلا أنه لم يكن يومًا ملكًا لأحد، فهو ملكٌ للإنسانية، وثورته نبراسٌ للحريّة، وصوته المستنصر لا زال يتردّد في كل مكانٍ وزمان، ليعلن رفض الطغيان مهما كان جنسه ولونه ودينه، تمامًا كدين جدّه، وإن رأسه الذي رُفع على القناة شماتةً ذات عاشوراء، قد غدا للعالمين لواءً منشورا، فانتصر دمه على سيوف الظالمين، وبقيت مقولاته العصماء شعارًا لكلّ الثائرين، يستمدون منها الثورة والإباء، مرصوفًا متألّقًا في الشعر الرصين والأدب المبين: “هيهات منا الذلة”، و”مثلي لا يبايع مثله”، “أللهم خذ حتى ترضى” ” لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرّ فرار العبيد”…

وقد ترجم ولده وبقيته الإمام زين العابدين عليه السلام، ذاك الواقع العجيب، انتصار المظلوم على الظالم، بقوله الخالد مجيبًا على طاغية عصره يزيد:

  • إذا رفع الأذان علمتَ يا ابن الطلقاء أيّنا قد انتصر!

لقد انتصر الحسين عليه السلام بشهادته، وبقي ذكره خالدًا بنهضته، وغدا مثالًا للتضحية والإباء، فحقّ له أن يكون سيد كلّ الشهداء، إذ هو قد أعلن عبر منبره الأبديّ  أعجوبة النصر الحسينيّ المحمّديّ، نصرٌ هويّته الإنسانيّة المجرّدة، فهو يبدأ بقافية الشهادة، ويبحر في يمّ التضحيات، ليصل إلى برّ النجاة، فلا يضلّ من قلّده وسام القيادة أبدا…


*من مشاركتها في مؤتمر “كربلاء…الحياة” الذي اقامته كلية التربية في جامعة ابن رشد للعلوم الإنسانية، بالتعاون مع العتبة العباسية المقدسة

إغلاق