أحيوا أمرنا

قيام الإمام الحسين (ع)

257-258

بقلم: السيد حسين نجيب محمد

 

الكلمة الحسينية:

قال الإمام الحسين (ع): «ما الإمام إلَّا العامل بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بالحقّ، والحابس نفسه على ذات الله»(1).

بين يدي الكلمة:

يُبيِّن الإمام (ع) في هذه الكلمة صفات الشخص اللائق بتحمُّل الإمامة والقيادة للأُمَّة، فيذكر أنَّه العامل بالقرآن الكريم، والقائم بالقسط، والدائن بالحقّ أي الذي يلتزم ويعمل بالحقّ، والواقف نفسه على طاعة الله تعالى، والكلمة التي نتوقف عندها قوله: «القائم بالقسط».

القيام بالقسط:

القسط هو العدل وهو إيصال الحقّ إلى مستحقه، والقيام بالقسط أي العمل به، وهو هدف بعثة الأنبياء، قال تعالى: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ” [الحديد: 25].

وقال الله تعالى:“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ” [المائدة: 8].

وقال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا ۚ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا “[النساء: 135].

والملاحظ في الآيتين أنَّ لفظة «قيام» تعني الحركة ونبذ السكون والقعود، ولفظ «قوَّامين» للمبالغة والتي تعني كثافة الحركة، فيقول الله تعالى:كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ” [المائدة: 8] والملاحظ “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ” [النساء: 135] تعني الحركة الكثيفة لإقرار التوحيد وإعطاء الحقوق، وهما عملان متساويان وواجبان على المؤمنين(2).

ومن هنا فعلى المؤمنين أن يقوموا وينهضوا لإقامة التوحيد والعدل بين النَّاس، سواء أكانوا فرادى أم جماعات صغيرة أم جماعات كبيرة.

قـــال السيِّد الخميني رحمه الله في شــــــرح قوله تعــــالـى: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [سبأ: 46] «الواعظ هنا هو الله تبارك وتعالى، وناقل الموعظة هو النبي الأكرم (ص)، وهو يقول في الآية أن تقوموا لله في سبيل إقامة الحق، ولا يشترط أن تتشكَّل المجاميع أوَّلاً ثمَّ يقوم بعدها الإنسان بذلك، بل إنَّ هذا التكليف يشمل حالات الفرادى مثلما يشمل حالات المثنى، فالتكليف بالقيام لله قائم عندما يكون الإنسان وحيداً وكذلك في حالة تشكيل التجمعات وأقلّها المُشكَّلة من اثنين، وهذه البداية، ثمَّ يرتفع العدد إلى أيّ حدّ كان.

النَّبي موسى كان راعياً لدى النَّبي شعيب لسنين عديدة؛ ثم أتاه الأمر بأن يهبّ لتنفيذ ذلك «القيام». وغاية الأمر أنَّه (ع) توقع من الله تبارك وتعالى شيئاً وهو أن يكون معه أخوه أيضاً، وعندها أصبحا «مثنى». فقد قام وحده أوَّلاً ثمَّ انضمَّ إليه أخوه فأصبحا اثنين ولكن في مواجهة أي سلطة انتفضا؟! إنَّها سلطة الفراعنة الذين لا زالت آثارهم العجيبة الغريبة باقية في القاهرة ومصر. قام لمجابهة هؤلاء فريداً ثمَّ التحق به فردٌ آخر هو أخوه، أمَّا بنو إسرائيل فلم يكونوا يحسنون سوى إثارة الشغب والضجيج ولا زال هذا حالهم اليوم أيضاً.

والنَّبي الأكرم (ص) كان وحيداً في بداية قيامه، ثمَّ ازداد العدد في ما بعد ــ تدريجياً ـ في مكَّة والمدينة، في مكَّة بقوا ثلاثة عشر عاماً لم تُتح لهم خلالها فرصة تحقيق شيء، لأنَّ كفَّار مكَّة كانوا أقوياء وكانوا يعتبرون تنامي هذه الحركة مضرّاً بمصالحهم، ولذلك عادوها خشيةً على مصالحهم، والأوثان كانت وسيلة بأيديهم فلم يكن عبدتها يؤمنون بها إلى تلك الدرجة، فالمهم لديهم هي مصالحهم المادية التي كانوا يعتبرون حركة النَّبي الأكرم تهديداً ماحقاً لها.

طوال بقائه في مكَّة (ص) كان وحيداً تقريباً، فلم يلتفّ حوله سوى ثُـلَّة قليلة واقتصرت حركته فيها على الدعوة التي كانت سرّية معظم تلك المدَّة؛ إلى أن تهيَّأت الأوضاع المناسبة وهاجر إلى المدينة وعندها بدأ بمجابهة القوى الكبرى»(3).

بين النهضة والثورة والخروج:

عبَّرنا عن حركة الإمام الحسين (ع) بـ «القيام» للإشارة إلى حركته الإصلاحية والتغييرية.

ويُعبّر عنها بـ «النهضة» ففي اللغة نهض أي قام. فعن الإمام علي (ع): «انظروا أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم… وإن نهضوا فانهضوا»(4). وعنه (ع): «لقد نهضت فيها ــ المقاتلة ــ وما بلغت العشرين»(5).

ويُعبّر عنها بـ «الثورة» والثورة من الإثارة أي الانقلاب. ومنه قوله تعالى: “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ “| [الروم: 9] أي قلبوها، وهي تعني في المصطلح السياسي «الانقلاب السريع الذي يحدث في الأوضاع السياسية نتيجة خروج عن الحياة المألوفة» ويُعبّر عنه في المصطلح القديم بـ «الخروج» وهو ما ذكره الإمام الحسين (ع) بقوله: «إنِّي لم أخرج أشراً».

وذهب البعض لترجيح استخدام كلمة «النهضة» بدل «الثورة» لأنَّ كلمة «الثورة الحسينية» تشير إلى انقلاب عسكري مفاجئ دون أن تحمل معانِ أوسع، بينما مصطلح «النهضة» يحمل معنى القيام الذي يعني العمل العسكري والتغيير الإيجابي الكبير في كافة المجالات الدِّينيَّة والتربوية والاجتماعية والاقتصادية(6).

قيام الإمام الحسين (ع):

رأى الإمام الحسين (ع) أنَّ الفساد والظلم والانحراف قد انتشر في الأُمَّة الإسلامية، فقام (ع) مع أصحابه الكرام بالإصلاح، والعدل، وإقامة القسط، وقد عبَّر عن سبب قيامه في الكثير من الخطب والكلمات والرسائل، وتلخص أسباب القيام بالآتي:

1 ــ إقامة القسط.

2 ــ الدعوة إلى الحق.

3 ــ الإصلاح.

4 ــ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

5 ــ التغيير.

وقد كان «قيام الإمام الحسين (ع)» في وجه يزيد بن معاوية، قياماً جهادياً استشهادياً، فقد كان يعلم (ع) منذ البداية أنَّ مصيره الاستشهاد، ولكنَّه كان يرى أنَّ أسباب القيام إنَّما تتحقَّق من خلال العمل الاستشهادي.

وبالفعل فقد حقَّق الإمام أهداف «القيام» من خلال استشهاده، فبقي الإسلام قائماً، فصحَّ أن يُقال: «لولا مال خديجة، وسيف عليّ، وشهادة الحسين لما قام للدِّين عود ولما استقام له عمود».

ومن هنا نقرأ في الزيارة: أشهد أنَّك قد أقمت الصلاة» وليس المراد بإقامة الصلاة أنَّه (ع) كان يُصلِّي فإنَّ هذه الشهادة بديهية، بل المراد أنَّه أحيا الصلاة، وأحيا الإسلام، وأحيا ذكر رسول الله (ص)، ولذا سُئل الإمام السجَّاد (ع): مَن الغالب؟ فقال (ع): «إذا أذَّن المؤذن وقال أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمداً رسول الله تعلم من الغالب».

قال آية الله السيّد عبد الأعلى السبزواري رحمه الله: «إنَّ العقلية بالنسبة إلى الحسين (ع) هي:

1 ــ سكوتــه عن خلافة يزيد رأساً وهو حرام عليه قطعاً لاشتهار يزيد بالفسق والفجور والخمور.

2 ــ صلحه معه فهو أيضاً حرام بلا إشكال لعين ما تقدَّم في سابقه، بل يكون أشد حرمة منه لأنَّ أهل الكوفة دعوا حسيناً إلى الكوفة للمجاهدة معه، فإذا صالح مع يزيد يخرج جميع الشيعة عن اعتقاد إمامته.

3 ــ ذهـــابـه إلى مصر من الأمصار غير الكوفة وهو أيضاً لا يجوز.

4 ــ خروجه إلى مصر من الأمصار بعد إجابة أهل الكوفة وحصول اليأس عن مساعدتهم، وهذا وجه حسن، ولكنَّه (ع) لا يقدر عليه بعد وقوعه تحت استيلاء الظلمة عليه.

5 ــ مــدافعته عن نفسه وحـــرمـــه وأهلــــه والتسليم لقضاء الله تعالى وقدره، وهو المتعين عليه عقلاً وشرعاً، وقد فعل ذلك جزاه الله تعالى خير جزاء الذابين عن أهله وحرمه وعن المؤمنين»(7).

لماذا لم يقم الإمام الحسين على (ع) معاوية؟

قد يتساءل البعض: لماذا لم ينهض الإمام (ع) على معاوية بعد استشهاد الإمام الحسن (ع)، مع العلم أنَّ معاوية كان من الفاسدين الظالمين، فقد قتل آلافاً من الصالحين، ومنهم بعض الصحابة كما جاء في رسالة الإمام الحسين (ع)(8).

الجواب: إنَّ لقعود الإمام (ع) ــ بعد استشهاد أخيه الحسن (ع) ــ تجاه معاوية عدَّة أسباب هي:

1 ــ الالتزام بالصلح الذي جرى بين الإمام الحسن (ع) ومعاوية، فقد كتب إلى معاوية: «ومعاذ الله أن أنقض عهداً عهده إليك أخي الحسن (ع)»(9).

وروى البلاذري أنَّه لمَّا توفي الحسن بن علي اجتمعت الشيعة، ومعهم بنو جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، وأُمّ جعدة أُمّ هانئ بنت أبي طالب، في دار سليمان بن صرد؛ فكتبوا إلى الحسين كتاباً بالتعزية، وقالوا في كتابهم: إنَّ الله قد جعل فيك أعظم الخلف ممَّن مضى، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، المنتظرة لأمرك.

وكتب إليه بنو جعدة يخبرونه بحسن رأي أهل الكوفة فيه؛ وحبّهم لقدومه وتطلُّعهم إليه، وأن قد لقوا من أنصاره وإخوانه من يرضى هديه، ويطمأنّ إلى قوله، ويعرف نجدته وبأسه؛ فأفضوا إليهم ما هم عليه من شنآن ابن أبي سفيان، والبراءة منه، ويسألونه الكتاب إليهم برأيه.

فكتب الحسين (ع) إليهم: «إنِّي لأرجو أن يكون رأي أخي رحمه الله في الموادعة، ورأيي في جهاد الظَّلمة رُشداً وسداداً، فالصِقوا بالأرض، وأخفوا الشَّخص، واكتموا الهوى، واحترسوا من الأظَّاء ما دام ابن هندٍ حيّاً، فإن يحدث به حدثٌ وأنا حيٌّ يأتكم رأيي إن شاء الله»(10).

وهذا لا يعني أنَّ الإمام (ع) كان يرى معاوية أهلاً للصلح.

يقول الشيخ شمس الدِّين رحمه الله: «ونحن نعلم أنَّ الحسين (ع) ما كان يرى في عهده لمعاوية عهداً حقيقاً بالرعاية والوفاء، فقد كان عهداً تمَّ بغير رضى واختيار وقد كان عهداً تمَّ في ظروف لا يد للمرء في تغييرها، ولقد نقض معاوية هذا العهد، ولم يعرف له حرمة، ولم يُحمِّل نفسه مؤونة الوفاء به، فلو كان عهداً صحيحاً لكان الحسين في حلٍّ منه، لأنَّ معاوية قد تحلَّل منه، ولم يألُ في نقضه جهداً. ولكن مجتمع الحسين، هذا المجتمع الذي رأينا أنَّه لم يكن أهلاً للقيام بالثورة، والذي كان يؤثر السلامة والعافية كان يرى أنَّه قد عاهد، وأنَّ عليه أن يفي، وأكبر الظن أنَّ ثورته ــ لو قام بها في عهد معاوية ــ كانت ستفشل على الصعيد السياسي وعلى الصعيد الاجتماعي حين ينظر إليها المجتمع الإسلامي من الزاوية التي كان معاوية سيسلِّط عليها الأضواء، وهي هذا العهد والميثاق الذي نقضه الحسين وأنصاره من الثائرين، فيظهرها للرأي العام وكأنَّها تمرُّد على مشروع»(11).

2 ــ الظــروف الاجتماعية لم تسمح بقيام الثورة، فإنَّ نفس الظروف التي منعت قيام الإمام الحسن (ع) بالثورة ما زالت موجودة.

قال الشيخ شمس الدِّين رحمه الله: «ولم يكن الحسين (ع) أقلّ إدراكاً لواقع مجتمع العراق من أخيه الحسن (ع)، فقد رأى من هذا المجتمع وتخاذله مثل ما رأى أخوه، ولذلك فقد آثر أن يُعدّ مجتمع العراق للثورة، ويعبئه لها، بل أن يحمله على القيام بها الآن.

كان هذا رأيه في حياة أخيه الإمام الحسن (ع)، فقد قال لعلي بن محمَّد بن بشير الهمداني حين فاوضه في الثورة بعد أن يئس من استجابة الإمام الحسن (ع): «صدق أبو محمَّد، فليكن كل رجلٍ منكم حلساً من أحلاس بيته(12) ما دام هذا الإنسان حيّاً»(13). يعني معاوية بن أبي سفيان.

وكان هذا رأيه بعد وفاة الإمام الحسن (ع)، فقد كتب إليه أهل العراق يسألونه أن يجيبهم إلى الثورة على معاوية، ولكنَّه لم يجبهم إلى ذلك، وكتب إليهم: «أمَّا أخي فأرجو أن يكون الله قد وفَّقه وسدَّده فيما يأتي، وأمَّا أنا فليس رأيي اليوم ذلك، فالصقوا رحمكم الله بالأرض، واكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنَّة ما دام معاوية حيّاً»(14).

3 ــ شخصية معاوية، فلو أنَّ الإمام (ع) ثار على معاوية، لاستطاع معاوية أن يجهز على الثورة من خلال موقعه الديني في نظر الناس، فقد كان معاوية يظهر بين الناس بمظهر التدين، مسبغاً الشرعية على منصبه، وبنفس الوقت كان يزرع مفاهيم دينية مغلوطة كوجوب طاعة السلطان والجبر الإلهي، وبالتالي فلو أنَّ الإمام الحسين (ع) ثار بوجهه لاستطاع معاوية أن يجرِّد الثورة من الأهداف التي يريدها الإمام (ع).

قال الشيخ شمس الدِّين رحمه الله: «وإذا بحثنا عن السبب في إخفاق ثورة الحسين لو ثار في عهد معاوية لوجدناه في مسحة الدِّين التي كان معاوية يحرص على إسباغها على سلوكه وسائر تصرُّفاته أمام العامَّة. وفي صفة الشرعية التي أفلح في أن يسبغها على منصبه لدى جانب كبير من الرأي العام الإسلامي.

فإنَّ هذا الواقع كان يُجرِّد ثورة الحسين ــ لـو ثــار ــ من مبرّرها الوحيد، لأنَّ الجواب الذي كان سيقدِّمه معاوية وأعوانه للناس حين يتساءلون عمَّا حمل الحسين على الثورة، أو يجيب به الناس أنفسهم، هو أنَّ الحسين طالب ملك، ولو قتل الحسين في سبيل ما توهمه الناس هدفاً من ثورته لما أثار قتله استنكاراً، ولما عاد قتله بشيءٍ على مبادئه ودوافعه الحقيقية للثورة، بل ربَّما عدَّه فريق من الناس مستحقَّاً للقتل، ولن يجدي الحسين وأنصاره أن يعلنوا للناس أنَّ ثورتهم لحماية الدِّين من تحريف وتزييف معاوية، وإنقاذ الأُمَّة من ظلمه، فلن يصدقهم الناس لأنَّهم لا يرون على الدِّين من بأس، ولم يحدث معاوية في الدِّين حدثاً ولم يجاهر بمنكر، بل سيرى الناس أنَّ مقالتهم هذه ستار يخفي مقاصدهم الحقيقية»(15).

لماذا قام الإمام الحسين (ع) دون غيره من المعصومين (ع)؟

بدايةً لا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ الإمام هو الأحقّ بالإمامة سواء قام أم قعد كما قال رسول الله (ص): «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا».

وعلى هذا، فلا ضير في قيام البعض وقعود الآخرين.

وأمَّا السِّر في هذا الاختلاف فيعود لأُمور منها:

1 ــ العمل بالأمر الإلهي: ففي صحيح ضريس الكناسي عن الإمام أبي جعفر محمَّد بن علي (ع) قال: «قال له حمران: جُعِلت فداك أرأيت ما كان من أمر علي والحسن والحسين (ع)، وخروجهم وقيامهم بدين الله عزّ وجل، وما أصيبوا من قتل الطواغيت إيَّاهم والظفر بهم حتَّى قتلوا وغلبوا؟ فقال أبو جعفر (ع): يا حمران إنَّ الله تبارك وتعالى قد كان قدر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه، ثمَّ أجراه. فبتقدُّم علم ذلك إليهم من رسول الله (ص) قام علي والحسن والحسين (ع). وبعلم صمت من صمت منَّا»(16).

وعن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمَّد الصادق (ع) قال: «إنَّ الله عزّ وجل أنزل على نبيّه (ص) كتاباً قبل وفاته: فقال: يا محمَّد هذه وصيتك إلى النُّجَبَة من أهلك… فدفعه  النَّبي (ص) إلى أمير المؤمنين (ع) وأمره أن يفكّ خاتماً منه ويعمل بما فيه، ففكَّ أمير المؤمنين (ع) خاتماً، وعمل بما فيه، ثمَّ دفعه إلى ابنه الحسن (ع)، ففكَّ خاتماً منه، وعمل لما فيه ثم دفعه إلى الحسين (ع)، ففكَّ خاتماً، فوجد فيه: أن اخرج بقوم إلى الشهادة، فلا شهادة لهم إلَّا معك، واشتر نفسك لله عزّ وجل. ففعل، ثمَّ دفعه إلى عليّ بن الحسين (ع)…»(17).

2 ــ عدم وجـــــود الأنصار: فعن سديـــــر الصيرفي، قال: «دخلت على أبي عبد الله (ع)، فقلت له: والله ما يسعك القعود. فقال: ولِمَ يا سدير؟ قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك. والله لو كان لأمير المؤمنين (ع) ما لَكَ من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيم وعدي. فقال: يا سدير وكم عسى أن يكونوا؟ قلت: مائة ألف. قال: مائة ألف؟! قلت: نعم، ومائتي ألف. قال: مائتي ألف؟! قلت: نعم، ونصف الدُّنيا. قال: فسكت عنِّي. ثم قال: يخف عليك أن تبلغ معنا ينبع؟ قلت: نعم. فأمر بحمار وبغل أن يسرجا… فمضينا، فحانت الصلاة، فقال: يا سدير انزل بنا نصلِّي. ثمَّ قال: هذه أرض سبخة لا تجوز الصلاة فيها. فسرنا حتَّى صرنا إلى أرضٌ حمراء. نظر إلى غلام يرعى جداء. فقال: والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود. ونزلنا وصلينا.فلما فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء فعددتها فإذا هي سبع عشرة»(18).

عن الإمام الباقر (ع) قال: «قال أبي يوماً وعنده أصحابه: من منكم تطيب نفسه أن يأخذ جمرة في كفِّه، فيمسكها حتى تطفأ؟ قال: فكاع الناس كلهم ونكلوا. فقمت وقلت: يا أبة أتأمر أن أفعل؟ فقال: ليس إيَّاك عنيت. إنَّما أنت منِّي وأنا منك. بل إيَّاهم أردت قال: وكرَّرها ثلاثاً. ثمَّ قال: ما أكثر الوصف، وأقلّ الفعل. إنَّ أهل الفعل قليل. إنَّ أهل الفعل قليل. وإنَّا لنعرف أهل الفعل والوصف معاً. وما كان هذا منَّا تعامياً عليكم، بل لنبلو أخباركم، ونكتب آثاركم. فقال: والله لكأنَّما مادت بهم الأرض حياءً ممَّا قال… فلما رأى ذلك منهم قال: رحمكم الله فما أردت إلَّا خيراً. إنَّ الجنة درجات، فدرجة أهل الفعل لا يدركها أحد من أهل القول، ودرجة أهل القول لا يدركها غيرهم. قال: فوالله لكأنَّما نشطوا من عقال»(19).

3 ــ اختلاف الظروف المحيطة بكلّ واحد من الأئمة (ع): فظرف الإمام الحسن (ع) كان يقتضي القعود، وأمَّا ظرف الإمام الحسين (ع) فكان يقتضي القيام.


المصادر:

(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع): ص312.

(2) نظرية النهضة الحسينية: ص73.

(3) الكوثر: ج3، ص125.

(4) نهج البلاغة: الخطبة 97.

(5) المصدر نفسه: الخطبة 27.

(6) النهضة الحسينية: ص14.

(7) التعليقة على بحار الأنوار: ج1، ص336.

(8) موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع): ص253.

(9) موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع): ص239.

(10) أنساب الأشراف: ج3، ص151، ح13.

(11) ثورة الحسين: ص159.

(12) حلس بالمكان حلساً: أي لزمه.

(13) الأخبار الطوال: ص221.

(14) المصدر السابق: ص222. نقلاً عن ثورة الحسين: ص149.

(15) ثورة الحسين: ص157.

(16) الكافي: ج1، ص262.

(17) الكافي: ج1، ص280.

(18) الكافي: ج2، ص242 ــ 243، ح4.

(19) الكافي: ج8، ص227 ــ 228، ح289

إغلاق